- 6 يونيو 2008
- 2,850
- 27
- 0
- الجنس
- ذكر
دقائق خالدة مع الأمام أبو حنيفة النعمان
النجاح طموح سامٍ يتمناه كل إنسان، ولذا فإن الله _تعالى_ وجه هذه الغريزة الإنسانية والفطرة البشرية لأن تكون ضمن إطارها الصحيح.
وتجد ذلك جليا في دعاء عباد الرحمن الذين نالوا رضاه _تعالى_ ومن ثم النعيم الدائم في جنان الخلد، ومن دعائهم: "وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً" (الفرقان: من الآية74).
وإمامة المتقين لا تكون إلا لمن نال قدراً كبيراً من التقوى والعلم، ولكن العلم لا يستطاع براحة الجسد، بل لا بد من بذل الجهد العظيم والوقت الكثير لتحصيل ذلك العلم. .
فإن العلم بالوحيين من إرادة الله الخير للعبد كما في قوله _تعالى_: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" (البقرة: من الآية269)، وكما في قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية.
والعلم بالشرع طريق إلى الجنة كما في قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" رواه أبو داود والترمذي وحسنه الأرناؤؤط، وحيث إن أصحاب المذاهب المتبوعة قد وصلوا إلى درجة عليا من الإمامة في الدين، فقد بدأت بأولهم زمنا وأكثرهم أتباعا وهو الإمام أبو حنيفة رحمه الله _تعالى_.
نبذة عن التعريف بالإمام:
هو الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان بن مثبت بن زوطى , ولد رحمه الله سنة 80 هـ , كان أبو حنيفة _رحمه الله_ خزازاً يبيع الخز والأقمشة , وعن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة ربعة من أحسن الناس صورة وأبلغهم نطقا وأعذبهم نغمة وأبينهم عما في نفسه.
ويعد أبو حنيفة من صغار التابعين الذين يشملهم حديث ابن مسعود _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"رواه البخاري ومسلم.
وقد روى عن خلق كثير منهم: عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له وأفضلهم على ما قال وعن الشعبي وعن جبلة بن سحيم وعدي بن مثبت وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعمرو بن دينار وأبي سفيان طلحة بن نافع ونافع مولى ابن عمر وقتادة وقيس بن مسلم وعون بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وآخرين
أما أكبر شيوخه في الفقه فهو هو حماد بن أبي سليمان، لدرجة أن الذهبي قال عن حماد: وبه تفقه، مما يدل على أنه لازمه ملازمة كبيرة بحيث عرف به. وسبب الملازمة الطويلة لحماد قصة ذكرها من ترجم له، فقد رووا عن أبي حنيفة أنه قال: قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت علي نفسي ألا أفارق حماداً حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة.
منزلته العلمية:
الثناء على أبي حنيفة في فقهه وتدينه وورعه وصدقه مبثوث في كتب الجرح والتعديل، قال محمد بن سعد العوفي سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ.
وقال صالح بن محمد سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة في الحديث وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن ابن معين كان أبو حنيفة لا بأس به وقال مرة هو عندنا من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا , وذكره ابن حبان في معرفة الثقات , إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن أبا حنيفة لم يكن من المتخصصين في رواية الحديث مع جلالته، ولذا طعن عليه جمع من أهل الحديث لوجود الخطأ في رواياته..
أما في الفقه: فقد قال الذهبي: وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك. قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وفي ترجمته من تهذيب الكمال عن روح بن عبادة قال: كنت عند بن جريج سنة خمسين يعني ومئة وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وتوجع وقال: أي علم ذهب؟
وأما في العقيدة: فلم يغفل الإمام أبو حنيفة جانب العقيدة، فقد كان له مع المبتدعة صولات وجولات، فله مناظرات معهم تدل على فهم سلفي وبعد عن البدع في الجملة.
روى الخطيب بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحب علياً وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلم في القدر، وكان يمسح على الخفين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم.
وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولن أحدٌ بقوله، ولا يصلين أحدٌ خلفه.
وأما تعظيمه للنصوص: فقد كان أبو حنيفة من أشد المعظمين للنصوص، وقد جعل منهجه ولمن تبعه أن يقدم النص على كل قول، فقد روى نوح الجامع عن أبي حنيفة أنه قال ما جاء عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.
وقال وكيع: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس.
وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما يحفظه من وقت ما سمعه.
طلابه:
وللإمام أبي حنيفة طلاب ملازمون، أخذوا عنه الفقه وطريقة الاستنباط، كما أن له طلاباً أخذوا عنه الرواية، فممن تفقه عليه زفر بن الهذيل وداود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي ونوح الجامع وأبو مطيع البلخي وغيرهم كثير جداً.
مكانته في نظر معاصريه:
ولأبي حنيفة _رحمه الله_ تأثير كبير فيمن عاصره، ونجد ذلك منثورا في طيات كلامهم عنه، فنجد عبد الله بن المبارك يقول: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس. وعنه قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة. وقال أيضاً كما في (تهذيب الكمال): أفقه الناس أبو حنيفة ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله
وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل.
وقال عبدالله بن داود الحربي ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنة عليهم وقال سفيان الثوري وابن المبارك كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض.
ولما انتقد بعض المثبطين القاسم بن معن في جلوسه مع صغار الطلبة بين يدي أبي حنيفة، بطريقة استفزازية، نجد الرد المليء بالحب والإعجاب بهذا العالم المربي، فقد قيل للقاسم بن معن ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة قال ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة وقال له القاسم تعال معي إليه فلما جاء إليه لزمه وقال ما رأيت مثل هذا.
وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه.
وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وروى حيان بن موسى المروزي قال: سئل ابن المبارك، مالك أفقه أو أبو حنيفة قال: أبو حنيفة.
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
علاقته بالحكام:
ابتلي أبو حنيفة بالسلطة السياسية في وقته فقد جربوا معه فتنة المال وفتنة السجن فلم يهتز أو يتأثر، قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة وقد جرب بالسياط والأموال.
وفد كان لأبي حنيفة مصادمات مع الولاة، فقد كان يرفض الأوامر الخاصة كتوليته القضاء، وقد روي من غير وجه أن الإمام أباحنيفة ضرب غير مرة على أن يلي القضاء فلم يجب، فقد كان ابن هبيرة قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعدي فأبى وضربه مئة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة وأصر على الامتناع فخلى سبيله، وكان الإمام أحمد إذا ذكر ذلك ترحم عليه.
وعن مغيث بن بديل قال دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه فقال: لا أصلح، قال: كذبت. قال: فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذباً فلا أصلح وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه.
محفزات للاستمرار:
من توفيق الله _تعالى_ أن تهيأت له أسباب لطلب العلم والاستمرار فيه، فمن تلك الأسباب:
فقد وفقه الله _تعالى_ للتعلم على يد حماد الفقيه وملازمته السنوات الطوال.
ومن ذلك استغناؤه بالتجارة عن الحاجة للولاة ومنتهم، قال الذهبي عنه: كان لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب, وفي شذرات الذهب: وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع وأجراء رحمه الله _تعالى_. وهذا يدل على أنه لم تشغله التجارة عن العلم، بل يشرف على عملهم ويستعين بالثقات في إدارة تجارته.
وفي الرؤى مبشرات للمؤمنين، فقد جاء عنه أنه قال: رأيت رؤيا أفزعتني رأيت كأني أنبش قبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ فأتيت البصرة فأمرت رجلا يسأل محمد بن سيرين فسأله فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وفيما استعرضنا في الحلقة الأولى السيرة العطرة للإمام أبي حنيفة، نتابع في الحلقة القادمة بإذن الله مظاهرة القدوة في شخصيته الثرية...
وتجد ذلك جليا في دعاء عباد الرحمن الذين نالوا رضاه _تعالى_ ومن ثم النعيم الدائم في جنان الخلد، ومن دعائهم: "وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً" (الفرقان: من الآية74).
وإمامة المتقين لا تكون إلا لمن نال قدراً كبيراً من التقوى والعلم، ولكن العلم لا يستطاع براحة الجسد، بل لا بد من بذل الجهد العظيم والوقت الكثير لتحصيل ذلك العلم. .
فإن العلم بالوحيين من إرادة الله الخير للعبد كما في قوله _تعالى_: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" (البقرة: من الآية269)، وكما في قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية.
والعلم بالشرع طريق إلى الجنة كما في قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" رواه أبو داود والترمذي وحسنه الأرناؤؤط، وحيث إن أصحاب المذاهب المتبوعة قد وصلوا إلى درجة عليا من الإمامة في الدين، فقد بدأت بأولهم زمنا وأكثرهم أتباعا وهو الإمام أبو حنيفة رحمه الله _تعالى_.
نبذة عن التعريف بالإمام:
هو الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان بن مثبت بن زوطى , ولد رحمه الله سنة 80 هـ , كان أبو حنيفة _رحمه الله_ خزازاً يبيع الخز والأقمشة , وعن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة ربعة من أحسن الناس صورة وأبلغهم نطقا وأعذبهم نغمة وأبينهم عما في نفسه.
ويعد أبو حنيفة من صغار التابعين الذين يشملهم حديث ابن مسعود _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"رواه البخاري ومسلم.
وقد روى عن خلق كثير منهم: عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له وأفضلهم على ما قال وعن الشعبي وعن جبلة بن سحيم وعدي بن مثبت وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعمرو بن دينار وأبي سفيان طلحة بن نافع ونافع مولى ابن عمر وقتادة وقيس بن مسلم وعون بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وآخرين
أما أكبر شيوخه في الفقه فهو هو حماد بن أبي سليمان، لدرجة أن الذهبي قال عن حماد: وبه تفقه، مما يدل على أنه لازمه ملازمة كبيرة بحيث عرف به. وسبب الملازمة الطويلة لحماد قصة ذكرها من ترجم له، فقد رووا عن أبي حنيفة أنه قال: قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت علي نفسي ألا أفارق حماداً حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة.
منزلته العلمية:
الثناء على أبي حنيفة في فقهه وتدينه وورعه وصدقه مبثوث في كتب الجرح والتعديل، قال محمد بن سعد العوفي سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ.
وقال صالح بن محمد سمعت يحيى بن معين يقول كان أبو حنيفة ثقة في الحديث وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن ابن معين كان أبو حنيفة لا بأس به وقال مرة هو عندنا من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا , وذكره ابن حبان في معرفة الثقات , إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن أبا حنيفة لم يكن من المتخصصين في رواية الحديث مع جلالته، ولذا طعن عليه جمع من أهل الحديث لوجود الخطأ في رواياته..
أما في الفقه: فقد قال الذهبي: وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك. قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وفي ترجمته من تهذيب الكمال عن روح بن عبادة قال: كنت عند بن جريج سنة خمسين يعني ومئة وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وتوجع وقال: أي علم ذهب؟
وأما في العقيدة: فلم يغفل الإمام أبو حنيفة جانب العقيدة، فقد كان له مع المبتدعة صولات وجولات، فله مناظرات معهم تدل على فهم سلفي وبعد عن البدع في الجملة.
روى الخطيب بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحب علياً وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلم في القدر، وكان يمسح على الخفين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم.
وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولن أحدٌ بقوله، ولا يصلين أحدٌ خلفه.
وأما تعظيمه للنصوص: فقد كان أبو حنيفة من أشد المعظمين للنصوص، وقد جعل منهجه ولمن تبعه أن يقدم النص على كل قول، فقد روى نوح الجامع عن أبي حنيفة أنه قال ما جاء عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.
وقال وكيع: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس.
وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما يحفظه من وقت ما سمعه.
طلابه:
وللإمام أبي حنيفة طلاب ملازمون، أخذوا عنه الفقه وطريقة الاستنباط، كما أن له طلاباً أخذوا عنه الرواية، فممن تفقه عليه زفر بن الهذيل وداود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي ونوح الجامع وأبو مطيع البلخي وغيرهم كثير جداً.
مكانته في نظر معاصريه:
ولأبي حنيفة _رحمه الله_ تأثير كبير فيمن عاصره، ونجد ذلك منثورا في طيات كلامهم عنه، فنجد عبد الله بن المبارك يقول: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس. وعنه قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة. وقال أيضاً كما في (تهذيب الكمال): أفقه الناس أبو حنيفة ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله
وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل.
وقال عبدالله بن داود الحربي ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنة عليهم وقال سفيان الثوري وابن المبارك كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض.
ولما انتقد بعض المثبطين القاسم بن معن في جلوسه مع صغار الطلبة بين يدي أبي حنيفة، بطريقة استفزازية، نجد الرد المليء بالحب والإعجاب بهذا العالم المربي، فقد قيل للقاسم بن معن ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة قال ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة وقال له القاسم تعال معي إليه فلما جاء إليه لزمه وقال ما رأيت مثل هذا.
وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه.
وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وروى حيان بن موسى المروزي قال: سئل ابن المبارك، مالك أفقه أو أبو حنيفة قال: أبو حنيفة.
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
علاقته بالحكام:
ابتلي أبو حنيفة بالسلطة السياسية في وقته فقد جربوا معه فتنة المال وفتنة السجن فلم يهتز أو يتأثر، قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة وقد جرب بالسياط والأموال.
وفد كان لأبي حنيفة مصادمات مع الولاة، فقد كان يرفض الأوامر الخاصة كتوليته القضاء، وقد روي من غير وجه أن الإمام أباحنيفة ضرب غير مرة على أن يلي القضاء فلم يجب، فقد كان ابن هبيرة قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعدي فأبى وضربه مئة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة وأصر على الامتناع فخلى سبيله، وكان الإمام أحمد إذا ذكر ذلك ترحم عليه.
وعن مغيث بن بديل قال دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه فقال: لا أصلح، قال: كذبت. قال: فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذباً فلا أصلح وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه.
محفزات للاستمرار:
من توفيق الله _تعالى_ أن تهيأت له أسباب لطلب العلم والاستمرار فيه، فمن تلك الأسباب:
فقد وفقه الله _تعالى_ للتعلم على يد حماد الفقيه وملازمته السنوات الطوال.
ومن ذلك استغناؤه بالتجارة عن الحاجة للولاة ومنتهم، قال الذهبي عنه: كان لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب, وفي شذرات الذهب: وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع وأجراء رحمه الله _تعالى_. وهذا يدل على أنه لم تشغله التجارة عن العلم، بل يشرف على عملهم ويستعين بالثقات في إدارة تجارته.
وفي الرؤى مبشرات للمؤمنين، فقد جاء عنه أنه قال: رأيت رؤيا أفزعتني رأيت كأني أنبش قبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ فأتيت البصرة فأمرت رجلا يسأل محمد بن سيرين فسأله فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وفيما استعرضنا في الحلقة الأولى السيرة العطرة للإمام أبي حنيفة، نتابع في الحلقة القادمة بإذن الله مظاهرة القدوة في شخصيته الثرية...
نستكمل معكم سيرة الإمام أبي حنيفة النعمان، التي رأينا شيئاً من جوانبها العطرة ومكانتها في نظر معاصريه وعلاقته بالحكام.. ونتابع اليوم فصلاً آخر في شخصيته، وهي:
مظاهر القدوة في شخصية أبي حنيفة:
احترامه وتقديره لمن علمه الفقه، فقد ورد عن ابن سماعة، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صليت صلاة مُذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً، أو علمته علما.
احترامه وتقديره لمن علمه الفقه، فقد ورد عن ابن سماعة، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صليت صلاة مُذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً، أو علمته علما.
ومن السمات المميزة لأبي حنيفة سخاؤه في إنفاقه على الطلاب والمحتاجين وحسن تعامله معهم، وتعاهدهم مما غرس محبته في قلوبهم حتى نشروا أقواله وفقهه، ولك أن تتخيل ملايين الدعوات له بالرحمة عند ذكره في دروس العلم في كل أرض. نسأل الله من فضله، ونسأل الله لإمامنا أن يتغمده بواسع رحمته، ومن عجائب ما ورد عنه أنه كان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؛ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي فما في رزق الله حول لغيره. وحدث حجر بن عبد الجبار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكراماً لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده.
حرصه على هيبة العلم في مجالسه، فقد ورد عن شريك قال كان أبو حنيفة طويل الصمت كثير العقل.
الاهتمام بالمظهر والهيئة، بما يضفي عليه المهابة، فقد جاء عن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: كان أبي جميلا تعلوه سمرة حسن الهيئة، كثير التعطر هيوباً لا يتكلم إلا جواباً ولا يخوض _رحمه الله_ فيما لا يعنيه. وعن ابن المبارك قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتاً وحلماً من أبي حنيفة.
كثرة عبادته وتنسكه _رحمه الله_، فقد قال أبو عاصم النبيل كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته، واشتهر عنه أنه كان يحيى الليل صلاة ودعاء وتضرعا. وذكروا أن أبا حنيفة _رحمه الله_ صلى العشاء والصبح بوضوء أربعين سنة. وروى بشر بن الوليد عن القاضي أبي يوسف قال بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنفية والله لا يتحدث عني بما لم أفعل فكان يحيى الليل صلاة وتضرعا ودعاء , ومثل هذه الروايات عن الأئمة موجودة بكثرة، والتشكيك في ثبوتها له وجه، لاشتهار النهي عن إحياء الليل كله، وأبو حنيفة _رحمه الله_ قد ملأ نهاره بالتعليم مع معالجة تجارته، فيبعد أن يواصل الليل كله. ولكن عبادة أبي حنيفة وطول قراءته أمر لا ينكر، بل هو مشهور عنه _رحمه الله_. فقد روي من وجهين أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة.
خوفه من الله _تعالى_، فقد روى لنا القاسم بن معن أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله _تعالى_ " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " القمر 46 ويبكي ويتضرع إلى الفجر.
ومن مظاهر القدوة شدة ورعة، وخصوصا في الأمور المالية، فقد جاء عنه أنه كان شريكاً لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيباً، فإذا بعته، فبين. فباع حفص المتاع، ونسى أن يبين، ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.
تربيته لنفسه على الفضائل كالصدقة، فقد ورد عن المثنى بن رجاء أنه قال جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقا أن يتصدق بدينار وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.
وله رحمه الله حلم عجيب مع العوام، لأن من تصدى للناس لا بد وأن يأتيه بعض الأذى من جاهل أو مغرر به، ومن عجيب قصصه ما حكاه الخريبي قال: كنا عند أبي حنيفة فقال رجل: إني وضعت كتابا على خطك إلى فلان فوهب لي أربعة آلاف درهم فقال أبو حنيفة إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه. وقد شهد بحلمه من رآه، قال يزيد بن هارون ما رأيت أحدا أحلم من أبي حنيفة , وكان ينظر بإيجابية إلى المواقف التي ظاهرها السوء، فقد قال رجل لأبي حنيفة اتق الله فانتفض واصفر وأطرق وقال جزاك الله خيرا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا , وجاء إليه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز , فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا , فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، _إن شاء الله تعالى_ , فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهماً , فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ , قال: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق.
الجدية والاستمرار وتحديد الهدف، فقد وضع نصب عينيه أن ينفع الأمة في الفقه والاستنباط، وأن يصنع رجالا قادرين على حمل تلك الملكة.
ترك الغيبة و الخوض في الناس فعن ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. بل بلغ من طهارة قلبه على المسلمين شيئا عجيبا، ففي تاريخ بغداد عن سهل بن مزاحم قال سمعت أبا حنيفة يقول: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" قال: كان أبو حنيفة يكثر من قول: اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له.
ومن أهم مظاهر القدوة في شخصيته حرصه على بناء شخصيات فقهية تحمل عنه علمه، وقد نجح أيما نجاح. ومن طريف قصصه مع تلاميذه التي تبين لنا حرصه على تربيتهم على التواضع في التعلم وعدم العجلة , كما في (شذرات الذهب): لما جلس أبو يوسف _رحمه الله_ للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة أرسل إليه أبو حنيفة رجلا فسأله عن خمس مسائل وقال له: إن أجابك بكذا فقل له: أخطأت، وإن أجابك بضده فقل له: أخطأت فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة فقال "تزبيت قبل أن تحصرم" – يعنى تصدرت للفتيا قبل أن تستعد لها فجعلت نفسك زبيبا وأنت لازلت حصرما –.
ومن أشد مظاهر القدوة في شخصيته تصحيحه لمفاهيم مخالفيه بالحوار الهادئ وقد كان التعليم بالحوار سمة بارزة لأبي حنيفة، وبه يقنع الخصوم والمخالفين، وروى أيضا عن عبد الرزاق قال: شهدت أبا حنيفة في مسجد الخيف فسأله رجل عن شيء فأجابه فقال رجل: إن الحسن يقول كذا وكذا قال أبو حنيفة أخطأ الحسن قال: فجاء رجل مغطى الوجه قد عصب على وجهه فقال: أنت تقول أخطأ الحسن ثم سبه بأمه ثم مضى فما تغير وجهه ولا تلون ثم قال: إي والله أخطأ الحسن وأصاب بن مسعود.
ومن مظاهر القدوة عدم اعتقادة أنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن غيره من العلماء على خطأ، فقد جاء في ترجمته في تاريخ بغداد عن الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول: سمعت أبا حنيفة يقول قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا.
وفاته:
قال الذهبي: توفي شهيداً في سنة خمسين ومئة وله سبعون سنة , وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري لم يقبل العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات في السجن _رحمه الله_.
قال الذهبي: توفي شهيداً في سنة خمسين ومئة وله سبعون سنة , وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري لم يقبل العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات في السجن _رحمه الله_.
أهم مراجع الموضوع:
سير أعلام النبلاء – للذهبي
شذرات الذهب – لابن العماد
تذكرة الحفاظ - للذهبي
المنتظم - لابن الجوزي
البداية والنهاية – لابن كثير
وفيات الأعيان - لابن خلكان
الطبقات السنية في تراجم الحنفية - للغزي
سير أعلام النبلاء – للذهبي
شذرات الذهب – لابن العماد
تذكرة الحفاظ - للذهبي
المنتظم - لابن الجوزي
البداية والنهاية – لابن كثير
وفيات الأعيان - لابن خلكان
الطبقات السنية في تراجم الحنفية - للغزي
وصية أبي حنيفة للسمتي
الحمدُ للهِ ربَّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ الطاهر الأمين، أما بعد
هذهِ وصيةُ الإمامِ أبي حنيفةَ رحمةُ اللهِ عليهِ لتلميذهِ يوسفَ بنِ خالدِ السَّمتيِّ البصريِّ.
وصّى بها حينَ استأذنَهُ الخروجَ إلى وطنهِ البصرةَ. فقالَ: لا، حتى أتقدمَ إليكَ بالوصيةِ فيما تحتاجُ إليهِ في معاشرةِ الناسِ، ومراتبِ أهلِ العلمِ، وتأديبِ النفسِ، وسياسةِ الرعيةِ، ورياضةِ الخاصةِ والعامةِ، وتفقُّدِ أمرِ العامةِ، حتى إذا خرجتَ بعلمكَ كانَ معكَ ءالةٌ تَصْلُحُ لكَ وتَزينُكَ ولا تشينُكَ.
واعلم أنَّكَ متى أسأتَ عِشرَةَ الناسِ صاروا لكَ أعداءً، ولو كانوا أمهاتٍ وءاباءً، ومتى أحسنتَ عِشرَةَ الناسِ من أقوامٍ ليسوا لكَ أقرباءَ صاروا لكَ أقرباءَ. ثمَّ قالَ لي:
اصبر يوماً حتى أُفَرِّغَ لكَ نفسي، وأجمعَ لكَ هِمَّتي، وأُعرِّفَكَ من الأمرِ ما تحمَدُني، وتجعل نفسكَ عليهِ، ولا توفيقَ إلا باللهِ.
فلما مضى الميعادُ، قالَ:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا أكشِفُ لكَ عمّا عزّمتَ عليهِ ..
كأنّي بكَ وقد دخلتَ بصرَةَ، وأقبلتَ على المناقَضَةِ معَ مُخالفيكَ، ورفعتَ نفسَكَ عليهِم، وتطاولتَ بعِلمِكَ لديهِم، وانقبَضتَ عن معاشرتِهِم ومُخالطتِهِم، وهجرتَهُم فهجروكَ، وشتمتَهُم فشتموكَ، وضلَّلتهُم فضلَّلوكَ، وبدَّعتَهُم فبدّعوكَ، واتصلَ ذلكَ الشَّيْنُ بنا وبكَ، واحتجتَ إلى الهَرَبِ، والانتقالِ عنهُم، وليسَ هذا برأي ؛ فإنَّهُ ليسَ بعاقلٍ من لم يدارِ من ليسَ له من مداراتِهِ بدٌ حتى يجعلَ اللهُ تعالى لهُ مخرجاً. قالَ السمتِيُّ: ولقد كنتُ مزمِعاً على ما قال.
ثمَّ قالَ أبو حنيفةَ رحمهُ الله: إذا دخلتَ البصرةََ واستقبلكَ الناسُ، وزاروكَ وعرَفوا حقكَ، فأنزِلْ كلَّ رجلٍ منهم منزلَتَهُ، وأكرِم أهلَ الشرَفِ، وعظِّم أهلَ العلمِ ووقِّر الشيوخَ، ولاطف الأحداثَ، وتقَرَّب منَ العامةِ، ودَارِ الفجّارَ، واصحبِ الأخيارَ، ولا تتهاوَن بالسُّلطانِ، ولا تحقِرَنَّ أحداً يقصِدُكَ، ولا تُقَصِّرَنَّ في إقامةِ موّدَّتِكَ إيَّاهُم، ولا تُخرِجَنَّ سرَّكَ إلى أحدٍ، ولا تثِقَنَّ بصُحبَةِ أحدٍ حتى تمتَحِنَهُ، ولا تُخادِم خسيساً، ولا وضيعاً، ولا تقولَنَّ من الكلامِ ما يُنكَر عليكَ في ظاهرِه.
وإياكَ والانبساطَ إلى السفهاءِ، ولا تجيبَنَّ دعوةً، ولا تَقبَلَنَّ هديةً، ( قال الشيخ: هذا بالنسبةِ للقاضي) وعليكَ بالمداراةِ، والصبرِ والاحتمالِ، وحُسنِ الخلقِ، وسعةِ الصدرِ.
واستجدَّ ثيابكّ، وأكثر استعمالَ الطيبِ، وقرِّب مجلسكَ، وليكن ذلكَ في أوقاتٍ معلومةٍ .
واجعل لنفسِكَ خَلوَةً تَرُمُّ بها حوائجَكَ، وابحث عن أخبارِ حشَمِكَ، وتقدم في تقويمهم وتأديبِهم، واستعمل في ذلكَ الرفقَ، ولا تكثر العَتَبَ فيهونَ العَذَلُ، ولا تلِ تأديبِهم بنَفسِكَ، فإنهُ أبقى لمائِكَ، وأهيبُ لكَ .
وحافظ على صلواتِكَ، وابذُل طعامكَ، فإنهُ ما سادَ بخيلٌ قط، وليكن لكَ بطانةً تعرِّفكَ أخبارَ الناسِ، فمتى عرفتَ بفسادٍ بادرتَ إلى صلاحٍ، ومتى عرفتَ بصلاحٍ فازدد رغبةً وعنايةً في ذلك، واعمد في زيارةِ من يزوركَ ومن لا يزورُك، والإحسانِ إلى من أحسنَ إليك، أو أساءَ.
وخُذِ العفوَ وأمر بالمعروفِ، وتغافل عمَّا لا يعنيكَ، واترك كلَّ من يُؤذيك، وبادر في إقامةِ الحقوقِ، ومن مرِضَ من إخوانكَ فعدهُ بنفسِكَ، وتعاهدْهُ برُسُلِكَ، ومن غابَ منهُم فتفقد أحوالَهُ، ومن قعدَ منهم عنكَ، فلا تقعد أنتَ عنه.
وصِلْ من جفاكَ، وأكرِم من أتاكَ، واعفُ عمَّن أساءَ إليكَ، ومن تكلَّمَ منهم بالقبيحِ فيكَ فتكلَّم فيه بالحَسنِ الجميلِ. ومن ماتَ قضيتَ لهُ حقَّهُ، ومن كانت لهُ فرحةٌ هنَّيتَهُ بها، ومن كانت له مصيبةٌ عزيتهُ عنها، ومن أصابهُ همٌ فتوجَّعْ له بهِ.
ومن استنهضكَ لأمرٍ من أمورهِ نهَضتَ لهُ. ومن استغاثكَ فأغثهُ، ومن استنصركَ فانصره. وأظهر التوددَ إلى الناسِ ما استطعتَ، وأفشِ السلامَ ولو على قومٍ لئام.
ومتى جمَعَكَ وغيرَكَ مجلِسٌ، أو ضمَّكَ وإيّاهم مسجدٌ، وجرتِ المسائلُ وخاضوا فيها بخلافِ ما عندكَ لم تُبدِ لهم منكَ خلافاً، فإن سُئِلتَ عنها، أجبتَ بما يعرفهُ القومُ، ثم تقول: وفيها قولٌ ءاخرُ..كذا، وحجتهُ كذا، فإذا سمعوا منكَ عَرَفوا قدركَ ومقداركَ، وإن قالوا هذا قولُ من؟ فقل: قولُ بعضِ الفقهاءِ. وإن استقروا على ذلكَ وألِفوهُ، وعرفوا مقداركَ وعظَّموا محَّلكَ، فأعطِ كلَّ من يختلفُ إليكَ نوعاً من العلمِ ينظُرونَ فيهِ، ويأخُذُ كلٌ منهُم بحظِّ شىءٍ من ذلكَ. وخذهُم بجليِّ العلمِ دونَ دقيقهِ. وءانسهم ومازحهم أحياناً, وحادثهم, فإنها تجلـِب المودةََ وتستديمُ به مواظبةَ العلمِ, وأطعمهم أحياناً واقض حوائجَهم واعرف مقدارهم وتغافل عن زلاتِهم وارفِق بهم وسامحهم. ولا تُبدِ لأحد منهم ضيقَ صدرٍ أو ضجراً وكن كواحدٍ منهم.
وارض منهم ما ترضى لنفسكَ. وعاملِ الناسَ معاملتك لنفسِك. واستعِن على نفسك بالصيانة لها والمراقبة لأحوالها. ولا تضجُر لمن لا يضجُرُ عليك.
ودعِ الشغبَ, واستمع لمن يستمعُ منكَ, ولا تكلِّف الناسَ ما لا يكلفوكَ, وارضَ لهم ما رضوا لنفسِهِم, وقدَّم حسنَ النيةِ,واستعملِ الصدقَ واطرحِ الكبرَ جانباً.
وإياكَ والغدرَ وإن غدروا بكَ وأدِّ الأمانةَ وإن خانوكَ, وتمسّك بالوفاءِ واعتصم بالتقوى.
وعاشر أهلَ الأديانِ (قال الشيخُ: لها تأويلٌ فيما يحصلُ فيهِ نفعٌ ولا يحصلُ فيهِ ضررٌ) حسَبَ معاشرتِهم لك, فإنكَ إن تمسكتَ بوصيتي هذهِ رجوتُ أن تسلمَ وتعيشَ سالماً إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ثم إنه ليحزُنني مفارقتُك وتؤنسُني معرفتُك فواصلني بكتبِكَ وعرّفني بحوائِجِكَ وكن لي كابنٍ فإني لكَ كأبٍ.
قالَ يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ:
ثم أخرجَ إلَّي دنانيرَ وكِسوةً وزاداً وخرجَ معي, وحمّلَ ذلكَ حمّالاً وجمعَ أصحابَهُ حتى شيَّعوني وركِبَ معهُم حتى بلغنا إلى شطِّ الفراتِ, ثمَّ ودَّعوني وودَّعتُهم.
وكانت منّـةُ أبي حنيفةَ رحمَهُ اللهُ تعالى بوصيتهِ إليَّ وبِرِّهِ أعظمَ من كلِّ مِنَّةٍ تقدَّمت عليَّ. وقدمتُ البصرةَ, فاستعملتُ ما قالَ, فما مرَّت عليَّ أيامٌ يسيرةٌ حتى صاروا كلُّهم لي أصدقاءَ, وانتقدتُ المجالسَ وظهرَ بالبصرةِ مذهبُ أبي حنيفةَ رحمهُ اللهُ تعالى, كما ظهرَ بالكوفةِ .
(وسقط مذهب الحسن وابن سيرين رضي الله عنهما, فمازالت كتب أبي حنيفة إلى أن مات رحمه الله تعالى. فهنيئا لك من معلم صالح وأستاذ صالح، فمن لنا مثله رضي الله عنه)
وءاخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
المرجع : الشيخ عبد العزيز بن فهد الريس
المرجع : الشيخ عبد العزيز بن فهد الريس

