- 7 أبريل 2009
- 15
- 0
- 0
- الجنس
- ذكر
- القارئ المفضل
- محمد صدّيق المنشاوي
t7
الإسلام والعقوبات بين حرية الفرد المجتمع
هل يمكن أن تطبق تلك العقوبات الهمجية التي كانت تطبق في الصحراء ؟ هل يجوز أن تقطع يد في ربع دينار؟ أين ما حدده ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ؟ أين ما توصل إليه النخبة في هذا العالم من حرية وحقوق وواجبات ؟ ما المجرم الذي تريدون أن تعاقبوه إلا ضحية المجتمع والأحرى علاجه !
تلك نسمعها كثيرا في هذا الجيل من البشرية لكن دعونا نفهم فكرة الإسلام في الجريمة والعقاب
إن فكرة الجريمة والعقاب وثيقة الصلة بنظرة الأمم لطبيعة الفرد والمجتمع , فالأمم الفردية كدول الغر الرأسمالي تبالغ في تقديس الفرد وتجعله محور الحياة الاجتماعية كلها , كما تبالغ في التحريج على حق المجتمع في فرض القيود على حرية الفرد , والأمم الجماعية كالدول الشيوعية على العكس من ذلك تماما تؤمن بأن المجتمع هو الكائن المقدس الذي لا ينبغي للفرد أن يخرج عليه , ولا ريب أن كلت النظريتين يشمل على شيء من الحق وشيء من المبالغة , ولكن هناك نظرية ثالثة تعطي للفرد حقوقه وتعطي للمجتمع حقوقه في تناسق واعتدال لا في تناحر واقتتال , إذ ما المجتمع إلا مجموعة أفراد وما الفرد إلا فرد من مجتمع , هذه النظرية هي النظرية الوسطية للإسلام , ومنها ينطلق ليحدد الجريمة والعقاب , ينظر إلى الجريمة في آن واحد بعين الفرد الذي ارتكبها وبعين المجتمع الذي وقعت فيه , ثم يقرر الجزاء العادل الذي يتفق مع العلم الصحيح والمنطق السليم , ولا يميل مع النظريات المنحرفة ولا مع شهوات الأمم والأفراد , يقرر الإسلام عقوبات رادعة قد تبدو قاسية لمن يأخذها أخذا سطحيا , ولكن الإسلام لا يطبقها أبدا حتى يضمن أولا أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار , وحين يضمن ثانيا أن المجتمع الذي يعيش فيه هذا الفرد لا يغري أو يدعو لارتكاب هذا الجرم , فهو يقطع يد السارق لكنه لا يقطعها أبدا وهناك شبهة بأن السرقة نشأت من الجوع , أو كان المجتمع لا يكفل للفرد ما يسد جوعته , وهو يقرر رجم الزاني والزانية لكنه لا يرجمهما إلا أن يكونا محصنَين وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة , أي حين يتبجحان حتى ليراهما كل هؤلاء الشهود وهما في وضع الزنا , وأيضا لا يرجمهما إذا كانا في مجتمع كل ما فيه يدعو إلى الفاحشة , وهكذا... وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإسلام , إذ الإسلام يلجأ أولا إلى وقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة , وبعد ذلك لا قبله يقرر عقوبته الرادعة وهو مطمئن إلى عدالة هذه العقوبة بالنسبة لشخص لا يدفعه لهذه الجريمة مبرر معقول , فالإسلام يسعى إلى توزيع الثروات توزيعا عادلا ( وقد وصل في عهد عمر بن عبد العزيز إلى إلغاء الفقر من المجتمع ) ويعتبر الدولة مسئولة عن كفالة كل فرد فيها بصر النظر عن دينه وجنسه ولغته ولونه ومكانه الاجتماعي , والدولة تكفل أفرادها بإيجاد العمل الكريم لهم أو من بيت المال إذا لم يوجد عمل أو عجز عنه فرد من الأفراد , وبذلك لا تكون هناك دوافع معقولة للسرقة , والإسلام يعترف بقوة الدافع الجنسي وعنف إلحاحه على البشر , ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع (( الزواج )) فيدعو إلى الزواج المبكر ويعين على إتمامه من بيت المال إذا دعت الظروف , ويحرص على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء التي تثير الشهوة , وعلى وضع الأهداف العليا التي تستنفد الطاقة الحيوية الفائضة , وعلى شغل أوقات الفراغ في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى , وبذلك يمنع الدوافع التي تبرر الجريمة , ومع ذلك فهو لا يبادر بتوقيع العقوبة حتى يكون مرتكبها قد تبجح بها استهتارا بتقاليد المجتمع وإمعانا في الهبوط الحيواني حتى لَيراه أربعة شهود .
وأخيرا إما أن يؤخذ الإسلام كله أو يترك كله . وحين يحكم الإسلام لن تكون هذه المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعا إلى الهبوط , لن تكون السينما العارية , والصحافة الخليعة , والأغاني المبتذلة , والفتنة الهائجة في الطريق , وهكذا لن يكون في المجتمع الدوافع التي تغري بالجريمة , تلك عقوبات الإسلام التي يخشاها الشباب المثقف , والتي ينفر منها فقهاه القانون لئلا يصمهم الغرب بالهمجية والانحطاط ,ألا من يعلم هؤلاء وهؤلاء حكمة هذا التشريع الإسلامي الرفيع.

