- 18 مارس 2008
- 23
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
[align=center]
:
:
فهذا جمع لمقالات شيخنا الفاضل أبي أويس رشيد، والتي نشرت في هذا المنتدى المبارك حتى يومنا هذا، وقد أحببت أن أجمع روابطها في موضوع واحد، لما في ذلك من تسهيل للاطلاع عليها وكذلك للتذكير بمقالات قديمة النشر ربما لم يطلع عليها كثير من الإخوة والأخوات.
والله الموفق والهادي للصواب
إشاعة المبشرات زمن الفتن والشبهات
من العوامل الناجعة عند حلول الفتن وظهور المحن وفشو الإحن: إشاعة المبشرات وروح التفاؤل فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى اطراح الخور والكسل، ويقود إلى الإقبال على الجد والعمل.
قال عليه الصلاة و السلام :" الإسلام يعلوا ولا يعلى" صحيح الجامع
فلنثق بالله - عز وجل - ونصره وتأييده، ولنحذر من كثرة التلاوم، وإلقاء التبعات على الآخرين، ولنحذر من القنوط واليأس، والتشاؤم؛ فالإسلام لا يرضى هذا المسلك بل يحذر منه أشد التحذير.
فقد حدث النبي عليه الصلاة و السلام عن ثلاثة أصناف من الناس لا خير فيهم:" ثلاثة لا تسأل عنهم ...ورجل في شك من أمر الله والقنوط من رحمة الله " صحيح الجامع
ولذلك فإن الأمة التي نخرها الشك ونهشها القنوط لا يرجى خيرها ما لم تستعد الثقة و اليقين بنصر رب العالمين ولا يضرنك ظهور أهل الباطل على أهل الحق فإن ظهورهم عارض امتحانا للمؤمنين وبعدها العاقبة للمتقين
قال الإمام ابن القيم رحمه الله :" فَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ فِي بَاطِلٍ لَمْ يُنْصَرْ ، وَإِنْ نُصِرَ نَصْرًا عَارِضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ" إعلام الموقعين2/275
ثم لنثق بأن في طي هذه المحن منحاً عظيمة، فبعد المحن تأتي المنح.
فقد بشر رسول الله عليه الصلاة و السلام ببشريات تذيب كل يأس وتدفع كل قنوط وتثبت كل صاحب محنة وتريح قلب كل فاقد للأمل من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :"بشر هذه الأمة بالسناء و الدين و الرفعة و النصر و التمكين في الأرض.." صحيح الجامع.
ولو لم يأت من هذه الفتن والمحن إلا أن الأمة تصحو من رقدتها، وتعود إلى ربها ودينها.
ولو لم يأت من ذلك إلا أن هذا الجيل الجديد بدأ يعرف أعداءه، ويطرق سمعه مسائل الولاء والبراء، ويدرك ما يحاك حوله من مؤامرات، ويشعر بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
ولو لم يأت من ذلك إلا أن المسلمين صاروا يشعرون بروح الجسد الواحد، ويتعاطفون مع إخوانهم في كل مكان، ويحرصون على تتبع أخبارهم، وتقديم المستطاع لهم، كل ذلك مع ما يواجهونه من التضليل الإعلامي، وما يحارَبون به من سيل الشهوات العارم لكان كفى.
فكثير من أهل الإسلام على درجة من الوعي والإدراك، والسعي في مصالح إخوانهم، والمؤمل أكثر من ذلك، وإنما المقصود أن يُبَيَّن أن الخير موجود، وأنه يحتاج إلى مزيد.
وبالجملة فإن إشاعة المبشرات وروح التفاؤل دأب المؤمن، وهو سبيل التأسي بالنبي- صلى الله عليه وسلم - خصوصاً في وقت اشتداد المحن؛ وليس أدل على ذلك مما كان في غزوة الأحزاب بالمدينة، وبلغت القلوب الحناجر، ومع ذلك كان -عليه الصلاة والسلام- يبشر أصحابه بمفاتيح الشام، وفارس، واليمن انظر مسند الإمام أحمد 4 / 203، وسنن النسائي الكبرى (8858).
وإذا تُحدث عن الفأل، والحث على نشره فإن ذلك لا يعني القعود، والخمود، والهمود؛ كحال من يؤملون الآمال العراض، ويفرطون في الأماني بحجة أن ذلك من الفأل، وهم كسالى قاعدون، لا يتقدمون خطوة، ولا ينهضون من كبوة.
لا ليس الأمر كذلك؛ بل إن الفأل المجدي هو ذلك الذي يحرك صاحبه، ويبعثه على الجد، ويشعره بالنجاح، ويقوده إلى إحسان الظن، وإلى العمل و العلم.
قال عليه الصلاة و السلام :" صلاح أول هذه الأمة بالزهد و اليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل" صحيح الجامع.
أبو أويس الإدريسي.
من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال والتخمين
من المقرر في الشريعة الغراء ومن المعلوم عند العلماء عظم إخراج المسلم من دائرة الإسلام ، ولو اعتقد أو قال أو فعل ما هو من الكفران ، لأنه من المزالق العظام ، لما يترتب عليه من الأمور الجسام ، ولذلك كان الحكم بذلك من وظائف العلماء الأعلام.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جُهَينَة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله إنه إنما كان متعوذا، قال: قتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".
قال الحافظ ابن حجر عند هذا الحديث: "قال: ابن التين: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد.
وقال القرطبي: في تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك" الفتح 12/243.
وقال أبو بطين رحمه الله: "وبالجملة يجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام لمجرد فهمه واستحسان عقله". (الكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل21).
وعليه قرر العلماء رحمهم الله أن "من ثبت إسلامه بيقين، لم يزل عنه بالشك" الفتاوي 12/501.
وقال ابن بطال رحمه الله: "وإذا وقع الشك في ذلك (يعني في كفر الخوارج) لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين" الفتح 12/314, وانظر كذلك كلام الزركشي رحمه الله كما في تحفة المحتاج 2/84.
قال الناظم:
إلى اليقين ترجع الأحكام **** بالشك لا يزال يا همام
ومن ثم سار العلماء في هذا الباب على النظر والتأمل دون عجل، وليس ذلك كذلك، إلا لأن "التكفير لا يكون بأمر محتمل" الصارم المسلول لابن تيمية 3/96.
مع العلم أن معنى لفظة "الشك" في كلام العلماء -هذا- هو كما بينه الجرجاني رحمه الله بقوله: "التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك" (التعريفات 113, وانظر البحر المحيط 1/78, في آخرين).
وهذا المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة يوافق ما هو مقرر عند أهل اللغة (فانظر معجم مقاييس اللغة, والمعجم الوسيط وغيرهما).
أما حقيقة معنى لفظة اليقين -فيما ذكر- فلغوية -كذلك- بحيث اليقين في اللغة: "العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر" كما في لسان العرب، ويقال: "يقن الأمر بيقين.. إذا ثبت ووضح" كما في المصباح المنير.
ومنه فإن لفظة اليقين -هنا- تشمل: حقيقة اليقين، والظن الراجح، وعلى هذا الأخير اصطلاح الفقهاء رحمهم الله كما نص عليه النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب 1/187.
فإذا ثبت إسلام المرء بحقيقة اليقين أو بغلبة الظن فلا يزاح هذا الأصل إلا بما هو أقوى منه أو بما يساويه فتأمل.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كسائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك باليقين،وتارة يدرك بظن غالب،وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل" بغية المرتاد 345, وتسمى "الرد على الطوائف الملحدة" كما في الفتاوي الكبرى 6/323.
وننبه -في هذا المقام- على مسألة جليلة ضلت فيها الأفهام وزلت فيها الأقدام وهي: "عقد الإسلام, وبم يثبت؟".
فنقول: إن كلام أهل العلم حول ثبوت إسلام المرء باليقين -في كلامهم السابق- أمر نسبي بمعنى: أن ذلك بالنسبة إلى ظاهر حال الإنسان، وهذا ما يعرف عند أهل العلم بـ "الإسلام الحكمي" الذي به النجاة في الدنيا،وأما في الآخرة فلا نجاة إلا بـ "الإسلام الحقيقي" انظر معارج القبول 2/208, وضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة 22.
والمهم في كلامنا الحديث عن ثبوت وصف الإسلام الذي نجري عليه أحكام الدنيا والذي اصطـُلح عليه –كما قلنا آنفا- بـ "الإسلام الحكمي" (1)، فإن العبرة بثبوت ذلك: "الظاهر"(2) لا "الباطن".
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة" الفتاوي 7/133.
وقال كذلك رحمه الله مفسرا قوله تعالى: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا": "والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين، سواء كانوا صادقين أم كاذبين فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان" الفتاوي 7/158, وانظر العقيدة الطحاوية مع شرحها 427.
ولأجله "اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين لأنهم أسلموا ظاهرا" الفتاوي 7/351.
ومن الأدلة على هذا الذي قرر - وهي كثيرة جدا- حديث أسامة رضي الله عنه السالف الذكر، وتؤكده رواية له عند مسلم قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟".
قال القرطبي رحمه الله: "وفيه (أي: الحديث) دليل على ترتب الأحكام على أسبابه الظاهرة دون الباطنة" الفتح 12/243.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ، ويعصِم دمه بذلك، ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله" جامع العلوم والحكم83.
إذن فالحكم بالإسلام يثبت بمجرد النطق بالشهادتين، وهو أمر مجمع عليه كما حكاه غير واحد، انظر" العذر بالجهل" لأحمد فريد 30.
وهذا معنى قول الإمام الزهري رحمه الله: "الإسلام الكلمة، والإيمان العمل" الإيمان لابن تيمية 280.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ".. فلا يكون مسلما إلا من شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وهذه الكلمة يدخل بها الإنسان الإسلام, فمن قال: الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق" الإيمان 256.
ومن الآثار العظيمة في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة رحمه الله في كتابه الإيمان عن سوار بن شبيب قال: "جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إن –ها هنا- قوما يشهدون علي بالكفر! قال: فقال: "ألا تقول: لا إله إلا الله، فتكذبهم" وسنده صحيح كما حكم بذلك الشيخ الألباني رحمه الله في تحقيقه لكتاب الإيمان لابن أبي شيبة رحمه الله ص:22.
قال البغوي رحمه الله: "الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه.." نيل الأوطار 8/12.
لكن هل النطق بالشهادتين هو الصورة الوحيدة للحكم بإسلام المرء؟
نقول جوابا : ليس النطق بالشهادتين هو الصورة الوحيدة للحكم بإسلام المرء -على الصحيح من قولي الفقهاء- وإنما ذكر ذلك فقط لأنه هو الحالة الغالبة لكل من يريد الدخول في الإسلام، وإلا فقد ثبت أن للوصف بذلك صور أخرى تقوم مقام النطق بالشهادتين قبلها النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث الصحيحة (انظر ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة).
قال ابن أبي العز: "..وهنا مسألة تكلم فيها الفقهاء: فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلما أم لا؟
والصحيح: أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام" شرح للطحاوية 75.
وعليه فيكفي في حكمنا بإسلام المرء قوله مثلا: أنا مسلم أو بصلاته ونحو ذلك كما هو معروف عند الفقهاء, (انظر إعلان النكير على غلاة التكفير62 فما بعدها).
فالحذر الحذر ممن خاض في هذا الخضم بلا فقه ولا علم، فزخرف القول وزين الكلم!
فها هم الخوارج يصفهم ابن زياد رحمه الله بقوله: "لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع" الكامل للمبرد 2/146.
ــــــــــــــ
1- والقصد منه أن نجري على المرء أحكام أهل الإسلام ما لم يأتي بناقض محقق وتقوم عليه الحجة ويحكم عليه أهل العلم، فتذكر.
2- أما تحقق ذلك حقيقة (ظاهرا وباطنا( وبقاؤه واستمراره فأمر آخر، فتنبه.
أبو أويس الإدريسي.
تفسير قوله تعالى: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"
أمر الله تعالى في هذه الآية باجتناب قول الزور، وحقيقة الاجتناب: الرفض وعدم العمل. انظر تفسير الطبري 5/33.
هو كذلك بمعنى الترك، واشتقاقه في اللغة: "كونوا جانبا" كما قال الزجاج رحمه الله. انظر زاد المسير 2/418.
وهذا أبلغ في النهي والتنفير وآكد من التنصيص على الحرمة فتنبه.
أما الزور فالأصل فيه تحسين الشيء، ووضعه بخلاف صفته، فهو كل باطل سواء كان شركا، أو عنادا، أو كذبا، أو غيره، وكل ما لزمه اسم الزور. انظر جامع البيان 19/31.
وقال ابن القيم رحمه الله: "والزور يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل وعلى العين نفسها (أي: محل الباطل).. وأصل اللفظة من الميل ومنه الزَور بالفتح، ومنه: زرت فلانا إذا ملت إليه وعدلت إليه، فالزور ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولا وفعلا" إغاثة اللهفان 245-246.
وعليه فمعنى قوله تعالى: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" أي: "جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور" تيسير الكريم الرحمن 538.
ومثله قوله تعالى: "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ".
يقول السعدي: "أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال بالباطل والغيبة والنميمة والسبّ والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه، وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية" تيسير الكريم الرحمن 587.
وعليه فشهادة البعض على الآخر بالباطل والكذب مما يدخل في معنى قول الزور وشهادته وذلك من أكبر الذنوب.
فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما يزال يقولها حتى قلنا: لا يَسكت" رواه البخاري وغيره.
وينجلي لنا جرم هذه الشهادة الخاصة بالوقوف عند أضرارها وهي كثيرة منها:
أولا: تضليل الحاكم عن الحق، والسبب في الحكم بالباطل.
ثانيا: الظلم لمن شهد له لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب الشهادة بالزور فوجبت له النار.
قال عليه الصلاة والسلام: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها" متفق عليه.
ثالثا: الظلم لمن شهد عليه فيتعرض الشاهد لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلما ودعوة المظلوم مستجابة.
قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" حسن السلسلة الصحيحة رقم 870.
رابعا: قد يطلب منه اليمين على صحة شهادته فيتعرض لغضب الله ومقته.
قال عليه الصلاة والسلام: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال: وإن كان قضيبا من آراك" مسلم.
خامسا: تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة.
سادسا: تزكية المشهود له، وهو ليس أهلا لذلك.
أبو أويس الإدريسي.
مفهوم " إن الدين يُسر "
التيسير مقصد من مقاصد هذا الدين وصفة عامة للشريعة في عقائدها وأحكامها وأخلاقها ومعاملاتها وأصولها وفروعها.
فالدين الإسلامي قائم على دعامة اليسر كما قال تعالى: " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ".
قال السعدي رحمه الله في تفسيره للآية: " أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير ويسهلها أبلغ تسهيل ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله.
وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهله تسهيلا آخر إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات " تيسير الكريم الرحمن 1/128-129.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يُسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه..." البخاري.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "أي دين الإسلام ذو يسر أو سُمِّيَ الدين يسرا مبالغة بالنسبة للأديان قبله لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم" الفتح1/116.
واليسر في اللغة كما لسان العرب: " اللين والانقياد، والميسرة: السعة والغنى، وتيسر الشيء واستيسر: تسهل، واليسر: ضد العسر" 5/295.
قال القاسمي رحمه الله عن اليسر: "عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم" محاسن التأويل 3/427.
وشرعا هو: "تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة أي كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تشدد يحرم الحلال ، ولا تمييع يحلل الحرام".
و كون الشريعة قد راعت جانب اليسر في تكاليفها لا يعني بحال أن يسوغ المرء لنفسه فعل ما يخالف الشرع أو أن يختار ما شاء من الأقوال، أو أن يضع الرخص التي تتفق مع هواه، فلو كان الأمر كذلك لانهدمت أركان الدين ولانمحت رسومه ولعظم اختلاف العباد واضطرابهم وهذا من أعظم التعسير.
إن القول بأن الدين يسر كلمة حق أراد بها الكثير من الناس الباطل.
نعم، الدين يسر لكن بلا تفريط وتساهل لأن التوسعة إلى الشرع لا إلى أهواء الناس ورغباتهم وما ألفوه ودرجوا عليه.
والدين يسر ولكن في اتباع ما أمرنا به وباتباع ما يسَّره الله لنا ورسوله صلى الله عليه وسلم ورخصاه لنا حين الحاجة إليه.
قال ابن حزم رحمه الله في معرض رده على من يترخص في الدين متبعا هواه: "فمن احتج بقول الله عز وجل " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يسر بقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)" الإحكام 869.
ثم إن الآية تبين مفهوم اليسر الرباني وهو أنه من عند الله وحده لا شريك له وأنه تشريع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه.
ولو ادعى مدع أن ما قرر مباين لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "إن الله يحب أن تؤتى رخصه..." فنقول جوابا: لقد أوتيت من عدم علمك بحقيقة الرخصة لأن المقصود منها في الحديث ما كان من عند الله ورخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الأمر بذلك شرع شرعه الله وأذن فيه ويبين هذا نهاية الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
ولا يعارض هذا نهي العلماء عن تتبع الرخص لأن المقصود بها أهون أقوال الفقهاء في مسائل الخلاف فتنبه.
قال ابن القيم رحمه الله: "الرخصة نوعان: أحدهما الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل الميتة والدم... عند الضرورة وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة، وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر... ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها.
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب فهذه تتبعها حرام... فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة في الأطعمة وأصحاب الحيل في المعاملات... وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص فهذا لون والأول لون" المدارج 2/60-61.
أبو أويس الإدريسي.
العبرة بكثرة المحاسن والفضائل
من المعلوم أنه لا يخلوا إنسان من العيب والنقص مهما كان فضله وبلغت منزلته، ولكن من الإجحاف ما نراه من زهد بعض الناس في آخرين لوقوفهم على ما أخطئوا فيه وزلوا مع قلة ذلك!
ورحم الله سعيد بن المسيب حيث قال: "فليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب ولا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه.. من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله" الكفاية 79.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه".
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معلقا :" الإنسان لا يخلو من الخطأ ، لكن المنصف يرى الصواب ويرى الخطأ ، فإذا صار الصواب أكثر، فليغتفر الخطأ، وإن كان الخطأ أكثر، اضمحل به الصواب "، انظر تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب رحمه الله تحقيق وتعليق الشيخ حسن مشهور حفظه الله 1/4.
وهذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله يمثل منهجا صحيحا للسلف الصالح وأهل السنة في الحكم على الأشخاص.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث يقع فيه، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)..."مفتاح دار السعادة 1/529.
وتقرير ذلك مبناه على اعتبار الغالب على المرء، على حد قول أهل العلم: "الشيء يحكم له أو عليه بما غلب عليه".
وفي ذلك قال الشافعي رحمه الله: "فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قَبِلتُ شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها" إرشاد الفحول 98.
وقال أبو الحسن الماوردي رحمه الله: "وبذلك جرت عادة الخلق أنهم يعَدِّلون العادل بالغالب من أفعاله، وربما أساء، ويفسقون الفاسق بالغالب من أفعاله، وربما أحسن" درر السلوك 65.
وعليه فإن العبرة في تقويم الأشخاص كثرة المحاسن والفضائل.
يقول الحافظ الذهبي رحمه الله: "ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الإتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ وإنما العبرة بكثرة المحاسن" السير 20/46.
وها هو الحافظ الحكمي رحمه الله في تغليب خيرية الصحابة رضي الله عنهم على ما قد يرد في خصوص بعضهم من أخبار الفتن يثبت مبدأ تغليب المحاسن واعتبار كثرة الفضائل حيث قال: "ولهم من الفضائل والصالحات والسوابق ما يُذهب سيئ ما وقع منهم إن وقع، وهل يغير يسير النجاسة البحر إذا وقعت فيه، رضي الله عنه وأرضاهم" أعلام السنة المنثورة 185.
مع التنبيه -هنا- أن اعتبار غلبة المحاسن صحيح مع اعتبار سلامة المنهج، ووضوح التصور، وصفاء الاعتقاد، وصحة الأصول، بل نقول مستفهمين استفهاما تقريريا: وهل يتصور صحة ذلك إلا بذلك؟!
وقد وضح ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض بيانه لزلة وقع فيها الشيخ الهروي رحمه الله صاحب كتاب المنازل حيث قال في حقه: "ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحلُّه من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عد خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام" المدارج 1/219.
إذن فالمرء يمدح بكثرة ما له من الفضائل والمحاسن، ومن الاعتساف والخروج عن الفطرة السوية والإنصاف: أن ندفن كثرة خير المرء لقلة زلـله وعيبه، فإنه مما هو "معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها" مفتاح دار السعادة 1/531.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن" السير 8/378.
أبو أويس الإدريسي.
تحذير أهل الخير والإيمان
من الافتتان في الدعوة بطول الزمان
من معالم التفكير الصحيح وجود الغيرة على حرمات الله، فإن وجود الغيرة على الإسلام وأهله تحمل على الثبات وسلوك الصراط المستقيم ومناصرة الحق والدعوة إليه، لكن إذا لم تنضبط هذه الغيرة بالصبر والعلم الصحيح فقد تحمل صاحبها في دعوته إلى ما يخالف الشرع كإنكار المنكر بالمنكر وسفك الدماء وإتلاف الأموال..كل ذلك طلبا لبلوغ المقصود وانتهاء إلى المطلوب فيستعجل المرء سبيل الحق ويستطيله بدعوى المبادرة إليه مع أن هذه الأخيرة "انتهاز الفرصة في وقتها
ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها فهو لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل وقتها بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها كلها، فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة والثاني الاستعجال قبل الوقت ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعا من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة" الروح 348.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كشف لنا عن حقيقة طول طريق الحق بخلاف غيره كما في مسند الإمام أحمد وغيره بالسند الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه ثم تلا قوله: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"الأنعام153.
فدل هذا الحديث بوصفه ورسمه أن طريق الحق طويل لكن النجاة بالسير عليه بالعلم والصبر فهو "الطريق الوحيد الموصل إلى الله وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذه الطريق الواحد، فإنه متصل بالله موصل إلى الله" التفسير القيم 14-15 بتصرف يسير.
وعليه فالحذر من بنيات الطرق ومن تلبيس من يشكك في طريق الصواب، ويخذل عن سبيل الحق أو يرتاب، فما دفع أولئك إلى ذلك إلا استعجال الوصول وافتنانا بالزمن والطول، ورحمة الله على ابن القيم حيث قال: "من استطال الطريق ضعف مشيه" الفوائد 90.
وقال ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير 1/1474: "ووصف الصراط بالمستقيم أي الذي لا خطأ فيه ولا فساد..والمقصود إتمام هيئة التشبيه بأنه دين لا يتطرق متبعه شك في نفعه كما لا يتردد سالك الطريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحير في أمره".
فنقول لكل من افتتن في دعوته ولم يرى ثمرتها الكاملة بطول الزمن: كم لبث نوح عليه السلام في دعوة قومه؟ !.
قال تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً" العنكبوت14، والشاهد من هذه الآية أنها لم ترد في سورة نوح وإنما في سورة العنكبوت وذلك تحذيرا من الافتتان بالزمن ووجهه أن سورة العنكبوت موضوعها العام الحديث عن الفتن والكلام عن المحن ولذا قال تعالى في مطلعها: "الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".
قال السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال :إنه مؤمن وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنه لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن كل ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها". تيسير الكريم الرحمن.
فالحذر الحذر من الافتتان بالزمن وادفع ذلك بالإيمان والسير وفق الصراط المستقيم وهدي الأنبياء والمرسلين خاصة خاتمهم عليه صلوات وسلام رب العلمين.
فسورة العنكبوت سميت بذلك لأن بيت العنكبوت خيوطه كثيرة ومتشابكة ولكنها واهية وضعيفة ومثلها الفتن (ومن تلك الفتن طول الزمن في الدعوة إلى الله) فهي تبدوا كثيرة متشابكة ولكن بمقاومتها بالإيمان والسير على خطى العدنان عليه الصلاة والسلام فسينكشف مدى ضعفها.
يقول السعدي رحمه الله في معرض كلامه عن قوة الرجاء في الله والحذر من أن يمتلك المرء اليأس في طريقه إلى الله: "وكما أن الإنسان يطبق هذا المعنى على نفسه فليستعمله في غيره إذا أراد هداية أحد أو دعوته إلى الإسلام أو أصلا من أصوله أو فرعا من فروعه أو تعليمه لعلم نافع، ثم رأى من المدعو نفورا وإعراضا أو بلادة وقلة فطنة فإن أخذه الملل واليأس من إدراك المقصود منه وعدم رجاء انتفاعه لم يلبث إلا قليلا حتى يدع دعوته وتعليمه فيفوت بذلك خير كثير.
وإن هو سك مسلك نبيه عليه الصلاة والسلام في دعوته وهداية الخلق وعلم أنه مكث مدة طويلة ويدعوا الناس إلى الإسلام والتوحيد فلا يلقى أذنا سامعة ولا قلبا مجيبا فلم يضعف ولم يلن بل لم يزل قوي الرجاء عالما أن الله سيتم أمره ماضيا على دعوته حتى فتح الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وبلغت دعوته وهدايته ما بلغ الليل والنهار" الفتاوى السعدية 4/69-470.
ولأجله كانت آية لبث نوح عليه السلام مع قومه تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام ولأتباعه من الأنام.
قال الزمخشري رحمه الله عندها: "القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله عليه السلام وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره" الكشاف 1/948.
وقال ابن عاشور رحمه الله: "وفائدة ذكر هذه المدة للدلالة على شدة مصابرته على أذى قومه ودوامه على إبلاغ الدعوة تثبتا للنبي صلى الله عليه وسلم" التحرير والتنوير 1/3185.
وصدق الله حيث قال: "وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" الرعد40.
أبو أويس الإدريسي.
سأوافيكم بالمزيد إن شاء ربنا تبارك و تعالى:wave:
[line]-[/line]
منقوووول للـــأمــانــــــــــة[/align]
:
:فهذا جمع لمقالات شيخنا الفاضل أبي أويس رشيد، والتي نشرت في هذا المنتدى المبارك حتى يومنا هذا، وقد أحببت أن أجمع روابطها في موضوع واحد، لما في ذلك من تسهيل للاطلاع عليها وكذلك للتذكير بمقالات قديمة النشر ربما لم يطلع عليها كثير من الإخوة والأخوات.
والله الموفق والهادي للصواب
إشاعة المبشرات زمن الفتن والشبهات
من العوامل الناجعة عند حلول الفتن وظهور المحن وفشو الإحن: إشاعة المبشرات وروح التفاؤل فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى اطراح الخور والكسل، ويقود إلى الإقبال على الجد والعمل.
قال عليه الصلاة و السلام :" الإسلام يعلوا ولا يعلى" صحيح الجامع
فلنثق بالله - عز وجل - ونصره وتأييده، ولنحذر من كثرة التلاوم، وإلقاء التبعات على الآخرين، ولنحذر من القنوط واليأس، والتشاؤم؛ فالإسلام لا يرضى هذا المسلك بل يحذر منه أشد التحذير.
فقد حدث النبي عليه الصلاة و السلام عن ثلاثة أصناف من الناس لا خير فيهم:" ثلاثة لا تسأل عنهم ...ورجل في شك من أمر الله والقنوط من رحمة الله " صحيح الجامع
ولذلك فإن الأمة التي نخرها الشك ونهشها القنوط لا يرجى خيرها ما لم تستعد الثقة و اليقين بنصر رب العالمين ولا يضرنك ظهور أهل الباطل على أهل الحق فإن ظهورهم عارض امتحانا للمؤمنين وبعدها العاقبة للمتقين
قال الإمام ابن القيم رحمه الله :" فَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ فِي بَاطِلٍ لَمْ يُنْصَرْ ، وَإِنْ نُصِرَ نَصْرًا عَارِضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ" إعلام الموقعين2/275
ثم لنثق بأن في طي هذه المحن منحاً عظيمة، فبعد المحن تأتي المنح.
فقد بشر رسول الله عليه الصلاة و السلام ببشريات تذيب كل يأس وتدفع كل قنوط وتثبت كل صاحب محنة وتريح قلب كل فاقد للأمل من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :"بشر هذه الأمة بالسناء و الدين و الرفعة و النصر و التمكين في الأرض.." صحيح الجامع.
ولو لم يأت من هذه الفتن والمحن إلا أن الأمة تصحو من رقدتها، وتعود إلى ربها ودينها.
ولو لم يأت من ذلك إلا أن هذا الجيل الجديد بدأ يعرف أعداءه، ويطرق سمعه مسائل الولاء والبراء، ويدرك ما يحاك حوله من مؤامرات، ويشعر بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
ولو لم يأت من ذلك إلا أن المسلمين صاروا يشعرون بروح الجسد الواحد، ويتعاطفون مع إخوانهم في كل مكان، ويحرصون على تتبع أخبارهم، وتقديم المستطاع لهم، كل ذلك مع ما يواجهونه من التضليل الإعلامي، وما يحارَبون به من سيل الشهوات العارم لكان كفى.
فكثير من أهل الإسلام على درجة من الوعي والإدراك، والسعي في مصالح إخوانهم، والمؤمل أكثر من ذلك، وإنما المقصود أن يُبَيَّن أن الخير موجود، وأنه يحتاج إلى مزيد.
وبالجملة فإن إشاعة المبشرات وروح التفاؤل دأب المؤمن، وهو سبيل التأسي بالنبي- صلى الله عليه وسلم - خصوصاً في وقت اشتداد المحن؛ وليس أدل على ذلك مما كان في غزوة الأحزاب بالمدينة، وبلغت القلوب الحناجر، ومع ذلك كان -عليه الصلاة والسلام- يبشر أصحابه بمفاتيح الشام، وفارس، واليمن انظر مسند الإمام أحمد 4 / 203، وسنن النسائي الكبرى (8858).
وإذا تُحدث عن الفأل، والحث على نشره فإن ذلك لا يعني القعود، والخمود، والهمود؛ كحال من يؤملون الآمال العراض، ويفرطون في الأماني بحجة أن ذلك من الفأل، وهم كسالى قاعدون، لا يتقدمون خطوة، ولا ينهضون من كبوة.
لا ليس الأمر كذلك؛ بل إن الفأل المجدي هو ذلك الذي يحرك صاحبه، ويبعثه على الجد، ويشعره بالنجاح، ويقوده إلى إحسان الظن، وإلى العمل و العلم.
قال عليه الصلاة و السلام :" صلاح أول هذه الأمة بالزهد و اليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل" صحيح الجامع.
أبو أويس الإدريسي.
من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال والتخمين
من المقرر في الشريعة الغراء ومن المعلوم عند العلماء عظم إخراج المسلم من دائرة الإسلام ، ولو اعتقد أو قال أو فعل ما هو من الكفران ، لأنه من المزالق العظام ، لما يترتب عليه من الأمور الجسام ، ولذلك كان الحكم بذلك من وظائف العلماء الأعلام.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جُهَينَة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله إنه إنما كان متعوذا، قال: قتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".
قال الحافظ ابن حجر عند هذا الحديث: "قال: ابن التين: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد.
وقال القرطبي: في تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك" الفتح 12/243.
وقال أبو بطين رحمه الله: "وبالجملة يجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام لمجرد فهمه واستحسان عقله". (الكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل21).
وعليه قرر العلماء رحمهم الله أن "من ثبت إسلامه بيقين، لم يزل عنه بالشك" الفتاوي 12/501.
وقال ابن بطال رحمه الله: "وإذا وقع الشك في ذلك (يعني في كفر الخوارج) لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين" الفتح 12/314, وانظر كذلك كلام الزركشي رحمه الله كما في تحفة المحتاج 2/84.
قال الناظم:
إلى اليقين ترجع الأحكام **** بالشك لا يزال يا همام
ومن ثم سار العلماء في هذا الباب على النظر والتأمل دون عجل، وليس ذلك كذلك، إلا لأن "التكفير لا يكون بأمر محتمل" الصارم المسلول لابن تيمية 3/96.
مع العلم أن معنى لفظة "الشك" في كلام العلماء -هذا- هو كما بينه الجرجاني رحمه الله بقوله: "التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك" (التعريفات 113, وانظر البحر المحيط 1/78, في آخرين).
وهذا المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة يوافق ما هو مقرر عند أهل اللغة (فانظر معجم مقاييس اللغة, والمعجم الوسيط وغيرهما).
أما حقيقة معنى لفظة اليقين -فيما ذكر- فلغوية -كذلك- بحيث اليقين في اللغة: "العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر" كما في لسان العرب، ويقال: "يقن الأمر بيقين.. إذا ثبت ووضح" كما في المصباح المنير.
ومنه فإن لفظة اليقين -هنا- تشمل: حقيقة اليقين، والظن الراجح، وعلى هذا الأخير اصطلاح الفقهاء رحمهم الله كما نص عليه النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب 1/187.
فإذا ثبت إسلام المرء بحقيقة اليقين أو بغلبة الظن فلا يزاح هذا الأصل إلا بما هو أقوى منه أو بما يساويه فتأمل.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كسائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك باليقين،وتارة يدرك بظن غالب،وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل" بغية المرتاد 345, وتسمى "الرد على الطوائف الملحدة" كما في الفتاوي الكبرى 6/323.
وننبه -في هذا المقام- على مسألة جليلة ضلت فيها الأفهام وزلت فيها الأقدام وهي: "عقد الإسلام, وبم يثبت؟".
فنقول: إن كلام أهل العلم حول ثبوت إسلام المرء باليقين -في كلامهم السابق- أمر نسبي بمعنى: أن ذلك بالنسبة إلى ظاهر حال الإنسان، وهذا ما يعرف عند أهل العلم بـ "الإسلام الحكمي" الذي به النجاة في الدنيا،وأما في الآخرة فلا نجاة إلا بـ "الإسلام الحقيقي" انظر معارج القبول 2/208, وضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة 22.
والمهم في كلامنا الحديث عن ثبوت وصف الإسلام الذي نجري عليه أحكام الدنيا والذي اصطـُلح عليه –كما قلنا آنفا- بـ "الإسلام الحكمي" (1)، فإن العبرة بثبوت ذلك: "الظاهر"(2) لا "الباطن".
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة" الفتاوي 7/133.
وقال كذلك رحمه الله مفسرا قوله تعالى: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا": "والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين، سواء كانوا صادقين أم كاذبين فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان" الفتاوي 7/158, وانظر العقيدة الطحاوية مع شرحها 427.
ولأجله "اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين لأنهم أسلموا ظاهرا" الفتاوي 7/351.
ومن الأدلة على هذا الذي قرر - وهي كثيرة جدا- حديث أسامة رضي الله عنه السالف الذكر، وتؤكده رواية له عند مسلم قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟".
قال القرطبي رحمه الله: "وفيه (أي: الحديث) دليل على ترتب الأحكام على أسبابه الظاهرة دون الباطنة" الفتح 12/243.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ، ويعصِم دمه بذلك، ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله" جامع العلوم والحكم83.
إذن فالحكم بالإسلام يثبت بمجرد النطق بالشهادتين، وهو أمر مجمع عليه كما حكاه غير واحد، انظر" العذر بالجهل" لأحمد فريد 30.
وهذا معنى قول الإمام الزهري رحمه الله: "الإسلام الكلمة، والإيمان العمل" الإيمان لابن تيمية 280.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ".. فلا يكون مسلما إلا من شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وهذه الكلمة يدخل بها الإنسان الإسلام, فمن قال: الإسلام الكلمة وأراد هذا فقد صدق" الإيمان 256.
ومن الآثار العظيمة في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة رحمه الله في كتابه الإيمان عن سوار بن شبيب قال: "جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إن –ها هنا- قوما يشهدون علي بالكفر! قال: فقال: "ألا تقول: لا إله إلا الله، فتكذبهم" وسنده صحيح كما حكم بذلك الشيخ الألباني رحمه الله في تحقيقه لكتاب الإيمان لابن أبي شيبة رحمه الله ص:22.
قال البغوي رحمه الله: "الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه.." نيل الأوطار 8/12.
لكن هل النطق بالشهادتين هو الصورة الوحيدة للحكم بإسلام المرء؟
نقول جوابا : ليس النطق بالشهادتين هو الصورة الوحيدة للحكم بإسلام المرء -على الصحيح من قولي الفقهاء- وإنما ذكر ذلك فقط لأنه هو الحالة الغالبة لكل من يريد الدخول في الإسلام، وإلا فقد ثبت أن للوصف بذلك صور أخرى تقوم مقام النطق بالشهادتين قبلها النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث الصحيحة (انظر ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة).
قال ابن أبي العز: "..وهنا مسألة تكلم فيها الفقهاء: فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلما أم لا؟
والصحيح: أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام" شرح للطحاوية 75.
وعليه فيكفي في حكمنا بإسلام المرء قوله مثلا: أنا مسلم أو بصلاته ونحو ذلك كما هو معروف عند الفقهاء, (انظر إعلان النكير على غلاة التكفير62 فما بعدها).
فالحذر الحذر ممن خاض في هذا الخضم بلا فقه ولا علم، فزخرف القول وزين الكلم!
فها هم الخوارج يصفهم ابن زياد رحمه الله بقوله: "لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع" الكامل للمبرد 2/146.
ــــــــــــــ
1- والقصد منه أن نجري على المرء أحكام أهل الإسلام ما لم يأتي بناقض محقق وتقوم عليه الحجة ويحكم عليه أهل العلم، فتذكر.
2- أما تحقق ذلك حقيقة (ظاهرا وباطنا( وبقاؤه واستمراره فأمر آخر، فتنبه.
أبو أويس الإدريسي.
تفسير قوله تعالى: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"
أمر الله تعالى في هذه الآية باجتناب قول الزور، وحقيقة الاجتناب: الرفض وعدم العمل. انظر تفسير الطبري 5/33.
هو كذلك بمعنى الترك، واشتقاقه في اللغة: "كونوا جانبا" كما قال الزجاج رحمه الله. انظر زاد المسير 2/418.
وهذا أبلغ في النهي والتنفير وآكد من التنصيص على الحرمة فتنبه.
أما الزور فالأصل فيه تحسين الشيء، ووضعه بخلاف صفته، فهو كل باطل سواء كان شركا، أو عنادا، أو كذبا، أو غيره، وكل ما لزمه اسم الزور. انظر جامع البيان 19/31.
وقال ابن القيم رحمه الله: "والزور يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل وعلى العين نفسها (أي: محل الباطل).. وأصل اللفظة من الميل ومنه الزَور بالفتح، ومنه: زرت فلانا إذا ملت إليه وعدلت إليه، فالزور ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولا وفعلا" إغاثة اللهفان 245-246.
وعليه فمعنى قوله تعالى: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" أي: "جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور" تيسير الكريم الرحمن 538.
ومثله قوله تعالى: "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ".
يقول السعدي: "أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال بالباطل والغيبة والنميمة والسبّ والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه، وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية" تيسير الكريم الرحمن 587.
وعليه فشهادة البعض على الآخر بالباطل والكذب مما يدخل في معنى قول الزور وشهادته وذلك من أكبر الذنوب.
فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما يزال يقولها حتى قلنا: لا يَسكت" رواه البخاري وغيره.
وينجلي لنا جرم هذه الشهادة الخاصة بالوقوف عند أضرارها وهي كثيرة منها:
أولا: تضليل الحاكم عن الحق، والسبب في الحكم بالباطل.
ثانيا: الظلم لمن شهد له لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب الشهادة بالزور فوجبت له النار.
قال عليه الصلاة والسلام: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها" متفق عليه.
ثالثا: الظلم لمن شهد عليه فيتعرض الشاهد لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلما ودعوة المظلوم مستجابة.
قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" حسن السلسلة الصحيحة رقم 870.
رابعا: قد يطلب منه اليمين على صحة شهادته فيتعرض لغضب الله ومقته.
قال عليه الصلاة والسلام: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال: وإن كان قضيبا من آراك" مسلم.
خامسا: تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة.
سادسا: تزكية المشهود له، وهو ليس أهلا لذلك.
أبو أويس الإدريسي.
مفهوم " إن الدين يُسر "
التيسير مقصد من مقاصد هذا الدين وصفة عامة للشريعة في عقائدها وأحكامها وأخلاقها ومعاملاتها وأصولها وفروعها.
فالدين الإسلامي قائم على دعامة اليسر كما قال تعالى: " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ".
قال السعدي رحمه الله في تفسيره للآية: " أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير ويسهلها أبلغ تسهيل ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله.
وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهله تسهيلا آخر إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات " تيسير الكريم الرحمن 1/128-129.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يُسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه..." البخاري.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "أي دين الإسلام ذو يسر أو سُمِّيَ الدين يسرا مبالغة بالنسبة للأديان قبله لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم" الفتح1/116.
واليسر في اللغة كما لسان العرب: " اللين والانقياد، والميسرة: السعة والغنى، وتيسر الشيء واستيسر: تسهل، واليسر: ضد العسر" 5/295.
قال القاسمي رحمه الله عن اليسر: "عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم" محاسن التأويل 3/427.
وشرعا هو: "تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة أي كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تشدد يحرم الحلال ، ولا تمييع يحلل الحرام".
و كون الشريعة قد راعت جانب اليسر في تكاليفها لا يعني بحال أن يسوغ المرء لنفسه فعل ما يخالف الشرع أو أن يختار ما شاء من الأقوال، أو أن يضع الرخص التي تتفق مع هواه، فلو كان الأمر كذلك لانهدمت أركان الدين ولانمحت رسومه ولعظم اختلاف العباد واضطرابهم وهذا من أعظم التعسير.
إن القول بأن الدين يسر كلمة حق أراد بها الكثير من الناس الباطل.
نعم، الدين يسر لكن بلا تفريط وتساهل لأن التوسعة إلى الشرع لا إلى أهواء الناس ورغباتهم وما ألفوه ودرجوا عليه.
والدين يسر ولكن في اتباع ما أمرنا به وباتباع ما يسَّره الله لنا ورسوله صلى الله عليه وسلم ورخصاه لنا حين الحاجة إليه.
قال ابن حزم رحمه الله في معرض رده على من يترخص في الدين متبعا هواه: "فمن احتج بقول الله عز وجل " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يسر بقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)" الإحكام 869.
ثم إن الآية تبين مفهوم اليسر الرباني وهو أنه من عند الله وحده لا شريك له وأنه تشريع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه.
ولو ادعى مدع أن ما قرر مباين لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "إن الله يحب أن تؤتى رخصه..." فنقول جوابا: لقد أوتيت من عدم علمك بحقيقة الرخصة لأن المقصود منها في الحديث ما كان من عند الله ورخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الأمر بذلك شرع شرعه الله وأذن فيه ويبين هذا نهاية الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
ولا يعارض هذا نهي العلماء عن تتبع الرخص لأن المقصود بها أهون أقوال الفقهاء في مسائل الخلاف فتنبه.
قال ابن القيم رحمه الله: "الرخصة نوعان: أحدهما الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل الميتة والدم... عند الضرورة وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة، وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر... ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها.
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب فهذه تتبعها حرام... فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة في الأطعمة وأصحاب الحيل في المعاملات... وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص فهذا لون والأول لون" المدارج 2/60-61.
أبو أويس الإدريسي.
العبرة بكثرة المحاسن والفضائل
من المعلوم أنه لا يخلوا إنسان من العيب والنقص مهما كان فضله وبلغت منزلته، ولكن من الإجحاف ما نراه من زهد بعض الناس في آخرين لوقوفهم على ما أخطئوا فيه وزلوا مع قلة ذلك!
ورحم الله سعيد بن المسيب حيث قال: "فليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب ولا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه.. من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله" الكفاية 79.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه".
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معلقا :" الإنسان لا يخلو من الخطأ ، لكن المنصف يرى الصواب ويرى الخطأ ، فإذا صار الصواب أكثر، فليغتفر الخطأ، وإن كان الخطأ أكثر، اضمحل به الصواب "، انظر تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب رحمه الله تحقيق وتعليق الشيخ حسن مشهور حفظه الله 1/4.
وهذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله يمثل منهجا صحيحا للسلف الصالح وأهل السنة في الحكم على الأشخاص.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث يقع فيه، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)..."مفتاح دار السعادة 1/529.
وتقرير ذلك مبناه على اعتبار الغالب على المرء، على حد قول أهل العلم: "الشيء يحكم له أو عليه بما غلب عليه".
وفي ذلك قال الشافعي رحمه الله: "فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قَبِلتُ شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها" إرشاد الفحول 98.
وقال أبو الحسن الماوردي رحمه الله: "وبذلك جرت عادة الخلق أنهم يعَدِّلون العادل بالغالب من أفعاله، وربما أساء، ويفسقون الفاسق بالغالب من أفعاله، وربما أحسن" درر السلوك 65.
وعليه فإن العبرة في تقويم الأشخاص كثرة المحاسن والفضائل.
يقول الحافظ الذهبي رحمه الله: "ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الإتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ وإنما العبرة بكثرة المحاسن" السير 20/46.
وها هو الحافظ الحكمي رحمه الله في تغليب خيرية الصحابة رضي الله عنهم على ما قد يرد في خصوص بعضهم من أخبار الفتن يثبت مبدأ تغليب المحاسن واعتبار كثرة الفضائل حيث قال: "ولهم من الفضائل والصالحات والسوابق ما يُذهب سيئ ما وقع منهم إن وقع، وهل يغير يسير النجاسة البحر إذا وقعت فيه، رضي الله عنه وأرضاهم" أعلام السنة المنثورة 185.
مع التنبيه -هنا- أن اعتبار غلبة المحاسن صحيح مع اعتبار سلامة المنهج، ووضوح التصور، وصفاء الاعتقاد، وصحة الأصول، بل نقول مستفهمين استفهاما تقريريا: وهل يتصور صحة ذلك إلا بذلك؟!
وقد وضح ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض بيانه لزلة وقع فيها الشيخ الهروي رحمه الله صاحب كتاب المنازل حيث قال في حقه: "ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحلُّه من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عد خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام" المدارج 1/219.
إذن فالمرء يمدح بكثرة ما له من الفضائل والمحاسن، ومن الاعتساف والخروج عن الفطرة السوية والإنصاف: أن ندفن كثرة خير المرء لقلة زلـله وعيبه، فإنه مما هو "معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها" مفتاح دار السعادة 1/531.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن" السير 8/378.
أبو أويس الإدريسي.
تحذير أهل الخير والإيمان
من الافتتان في الدعوة بطول الزمان
من معالم التفكير الصحيح وجود الغيرة على حرمات الله، فإن وجود الغيرة على الإسلام وأهله تحمل على الثبات وسلوك الصراط المستقيم ومناصرة الحق والدعوة إليه، لكن إذا لم تنضبط هذه الغيرة بالصبر والعلم الصحيح فقد تحمل صاحبها في دعوته إلى ما يخالف الشرع كإنكار المنكر بالمنكر وسفك الدماء وإتلاف الأموال..كل ذلك طلبا لبلوغ المقصود وانتهاء إلى المطلوب فيستعجل المرء سبيل الحق ويستطيله بدعوى المبادرة إليه مع أن هذه الأخيرة "انتهاز الفرصة في وقتها
ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها فهو لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل وقتها بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها كلها، فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة والثاني الاستعجال قبل الوقت ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعا من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة" الروح 348.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كشف لنا عن حقيقة طول طريق الحق بخلاف غيره كما في مسند الإمام أحمد وغيره بالسند الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه ثم تلا قوله: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"الأنعام153.
فدل هذا الحديث بوصفه ورسمه أن طريق الحق طويل لكن النجاة بالسير عليه بالعلم والصبر فهو "الطريق الوحيد الموصل إلى الله وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذه الطريق الواحد، فإنه متصل بالله موصل إلى الله" التفسير القيم 14-15 بتصرف يسير.
وعليه فالحذر من بنيات الطرق ومن تلبيس من يشكك في طريق الصواب، ويخذل عن سبيل الحق أو يرتاب، فما دفع أولئك إلى ذلك إلا استعجال الوصول وافتنانا بالزمن والطول، ورحمة الله على ابن القيم حيث قال: "من استطال الطريق ضعف مشيه" الفوائد 90.
وقال ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير 1/1474: "ووصف الصراط بالمستقيم أي الذي لا خطأ فيه ولا فساد..والمقصود إتمام هيئة التشبيه بأنه دين لا يتطرق متبعه شك في نفعه كما لا يتردد سالك الطريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحير في أمره".
فنقول لكل من افتتن في دعوته ولم يرى ثمرتها الكاملة بطول الزمن: كم لبث نوح عليه السلام في دعوة قومه؟ !.
قال تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً" العنكبوت14، والشاهد من هذه الآية أنها لم ترد في سورة نوح وإنما في سورة العنكبوت وذلك تحذيرا من الافتتان بالزمن ووجهه أن سورة العنكبوت موضوعها العام الحديث عن الفتن والكلام عن المحن ولذا قال تعالى في مطلعها: "الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".
قال السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال :إنه مؤمن وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنه لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن كل ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها". تيسير الكريم الرحمن.
فالحذر الحذر من الافتتان بالزمن وادفع ذلك بالإيمان والسير وفق الصراط المستقيم وهدي الأنبياء والمرسلين خاصة خاتمهم عليه صلوات وسلام رب العلمين.
فسورة العنكبوت سميت بذلك لأن بيت العنكبوت خيوطه كثيرة ومتشابكة ولكنها واهية وضعيفة ومثلها الفتن (ومن تلك الفتن طول الزمن في الدعوة إلى الله) فهي تبدوا كثيرة متشابكة ولكن بمقاومتها بالإيمان والسير على خطى العدنان عليه الصلاة والسلام فسينكشف مدى ضعفها.
يقول السعدي رحمه الله في معرض كلامه عن قوة الرجاء في الله والحذر من أن يمتلك المرء اليأس في طريقه إلى الله: "وكما أن الإنسان يطبق هذا المعنى على نفسه فليستعمله في غيره إذا أراد هداية أحد أو دعوته إلى الإسلام أو أصلا من أصوله أو فرعا من فروعه أو تعليمه لعلم نافع، ثم رأى من المدعو نفورا وإعراضا أو بلادة وقلة فطنة فإن أخذه الملل واليأس من إدراك المقصود منه وعدم رجاء انتفاعه لم يلبث إلا قليلا حتى يدع دعوته وتعليمه فيفوت بذلك خير كثير.
وإن هو سك مسلك نبيه عليه الصلاة والسلام في دعوته وهداية الخلق وعلم أنه مكث مدة طويلة ويدعوا الناس إلى الإسلام والتوحيد فلا يلقى أذنا سامعة ولا قلبا مجيبا فلم يضعف ولم يلن بل لم يزل قوي الرجاء عالما أن الله سيتم أمره ماضيا على دعوته حتى فتح الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وبلغت دعوته وهدايته ما بلغ الليل والنهار" الفتاوى السعدية 4/69-470.
ولأجله كانت آية لبث نوح عليه السلام مع قومه تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام ولأتباعه من الأنام.
قال الزمخشري رحمه الله عندها: "القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله عليه السلام وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره" الكشاف 1/948.
وقال ابن عاشور رحمه الله: "وفائدة ذكر هذه المدة للدلالة على شدة مصابرته على أذى قومه ودوامه على إبلاغ الدعوة تثبتا للنبي صلى الله عليه وسلم" التحرير والتنوير 1/3185.
وصدق الله حيث قال: "وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" الرعد40.
أبو أويس الإدريسي.
سأوافيكم بالمزيد إن شاء ربنا تبارك و تعالى:wave:
[line]-[/line]
منقوووول للـــأمــانــــــــــة[/align]

