- 28 نوفمبر 2005
- 2,415
- 11
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- مصطفى إسماعيل
جامع الأتقياء بمكارم الحياء ( فصل )
الحمد لله أهل الحمد و الثناء و الصلاة و السلام على خاتم الرسل و الأنبياء وعلى آله و صحبه الأتقياء الأنقياء و على من سلك سبيلهم من أولي العلم الألباء و ذوي الحلم و الحياء .
و بعد إخوتي في الله عز و جل
فإن الخير و نقيضه، لهما علامات عرفا بها، و كان للعرب الأقحاح نصيب في تبيان هذا الباب العظيم و تمحيص معالمه الخالدة ، و بعدها جاء ديننا الحنيف متمما لهذه الأخلاق الكريمة, مبرزا لكل معانيها بأبهى حلة و بأعظم بيان و تأصيل ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
( إنما بعثت لأتمم مكارم و في رواية ( صالح ) الأخلاق ) السلسلة الصحيحة : 45
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنّ لكلّ دين خلقاً، وخُلُقُ الإسلام الحياء )
صحيح الجامع : 2149
فالخير كل الخير علامته الحياء و الحلم، أما ضده و نقيضه فعلامته البذاء و الظلم ، فالحياء خصلة حميدة كريمة ، بدلالتها على الخير كله ، و البذاء سمة ذميمة بدلالتها على الشر أجمعه ، و الحياء خص بالذكر تعظيما لشانه، و جعله الشارع الحكيم شعبة من شعب الإيمان بيانا لعظم مقامه، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( الإيمان بضع و ستون أو بضع و سبعون شعبة ؛ أفضلها لا إله إلا الله ، و أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، و الحياء شعبة من الإيمان ) صحيح الأدب المفرد : 466
و الحياء بجامع القول و أتمه ، هو خلُق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح و أجمله ما كان طبعا بالفطرة الطيبة أما ما كان مكتسبا بالمعرفة و العلم و الدين فهو حسن جميل و هو الخير كله كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( الحياء خير كله ) صحيح الجامع : 3196
و هو رأس الخلق الكريم و زينته، حتى جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( مكارم الأخلاق عشر تكون في الرجل ، ولا تكون في ابنه ، وتكون في الابن ولا تكون في أبيه ، وتكون في العبد ، ولا تكون في سيده ، صدق الحديث ، وصدق البأس ، وإعطاء السائل ، والمكافأة بالصنائع ، وحفظ الأمانة ، وصلة الرحم ، والتذمم للجار ، والتذمم للصاحب ، وإقراء الضيف ، ورأسهن الحياء ) المؤتلف والمختلف للدارقطني : 1/321
قال بعض السلف : الايمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ( حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر والعفة والشجاعة والعدل فالصبر : يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير ) مدارج السالكين (2/308)
فعن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعه فإن الحياء من الإيمان ) صحيح البخاري
قال الحافظ في الفتح : فكأن الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه , فعاتبه أخوه على ذلك , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " دعه " أي : اتركه على هذا الخلق السني , ثم زاده في ذلك ترغيبا لحكمه بأنه من الإيمان .
وعن عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحياء لا يأتي إلا بخير )
فقال بشير بن كعب مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة فقال له عمران أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحيفتك . متفق عليه
و يقال : القناعة دليل الأمانة ، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة ، والزيادة دليل بقاء النعمة ، والحياء دليل الخير كله .
قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم : الحياء من الدين ؟ فقال : ( بل هو الدين كله . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الحياء والعفاف والعي – عي اللسان ، لا عي القلب - ، والفقه من الإيمان ، وإنهن يزدن في الآخرة ، وينقصن من الدنيا ، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا . وإن الشح والعجز والبذاء من النفاق ، وإنهن يزدن في الدنيا ، وينقصن من الآخرة ، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن من الدنيا ) صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 2630
و كان الحياء صفة ملازمة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من عذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا رئي ذلك في وجهه ) صحيح ابن ماجه :3388
قال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه .
فهو خير كله، إلا ما كان سببا في حرمان المرء من العلم و التفقه في الدين، قال مجاهد رحمه الله : ( لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر ) الأسرار المرفوعة للمحدث الملا علي قاري 371
و قالت عائشة رضي الله عنها مادحة : ( نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ) صحيح ابن ماجه : 531
فلا يحملك الحياء على السكوت فيما ينفعك أن تعقله ، فإنما السؤال شفاء العي ، وبالأنين يعرف ألم الجرح ، واجعل لكل أمر سألت عنه غاية تجعلها نهاية لفهمك و تعقلك و لا تكن بالحياء محروما و كن به عالما فقيها و لا يحملك الحياء على ترك الجهر بالفضائل من دعوة و بر وقول حق و قراءة قرآن .
وقال الحسن البصري رحمه الله : مَن استتَر عَن الطلَب بالحَيَاء لَبِسَ للجهل سِرْبَالَه، فقَطِّعُوا سَرَابِيلَ الحياء فإنّه
مَن رَق وجهُه رق عِلْمُه، وقال: إنَي وجدتُ العِلْم بين الحياء والستْر.
وقال أيضا رحمه الله : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) قال : لا تصلّها رياءً ولا تدعها حياءً .
و كما قيل : لا حياء لحريص .
أي لا يمنع حياء المرء أن يكون حريصا على فعل ما ينفعه من دينه و دنياه .
و قال صلى الله عليه و سلم أيضا : ( الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ) صحيح الترغيب : 2629
قوله : ( الحياء والعي )
أي العجز في الكلام والمراد به في هذا المقام هو السكوت عما فيه إثم من النثر والشعر لا ما يكون للخلل في اللسان قاله القاري . وقال في المجمع : العي التحير في الكلام وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال , والتحرز عن الوبال انتهى قلت وفسر الترمذي العي فيما بعد بقلة الكلام يعني حذرا عن الوقوع في الإثم أو في ما لا يعني .
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي .
قلت : فالعي صمت جميل عن ما لا يحمد قوله، و الحياء جامع للخير كله، و البيان هنا تشدق و تكلف دون حاجة، أو إفصاح فيما يحسن السكوت فيه ، فلا هدرمة نبغي و لا ثرثرة .
قال عليه الصلاة و السلام : ( الحياء من الإيمان ، و الإيمان في الجنة ، و البذاء من الجفاء ، و الجفاء في النار ) صحيح الجامع : 3199
فالحياء حياة للقلوب الميتة بالذنوب و المعاصي و هو كماء نزل على أرض قاحلة فخضرت و أنبتت من كل زوج حدائق ذات بهجة للناظرين .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
والحياء مشتق من الحياة ; فإن القلب الحي يكون صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الحياء من الإيمان ) وقال : ( الحياء و العي شعبتان من الإيمان ، و البذاء و البيان شعبتان من النفاق ) فإن الحي يدفع ما يؤذيه ; بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه ، وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر فيها وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضرة .
ولهذا كان الحي يظهر عليه التأثر بالقبح، وله إرادة تمنعه عن فعل القبح، بخلاف الوقـح الذي ليس بحي فلا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك. فالقلـب إذا كان حيًا فمات الإنسان بفراق روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن، ليست هي في نفسها ميتة بمعنى زوال حياتها عنها. مجموع الفتاوى م ع 189)( 645
فالحياء كما يقول أهل العلم ، شعبة كريمة من شعب الإيمان العظيمة ، و أصحابه من أهل الجنة ، فمن خالف الحياء لسوء خلقه، و جرم فعاله و أقواله ، صار في عداد أصحاب القلوب المريضة ، و عرف بعدم الوفاء ، و حرم النقاء و الصفاء، و كان بذلك علما على أهل الجفاء ، و لا شك أن صاحبه في النار إما مدة أو دائما و أبدا .
فمدة إذا كان صاحبه مناقضا لبعض الإيمان و شعبه ، أو دائما و أبدا إذا كان مناقضا لمطلق الإيمان و كماله ، على سبل أهل الكفر و أقرانه ، فإذا أنقص شيء من الحياء نقص من الإيمان مثله ، وإذا ذهب الحياء كله ذهب الإيمان كله .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : فصل وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء
والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب .
مدارج السالكين (1/328)
قال علي بن عبيدة رحمه الله : إنه لا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له - و لا إخاء لمن لا إيمان له .
قال النبي صلى الله عليه و سلم ( الحياء و الإيمان قرنا جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ) صحيح الجامع : 3200
و قال آخر : ثلاث خصال من لم تكن فيه لا خير فيه: دين يرشده، أو حياء يردعه، أو خوف يمنعه.
قال بعض الحكماء : من كساه الحياء ثوبه ، لم ير الناس عيبه .
أما من جرد لبوس الحياء منه ، فعيوبه تسرى و مساويه تترى ، و ليس بحائد عن قبيح ، و لا ناه عن شنيع ، و هو يذهب حيث يريد ، و رأيه في الأمور غير سديد، فإذا كان كذلك ، فليفعل ما يشاء و ما يريد ، و بذلك جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت ) صحيح أبي داود : 4797
قال بعض الشعراء :
إِذا رُزِقَ الفَتى وَجهاً وَقاحاً ((())) تَقَلَّبَ في الأُمورِ كَما يَشاءُ
وَلَم يَكُ لِلـدَواءِ وَلا لِشَيءٍ ((())) يُعالِـجُهُ بِهِ عَنهُ غَــناءُ
وَرُبَّ قَبيحَـةٍ ما حالَ بَيني ((())) وَبَينَ رُكوبِها إِلّا الحَــياءُ
وَكانَ هُوَ الَّذي أَلهى وَلكِن ((())) إِذا ذَهَبَ الحَيـاءُ فَلا دَواءُ
و ليست هذه دعوة بفعل القبيح إذا عدم الحياء أو قل، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الأغمار، جهلا منهم بمقاصد الكلام و مرادات الخطاب، فقد قال الإمام أبو بكر محمد بن علي الشاشي في أصول الفقه : معنى هذا الحديث أن من لم يستحي دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء ، لا يردعه رادع، فليستحي المرء ، فإن الحياء يردعه .
و الأطرف منه ما حكي عن أبي بكر الرازي من أصحاب الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه حيث قال : أن المعنى فيه : إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها ، لحسنها و جمالها ،فاصنع ما شئت منها .
فجعل بذلك الحياء حكما على الأفعال ، و هذا محمل بديع و كلاهما حسن ، و الأول أقرب للمراد ، لأن الدافع من القول كان الذم و ليس الحمد .
و قد قال الإمام الماوردي في هذا الباب أن - اختلاف معانيها أدخل في الحكمة، و أبلغ في الفصاحة ، إذا لم يضاد . أدب الدنيا و الدين : 240
قال بعض الشعراء :
إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ((())) وتستحي مخلوقاً فما شئت فاصنع
حياء كان سببا في الجوع و هذا مما يذم و لا يحمد .
حياء كحياء مارخة
يضرب مثلاً لمن يستحي مما لا يستحى منه. وأصله أن امرأةً يقال لها مارخة نزلت بقوم، فقدموا لها قرىً، فقالت: أستحي أن أصيب منه، وخرجت عنهم، فباتت ليلتها جائعةً تسري . جمهرة الأمثال .
و الحياء الحق يمنع من التقول على الله بغير علم و لا يصد صاحبه من قول لا علم لي أو لا أدري .
سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فقالوا: ألا تستحي؟ فقال: ولم أستحي مما لم يستحي منه الملائكة حين قالت "لا علم لنا" البقرة: 32؟
و الحياء يمنع صاحبه من السؤال و يجعله طالبا للرزق بالنصب و الكد و الإجتهاد .
قيل لأعرابي ينسج : ألا تستحي أن تكون نساجاً فقال : إنما أستحي من أن أكون أخرق لا أنفع أهلي .
الحياء منع أحد الزهاد من أخذ حظ النفس و لو بشربة ماء باردة و كان ذلك لله تعالى
دخل على داود بعض أصحابه، فرأى جرة ماء، قد انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحملها إلى الظل ؟ فقال: حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي من الله أن يراني أمشى لما فيه حظ نفسي .
الحياء منع مالكا رحمه الله من ركوب الدواب على تراب المدينة
حكي أن الإمام مالك رحمه الله كان لا يركب في المدينة دابة، ويقول: أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة .
الحياء صفة للنساء الصالحات المؤمنات التقيات النقيات العفيفات .
قال الله تعالى: ( فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ) أي: مشي الحرائر؛ حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خراجة ولاجة. هذا إسناد صحيح. قال الجوهري : السلفع من الرجال : الجسور، ومن النساء: الجرئية السليطة، ومن النوق: الشديدة . تفسير ابن كثير باختصار
قال الشيخ العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله
وفي الآية أيضا من الأدب والعفة والحياء، ما بلغ ابنة الشيخ مبلغا عجيبا في التحفظ والتحرز، إذ قالت : ( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فجعلت الدعوة على لسان الأب، ابتعادا عن الريب والريبة . حراسة الفضيلة (1/196)
الحياء صفة للملائكة الكرام و فضيلة لذي النورين عثمان رضي الله عنه .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن عثمان حيي ستير ، تستحي منه الملائكة ) صحيح الجامع : 2106
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ؟ - يعني عثمان ) . صحيح الجامع : 2620
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم 4414 : هكذا هو في الرواية ( أستحي ) بياء واحدة في كل واحدة منهما . قال أهل اللغة : يقال استحيي يستحيي بياءين , واستحى يستحي بياء واحدة , لغتان , الأولى أفصح وأشهر , وبها جاء القرآن . وفيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة , وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة .
و الحياء جمال للوجه و زينة للنظر فإن الحسن موصولٌ بالحياء ، لهذا قلّما ترى التجليح في ذي الوجه الصبيح، ومتى تمّ حياء الوجه تمت زينته ورقّ عليه اللسان عن الزلل و ضاق الصدر عن فعل القبيح و صار ذلك سبباً للرحمة وداعية إلى الفلاح و النجاح و مع ذلك فالحسن حسن الفعال و الجمال جمال القلوب و إذا زاد الحياء كان ذلك حسنا على حسن و جمالا على جمال الوجه و القلب .
وصف لأحد الأكابر العلماء
الإمام ابن العربي رحمه الله
كان رحمه الله من أهل العلم والدين والفضل، طلق الوجه، حسن السير، كثير الحياء، كأنك إذا كلمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلا مبتسماً، في حسن سمت، وفضل هوىً، وجميل وقار، كثير الخشوع، وخصوصاً عند الدهول في الصلاة . لسان الدين بن الخطيب : الإحاطة في أخبار غرناطة .
وقال بعضهم : الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء .
و قال بعضهم : المعرفة تملأ القلب مهابةً و مخافة ، و العين عبرة وعَبرة ، والوجه حَياءً و خَجلة ، والصدرَ
خشوعاً وحُرمة، و الجوارحَ استكانةً و ذلّةً، و طاعةً و خدمة، واللسانَ ذِكراً وحمداً، والسمع و يختلسها كرور الأنفاس واللحظات .
قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه )
صحيح الترغيب : 2635
و الحياء أيضا على ثلاث أقسام :
حياء من الخالق سبحانه ، و يكون ذلك بتقواه حق التقوى ، و بمراقبته جل و علا، فلا يراك الله تعالى حيث نهاك و زجر، و لا يفتقدك حيث أمرك و أرادك لفعله ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( استحيوا من الله حق الحياء قال : قلنا يا نبي الله ! إنا لنستحيي والحمد لله قال : ليس ذلك ، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء ؛ أن تحفظ الرأس وما وعى ، وتحفظ البطن وما حوى ، ولتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك ؛ فقد استحيا من الله حق الحياء ) صحيح الترغيب : 3337
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ولما كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنفوس الزكية : كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف ولأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف . مدارج السالكين (2/165)
قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ( إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة فأحني فيه صلبي حياء من ربي )
قال الشاعر :
بباب عز اللّه أوقفت الأمل ((())) أخرسني الحياء من سوء العمل
الحياء من الله تعالى يورث الذل و الإنكسار والخشية من الله و تذكر يوم القيامة
نظر بو مسلم الخشوعي فأطال النظر، فقال: إنَّ في خَلْقِ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. ثم قال: سبحان الله! ما أهجمَ طَرفي على مكروه نفسه، وأدمَنه على تسخّط سيده، وأغراه بما نهى عنه، وألْهَجه بما حذّر منه! لقد نظرت إلى هذا نظراً شديداً خشيتُ أنه سيفضحني عند جميع مَنْ يعرفني في عَرصَة القيامة؛ ولقد تركني نظرِي هذا وأنا أَسْتَحِي من الله تعالى إن غفر لي ! ثم صعق .
فالحياء الحق ، هو حفظ النفس عما يشوبها من كبائر الذنوب و صغيرها ، دقيقها و جليّها ، و هذا من تمام الخضوع و الذل لله سبحانه ، فلا ترفع رأسك تكبرا ، و طهر قلبك من الرياء ، و لا تقل بلسانك إلا خيرا ، و لا تخن
بعيناك مطلعا ، و لا تسمع بأذنك إلا أطيب القول و أحسنه شرفا ، و تعفف عن أكل الحرام مبتعدا ، و حصن فرجك من الزنا تجلدا، و لا تخطو برجلك إلى معصية تمردا و لا تقرب بيدك ما ليس لك بحق لزاما ، وكن كما يحبك الله عز وجل أن تكون ، عبدا نقيا تقيا زكيا و راضيا مرضيا مهديا .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ( الحياء من الرب تبارك وتعالى أن لا يستعان على معاصيه بنعمه وأن لا يبارز بالعظائم و قال أيضا أما الحياء : فيبعث عليه قوة المعرفة ومشاهدة معاني الأسماء والصفات وأحسن من ذلك : أن يكون الباعث عليه وازع الحب فيترك معصيته محبة له ) مدارج السالكين (2/164)
قال أيضا رحمه الله : ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة . مدارج السالكين
وقال الخواص : إن العباد عملوا على أربع منازل ، على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، فأرفعها منزلة الحياء لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا : سواء علينا رأيناه أو رآنا ، وكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه .
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ((())) ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وإنما ((())) يدل على فعل الكريم حياؤه
أما الحياء من المخلوقين ، فيكون بكف الأذى عن ظلمهم ، و ترك الجهر بالمعاصي على مرأى و مسمع وجوههم ، و هذا هو الأجمل للستر، و من ستر نفسه ستره الله كأنه قد غفر له ، و من فضح نفسه فضحه الله ، كأنه قد مكر به ، فمن كان حيائه ساخنا بحمرة الخجل ، كان إلى الستر أقرب ، و بمغفرة الله أجدر، فغلبة الحياء خير و قهر البذاء شر، و الحياء مروءة سمحة و من كمل حياؤه كملت مروءته و حسنت ، و صان نفسه عن دناءة المنظر، و شين القول من الناظر و شماتته ، و بذلك تكون عدالته واجبة ، و أخوته حقة و وقاره دائم و محبته نافعة .
قال بعض الشعراء :
وجهٌ عليه من الحياء سكينةٌ ((())) ومحبةٌ تجري مع الأنفاسِ
وإذا أحب الله يوماً عبده ((())) ألقى عليه محبّة للناس
و يكون الحياء أيضا من النفس ، و ذلك بزجرها و تأديبها ، و تربيتها حق التربية ، و التعهد الحسن بتزكيتها ، حتى يصير سرها كالعلانية ، قال بعض الأدباء : من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده قدر .
و هذا حياء ذو مقام رفيع ، و إن وجد فهو أبلغ الحياء ، و صاحبه ذو كمال في خصال الخير ، و فضله عال ، و ذكره بالقول محمود ، و إنزاله بمنزل الكرماء مطلوب .
قال بعض الشعراء :
وقال الجود بعد الحلم حسبي ((())) حياءً إن شيمتك الحياء
فنعمَ الحصنُ إن طلعت خطوبٌ ((())) ونعم القطبُ إن دارَ الثناء
و حكي أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا ، فتنكَّب الطريق عن الناس ، و قال : لا خير فيمن لا يستحي من الناس
و قال آخر : حياء المرء ستره .
و مع هذا كله فلا تكن من الذين يستحيون من الناس دون نفسه وربه :
قال كعب : استحيوا من الله في سرائركم كما تسحيون من الناس في علانيتكم.
و قيل : من يستحي من الناس ولا يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده.
قال بعض الشعراء :
يعيش المرء ما استحيا بخير ((())) ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ
فلا وأبيك ما في العيش خيرٌ ((())) ولا الدُّنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبةَ الليالي ((())) ولم تستحي فافعل ما تشاء
و أجمل الحياء و أكمله أن تعلم أن الله تعالى حيي كريم يستحيي من عباده المؤمنين إذا ما دعوه متضرعين رافعين أكف الدعاء بطلب الرحمة و المغفرة و ما يكون منه سبحانه إلا الحلم و الإستجابة و كشف الضر و إنزال القطر .
قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا أو قال خائبتين ) صحيح ابن ماجه : 3131
قال عز و جل : ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ) .
قال العلامة الأصولي النحرير محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
من فوائد الآية: إثبات الحياء لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ).
ووجه الدلالة : أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحا في السنة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا )
؛ و الحياء المثبت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يدهم الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله .
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته (2/80) :
وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ((())) عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ((())) فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ
قال الهرَّاس رحمه الله : ( وحياؤه تعالى وصف يليق به ، ليس كحياء المخلوقين ، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم ، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه ؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه ، ويستعين بنعمه على معصيته ، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته ، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر ، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر ) اهـ
قلت : ياله من قول ماتع ، وبيان حكيم ، فقد جمع صاحبه بين الأدب و العلم ، و الحكمة و فصل الخطاب ، انظروا رحمكم الله ، كيف بلغ بفصاحته إدراك الحياء و معالمه ، و توضيح مفارقاته العجيبة ، فحياء الله عز و جل ستر و حلم و رحمة على عباده ، و حياء عباده ذل و انكسار و افتقار إليه سبحانه ، فشتان شتان بين خالق و مخلوق
و شتان شتان بين عبد خاضع ذليل، و رب كريم متعال جليل ، فصفة كانت علماًَ على الكمال و القدرة ، ليست كصفة كانت علماً على النقص و العجز، فسبحان الحيي الكريم سبحانه من رب رحيم ، فاللهم اجعلنا من أهل الحياء و الكرم و هب لنا من الأخلاق أحاسنها و اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب و صل اللهم و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
كتبه محمد أبو يوسف غفر الله له و لوالديه و للمسلمين آمين

