- 20 ديسمبر 2008
- 1,241
- 42
- 48
لحظات مع آيات
لفضيلة الشيخ / صالح بن عواد المغامسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته, فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله وعرف به ودعا إليه, اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين...
أما بعد...
أيها المؤمنون، فهذا لقاء نطمع فيه جميعاً أن نتدبر فيه آيات من كلام ربنا جل وعلا، والسورة التي نحن في شرف الحديث عنها هي سورة المدثر، وهي من أوائل ما أُنزل حتى قال بعض أهل العلم إنها أول سورة نزلت، وإن كان هذا القول قولاً مرجوحاً، إذ الصحيح أن فواتح سورة العلق هي أول ما أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم.... قال ربنا جل وعلا في هذه السورة المباركة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)}، المنادى هنا: نبينا صلى الله عليه وسلم، والمتكلم بهذا النداء: رب العزة والجلال جل جلاله، والذي نزل به خير الملائكة جبرائيل عليه الصلاة والسلام، نبينا صلى الله عليه وسلم رأى الملك في فترة الوحي الأولى، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نزل من الجبل يرجف فؤاده تتسابق خطواته إلى بيت زوجته خديجة وهو يقول: "دثروني, دثروني, زملوني, زملوني"، إن كل أحد تغلب عليه الرجفة ويشعر بالرعشة لحمى أو لغيرها يشعر في نفسه حاجة ملحة إلى أن يُكثر من الثياب والأغطية عليه, والعرب تسمي ما لامس الجسد من الثياب تسميه شعاراً، وما زاد عليه تسميه دثاراً, وهو صلى الله عليه وسلم دخل الدار وعليه ثيابه، لكنه لما أصابه من رجفة لعظيم ما رأى وجلال ما سمع قال: "دثروني, دثروني"، أي: غطوني وزيدوني ثياباً، فدثرته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فأصبح بهذا الحال مدّثراً، وأصلها: متدثراً لكن أدغمت التاء في الدال لقرب المخارج، فأصبحت هذه حاله وهذه صفته صلوات الله وسلامه عليه، فنزل الوحي من السماء يناديه بالوصف الذي هو عليه، والحال التي هو عليها، قال رب العزة والجلال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، وهذا نداء له صلى الله عليه وسلم بالحال التي هو متلبس بها، أي أن {الْمُدَّثِّر} ليس إسماً من أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه حال كان عليها فخوطب بها ونودي بها صلوات الله وسلامه عليه....
بما أمره ربه؟ قال له رب العزة: {قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، ولم يقل له: قُمْ فَبشّر؛ لأن القوم كانوا يومذاك على حال من الكفر والشرك والمعاصي، فهم إلى النذارة أحوج منهم إلى البشارة، وإن كان صلى الله عليه وسلم بُعث بشيراً ونذيراً، فقال له ربه: {قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، ولأن الأمر العظيم الذي جاء به والرسالة الجليلة التي كُلف بها تحتاج إلى عظائم الصفات وجلائل الأوصاف؛ أمره الله جل وعلا بوصايا خمس بعد أن أمره بأن يقوم بهذه النذارة على أكمل وجه وأتم نحو، فقال له ربه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)}، والمعنى: عظم الله جل وعلا في قلبك, وكل طريقٍ إلى مرغوب أو فرارٍ من مرهوب لا يكون إلا بالله، ولا تتحقق معونة الله جل وعلا لعبد إلا على قدر تحقق تعظيم ذلك العبد لربه جل وعلا في قلبه، ولما لم يكن أحدٌ هناك أعظم من الله ولا أجل منه تبارك اسمه وجل ثناؤه قال الله لنبيه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)}، وليس المقصود التكبير اللفظي فقط، وإنما هذا مندرجٌ فيه قطعاً، لكن المراد أن عظم ربك جل وعلا في قلبك, وعظمه في نفسك، وكن على يقين أن الرب تبارك وتعالى لا أحد أعظم منه البتة، ولا أحد أجل منه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى:11)، وتعظيم الله جل وعلا في القلب هو الذي ساد به الأبرار، وفاز به الأخيار، وبلغ به من بلغ من العباد أرفع الدرجات وأعلى المكانات؛ لأن العبد إذا كان الله جل وعلا عظيماً في قلبه جليلاً في فؤاده لم يكن هناك بُد له أن لا يرى أحداً دون الله جل وعلا، ولهذا كان حرياً بالمؤمن حتى يثقل هذا الأمر في قلبه ويعظُم في صدره أن يتأمل في القرآن ثناء الله جل وعلا على ذاته العلية، قال جل وعلا في آية تُعرف بآية العز ختم الله بها سورة الإسراء قال الله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الإسراء:111)، والمراد أنه سبحانه وبحمده ما خلق خلقه ليستكثر بهم من قلة، ولا ليستنصر بهم من ذلة، بل خلقهم جل وعلا وهو غني كل الغنى عنهم {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الزمر:4)، هذه الوصية الأولى لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى...
قال ربنا: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} قيل إن الثياب المراد بها هنا القلب، وقيل: هي الثياب المعهودة، والأظهر والعلم عند الله أن المراد بها كل ذلك، والعرب تكني في سيرورة كلامها بظاهر الأثواب عن العفة والأمانة والخلق الحسن وكماله وعلو الكعب في معالي الأمور، قال أبو تمام:
مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة *//* غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
عليك سلام الله وقفاً فإنني *//* رأيت الكريم الحر له عمرُ
وقد كان صلى الله عليه وسلم طاهر الأثواب حساً ومعنى، قبل النبوة وبعدها صلوات الله وسلامه عليه...
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} من حيث الصناعة اللغوية فإن {الرُّجْزَ} مأخوذ من الاضطراب، ولهذا ثمة في بحور الشعر ما يقال له الرجز؛ لأنه لا يبلغ حد البحور الكاملة، ففيه نوع من الاضطراب، لكن المراد به هنا: عذاب الله، وهجر عذاب الله يكون بهجر الأسباب الموصلة إلى عذابه، والمراد به هنا على وجه التحديد: هجر عبادة الأوثان بالكلية، وهو صلى الله عليه وسلم عصمه الله جل وعلا منها كلها حياته جميعاً قبل النبوة وبعدها صلوات الله وسلامه عليه...
ثم قال له ربه: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)}:
// قال بعض أهل العلم بأن المعنى: لا تمن على الله بعملك,
// وقال بعض أهل العلم: لا تمن على الناس بنبوتك،
وهاذان عندي بعيدان في التفسير،
// والأظهر والعلم عند الله أن المعنى: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)}: لا تعطي الناس هبات وعطايا رجاء أن يردوها عليك بأعظم منها وبأكثر منها؛ حتى يتغير حالك ويكثر مالك؛ لأنك نبي بُعثت بمكارم الأخلاق، ولا يليق بمثلك أن يستكثر بماله عن طريق التعامل مع الخلق، فأنت قدوة وأسوة، ليس حالك كحال غيرك من عامة الناس، وإن جاز ذلك لغيرك إلا أنه في حقك لا ينبغي فما أعطيناك من مراتب الكمال وما أفأنا عليك من أوصاف الفضل لا يليق بأن تمنن به على الناس مالاً حتى تستكثر في مالك وترقى في جاهك، فالله جل وعلا حسبك وهو سيكفيك...
ثم قال له ربه: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} وقدم الجار والمجرور هنا علامة الاختصاص؛ لأن الإنسان قد يصبر لغير الله لكن صبره سينقطع؛ لأن الناس مهما وعدوك ومهما أملوك غالباً أنهم لا يفون، وإن أوفوا اليوم قصروا غداً، وإن لم يقصروا غداً قصروا بعد غد، يقول الحطيئة:
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم *//* ولن ترى طارداً للحر كاليأس
في بيتين شهيرين من قصيدة طويلة تبين يأسه من بعض قومه ممن نزل في جوارهم، والمقصود: أن التعامل مع الله غير التعامل مع الخلق، {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} فالإنسان يصبر رجاء ما عند الله، ولا ريب أن الجنة أعظم موعود وعده الله جل وعلا عباده، قال الله جل وعلا عنها: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً} (الفرقان:16)، ويوم يدخلونها جعلني الله وإياكم من أهلها يقولون: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر:74)، وعد الله المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة وهذا يدفع المؤمن الواثق بوعد الله إلى أن يمشي في الظلمات إلى صلاتي الفجر والعشاء, وكل ما وعد الله جل وعلا به فهو حق قائم لا محالة، وقد جاء في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم واعده جبريل ساعة من النهار، فأبطأ عنه، فأخذ صلى الله عليه وسلم عصاً في يده يغدو بها ويروح في بيته وهو يقول: "لا يخلف الله وعده ولا رسله"، فيتعجب من تأخر جبرائيل، فأبصر تحت سريره جرو كلبٍ، فقال لأهل بيته: "منذ متى هذا الجرو هنا؟"، قالوا: لا ندري، فأمر بإخراجه، فما إن أُخرج الجرو إلا وجبرائيل يدخل، ثم قال له - أي جبريل لنبينا صلى الله عليه وسلم -: "إننا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة"، موضع الشاهد منه: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "لا يخلف الله وعده ولا رسله"، ولا ريب أن المؤمن المتدبر للقرآن المقر لله بالتوحيد ولنبيه بالرسالة على يقين بأن وعد الله جل وعلا لا يُخلف، فصبرك على من آذاك وعدك عليه نبينا صلى الله عليه وسلم بيتاً في الجنة, وصبر المؤمن على فقد من يحب وعده الله جل وعلا عليه بيتاً في الجنة يُقال له بيت الحمد, وصبر المشائين بالظلم وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم النور التام يوم القيامة، وهذا كثير في القرآن وفي السنة، وقد قال ربنا جل وعلا: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)... قال ربنا: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)}...
ثم قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)}، {النَّاقُورِ} هو الصور الذي ينفخ فيه ملك من عظائم الملائكة أحد الأربعة الذين أوكل الله جل وعلا إليهم مهام الأمور، وهو إسرافيل عليه السلام، أوكل الله جل وعلا إليه النفخ في الصور، وفي الخبر: "كيف بكم وصاحب الصور قد أحنى الجبهة وأصغى الأذن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ"، قالوا: يارسول الله ما نقول؟، قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"، فنقول كما علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فربنا يقول هنا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} أي: وقعت النفخة الثانية - لأن فيها البعث والنشور - بعد النفخة الأولى، وبينهما أربعون، قد تكون عاماً أو شهراً أو يوماً الله أعلم بها لم يأتِ خبر صحيح في تفصيلها، قال الله جل وعلا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} أي: حُشر العباد، وجيء بالأشهاد، وكان يوم التناد، قال الله جل وعلا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} والنعت الأول غير النعت الثاني، فقول الله جل وعلا: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)} هذا وصف ليوم البعث لأهواله، بصرف النظر عن أهله, انفكاكاً عن أهله, فذلك اليوم تنصب فيه الموازين, وتقام فيه البراهين، وتتطاير فيه الصحف، ويكون فيه الصراط, أهوال عظام وخطوب جسام يشيب لها الغلمان، هذا شيء، والحديث عن وقع ذلك اليوم على الكفار شيء آخر، قال الله جل وعلا: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)}، ومن مفهوم المخالفة أن الله جل وعلا ييسره على أهل طاعته، وقد قال ربنا في سورة مريم: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (86)}، هنا قال ربنا جل ذكره: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} يرون فيه مما لا طاقة لهم به {جَزَاء وِفَاقاً} (النبأ:26)، نكالاً من الله لما كان منهم من كفر وشرك بربهم تبارك وتعالى في الدنيا...
ثم قال تباركت أسماؤه: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)} قال أهل العلم: لا يُعلم أن الله جل وعلا ذم أحداً من البشر كما ذم الوليد بن المغيرة, لا يُعلم أن الله عاب وذم أحداً من البشر كما ذم الوليد بن المغيرة، قال ربنا هنا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)}، وقال جل وعلا في سورة القلم: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} وهذ كله في وصف الوليد، هذا الرجل أدرك البعثة النبوية وهو شيخ كبير قد ساد على قومه، وتكاد الرئاسة في ذلك المجتمع الجاهلي أن تنتهي إليه، فلما سمع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أول الأمر قول إنصاف: "إن عليه لطلاوة وإن له لحلاوة"، فخافت قريش أن يقبل الوليد بخبر ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، فتآمروا عليه - شأن قرناء السوء - حتى يغيروا من موقفه ويبدلوا من كلامه، فقبل صنيعهم ورغب في العز الزائل الذي كان يعيشه، فقال ربنا جل وعلا هنا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)}، ولا خلاف بين علماء العربيه على أن {وَحِيداً} هنا حال قطعاً، لكن الخلاف: هي حالٌ ممن؟ حال من التاء في {خَلَقْتُ}؟ أم حال من المفعول به وهو الوليد؟:
// فإن قدرنا على أنها حال من التاء في {خَلَقْتُ} أي أن صاحب الحال هو الفاعل فيصبح المعنى: أن الله جل وعلا يقول: أنا خلقت هذا العبد وحيداً، أي لم يشاركني في خلقه أحد، وما دام لم يشاركني في خلقه أحد فلا حاجة لي وأنا رب العالمين أن أستعين بأحد أستنصر به على الوليد، فـ{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)} كما خلقته لوحدي أنا أهلكه وأحرقه لوحدي، ولا حاجة لي بنصير,
// وعلى القول بأن {وَحِيداً} حال من المفعول به أي من الوليد يصبح المعنى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)}:
· أي خلقته إما {وَحِيداً} جنيناً منفرداً في بطن أمه,
· وإما {وَحِيداً} بمعنى: لم يكن له عز ولا جاه ولا سلطان ثم أغدقت عليه العطايا،
· أو {خَلَقْتُ وَحِيداً} أي: جعلته منفرداً عن قومه، له من المال والبنين والعز والسلطان ما ليس لغيره،
والآية تحتمل هذا كله، ولا تعارض بين هذه المعاني الثلاثة، فحسن أن يحمل المعنى عليها كلها، والعلم عند الله...
{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12)} كانت له أموال من مكة إلى الطائف, {وَبَنِينَ شُهُوداً (13)} كان له عشرة أبناء، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمار, خالد ثبتٌ إسلامه واختُلف في أخويه، والبقية منهم من أدرك البعثة ومنهم من لم يدركها لكنهم لم يؤمن منهم أحد، {وَبَنِينَ شُهُوداً (13)} كثرتهم تُغني عن اجتماعهم، فإن غاب منهم طائفة حضر الآخرون، في زمن وعهد كان الغلبة فيه لأهل المال والبنين، فقال الله جل وعلا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)} أي: هيأت له أسباب الرياسة وطرائق الكياسة، لكنه وقر في قلبه معاندة آيات الله...
قال الله جل وعلا: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ} ما زال يؤمل، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)}، قال ربنا جل وعلا وهو أحكم الحاكمين: {كَلَّا}، ثم بين السبب أنه سيحرم الوليد الزيادة قال: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16)}، هذا القرآن فيصل حاكمٌ على كل أحد، من لان قلبه للقرآن واستكانت نفسه لما فيه من أوامر ونواهي فما أسعده برحمة الله جل وعلا له، ومن وقف معانداً لآيات الله لا يقبلها ولا يرى في قلبه أثراً لها عليه فما أشقاه بعذاب الله جل وعلا ونقمته، قال أصدق القائلين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} (فصلت: 41- 43)، وشتان ما بين قلب يرجف إذا قُريء عليه القرآن ويجل، وجلود تقشعر وعيون تذرف, وبين قلوب لا تعبأ أياً ما سمعت من القرآن أعاذنا الله وإياكم من ذلكم الحال... قال ربنا: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16)} ثم قال: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17)} مشقة وصعاب لا طاقة له بها يراها في جهنم...
ثم نعته جل وعلا وأخبر عن حاله في آيات تصف الظاهر والباطن، قال ربنا: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)}، قال بعدها: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)}، الأولى {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} هذه مدح، أما قول الله: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)} هذه ذم, المدح الأول أنه فقه أن هذا القرآن عظيم، ووقع في قلبه أن هذا القرآن ليس من الكهانة ولا من الشعر في شيء، فبلغ فيه منزلة عظيمة في الرؤية، لكنه ما طبع عليه في الكفر حاد به، فقال الله جل وعلا بعدها: {ثُمَّ قُتِلَ} أي: لُعن، لُعن {كَيْفَ قَدَّرَ (20)} كيف انقلب ما قدره وغير ما فكر فيه وما ارتآه وما نجم عن قوله قال ربنا: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)} أي تأمل في القرآن، قال ربنا بعدها: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} العبوس: هو قطوب الوجه من ضيق في الصدر، والبسر في لغة العرب هو استعجال الشيء قبل أوانه، ويقال للتمر إذا أُدرك أنه بسر، قال ربنا جل وعلا في سورة القيامة: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ(24)تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)}فهي إلى الآن لم يفعل بها فاقرة، لكنها باسرة لأن الشيء جاءها قبل أوانه، فهي قبل أن تدخل النار عياذاً بالله لقيت أذى النار، فلهذا قال الله جل وعلا: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)}، هنا قال الله جل وعلا: {ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} أي: قطب وجهه وغير حاله قبل أوانه قبل وقته، قبل أن يتكلم ظهر ذلك على محياه ظهر ذلك على وجهه....
{ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)}، {أَدْبَرَ} عن الحق، {وَاسْتَكْبَرَ} عن الإيمان، قال: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)} والاستكبار عن دين الله جل وعلا هو سبب الهلاك الأول، وأول أصول الخطايا على الإطلاق، قال الله جل وعلا: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} (النساء:172)، إن الله جل وعلا كُنه عبوديته في انكسار القلب له، ولو أن أحداً صلى وصام وتصدق وقام وليس في قلبه انكسار لربه فما كأنه صلى ولا صام ولا عرف الله طرفة عين، إنما العبودية الحقة انكسار القلب لرب العزة والجلال، أن تعلم أنك عبد وأن الله رب, وأنك مخلوق وأن الله خالق, وأنك مرزوق وأن الله رازق, وأنك مدبَّر وأن الله جل وعلا هو من يدبِّر الأمر، وأنه لا حول لك ولا قوة ولا لغيرك إلا بالله العلي العظيم، هذا كله أعرض عنه الوليد، قال الله: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)}....
ثم أخذ ينطق في محفل ينتظر كلامه {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)}، ينقله خلفٌ عن سلف، وجيلٌ عن جيل، لكن هذا القول لم يُقنع الملأ من قريش {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)}، يريدون منه التعبير بوضوح لا أن يلتف عليهم بالكذب، فقال: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} فتأمل عظيم الافتراء، جعل كلام الله مثل كلام الناس سواء بسواء، وأين كلام العباد من كلام رب العباد جل جلاله، قال الله جل وعلا عنه: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)}،فجاء بفرية عظمى وخطيئة كبرى، فقال الله جل وعلا بعدها: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)}، توعده الله جل وعلا بالنار، وهي الخسران الأكبر والخزي الأعظم، أجارنا الله وإياكم منها...
قال ربنا: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} كلمة {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} تحتمل معنيين وفق الصناعة اللغوية:
// إن كانت مأخوذة من الفعل (لاح) بمعنى: ظهر فيصبح المعنى {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي أن جهنم تظهر للبشر وتبين قبل أن يصلوا، إليها فيكون {الْبَشَر} عاماً أُريد به الخاص، وهم من كتب الله عليهم الدخول في النار، فيصبح {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: ظاهرة بارزة لهم، أي للناس لأهل النار قبل أن يصلوا إليها...
// وإن كانت {لَوَّاحَةٌ} بمعنى مُغيرة فيصبح {الْبَشَر} ليست بمعنى الناس، وإنما {الْبَشَر} هنا جمع (بشرة) وهو الجلد، فيصبح المعنى {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي مُغيرة للون البشرة بما تؤثره في جلود الناس من حرق ونكال، أعاذنا الله وإياكم من ذلك...
{لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} ثم قال رب العالمين: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} أي: لها خزنة تسعة عشر، فُتن المشركون القرشيون المشركون بهذا، وأخذوا يتهكمون بالعدد، والعدد أن على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ} مذكور في التوراة، ومذكور في الإنجيل، ومذكور في القرآن , فلهذا قال الله جل وعلا بعدها وأخبر عن عدم ارتياب المؤمنين وعدم ارتياب أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب يقرأون في التوراة والأنجيل يهوداً ونصارى أن على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ}،وكذلك في القرآن، والأصل قبل التحريف في التوراة والإنجيل أنها كلها كتب منزلة من السماء، كتب سماوية، وأما كفار قريش فأخذوا يتهكمون بالعدد، وتجاهلوا أونسوا أو تناسوا أن الله جل وعلا أوكل بخلقه كلهم جناً وإنساً ملكاً واحداً يقبض أرواحهم، فإذا كان الذي يقبض الأرواح واحداً فعقلياً من باب أولى أن الأمر أهون إذا كان على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ}، لكن المقصود من هذا كله أن الله جل وعلا آتى ملك الموت القدرة على أن يقبض أرواح العباد جميعاً، وأعطى التسعة عشر القدرة على أن يكونوا خزنة لجهنم، قال ربنا: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)}...
بعد أن ذكر الله جل وعلا الارتياب كله قال: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)} هذه {كَلَّا} اختُلف فيها اختلافاً كثيراً، والأظهر عندي أنها هنا بمعنى الاستفتاح، وإن كان البصريون من النحاة لا يرون لها معنى إلا الردع والزجر، لكن ليس هناك ما يُردع ويُزجر قبلها فتُحمل على الاستفتاح أولى، والمقصود قال ربنا جل وعلا: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)} فأقسم الله جل وعلا بالقمر، والقمر آية ممحوة؛ لأن الله جل وعلا قال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (الإسراء: 12)، فسمى الله القمرآية ممحوة، لكن استقر عند الناس عبر القرون كلها أن القمر يُضرب به المثل في الجمال، وفي حديث الرؤية: "كما ترون القمر ليلة البدر"، والمقصود أنه لا يشعر أحد من أهل الجنة بمضامة في رؤيتهم لربهم تبارك وتعالى، أقسم الله جل وعلا بالقمر وقلنا إنه آية ممحوة، هذه الآية العظيمة - أي القمر - لما ضرب الناس بها المثل في الجمال كتب الله عليها الخسوف، ولما فُتن أقوام بالشمس كتب الله عليها الكسوف، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان نور النبوة يتلألأ من وجهه، ومع ذلك شُج رأسه، وكُسرت رباعيته، ودخلت حدائد المغفر في وجنتيه، وسال الدم على وجهه في يوم أُحد، وعلي وفاطمة يمسحان الدم عن وجهه الطاهر الشريف صلوات الله وسلامه عليه، لم وقع هذا؟ حتى يعلم كل أحد أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول هو وجه الله جل وعلا العلي الأعلي: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن:26-27)، {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص:88)، فمحمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق لكنه بشر، محمد بن عبد الله أفضل الرسل لكنه عبد، محمد بن عبدالله أكمل الطائعين، لكنه مرزوق ليس برازق، والله جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى:11)، والقمر اتخذه الصحابة في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم، قال جابر بن سمرة: "خرجت في ليلة أضحيان" أي: ليلة القمر فيها مكتمل، "فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه حُلة حمراء فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهو عندي أجمل من القمر" صلوات الله وسلامه عليه، ولعله استطراداً نقول أن من نعته عليه الصلاة والسلام من الصحابة قال من حيث الجملة أنه كان سبط الشعر بمعنى أن شعره لم يكن مسترسلاً ولا ناعماً، في جبينه عرق يدره الغضب، إذا غضب في ذات الله يمتليء هذا العرق دماً، أزج الحواجب من غير قرن، أي أن حاجبيه دقيقان غير ملتصقين، أشم الأنف كث اللحية, كبير الفم, الشيب فيه ندرة, شيب في صدغه الأيمن، وشيب في صدغه الأيسر، وشيب في شعره، وأكثر شيبه هاهنا في عنفقته أسفل شفته السفلى، صلوات الله وسلامه عليه, كأن عنقه إبريق فضة, من وهدة نحره إلى سرته شعر ممتد على هيئة خيط، عاري الصدر والبطن من سوى ذلك، بعيد ما بين المنكبين, ما بين كتفيه من الخلف شعيرات سود اجتمع بعضهن إلى بعض، كأنهن بيضة حمامة، سواء البطن والصدر, ضخم الكراديس أي عظام المفاصل, إذا مشى يمشي يتكفأ تكفؤاً كأنما ينحدر من مكان عال، إذا أشار أشار بيده كلها، إذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: "سبحان الله"، وفي رواية صحيحة عند البخاري في الأدب المفرد أنه إذا تعجب من شيء عض على شفيته صلوات الله وسلامه عليه، بينه وبين أمته - ونحن من أمته – موعد، قال عليه الصلاة والسلام: "والموعد الحوض"، وهو متقدم أمته عند الحوض، فالسعيد من هذه الأمة من يلقى النبي صلى الله عليه وسلم عند الحوض، وينال هذه المنزلة من أحبه وآمن بالتوحيد العظيم الذي جاء به، وسلك مسلكه وهديه، واتبع أمره واجتنب نهيه، قال الله جل وعلا: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} (التوبة:100)، ذكر الله ثلاث طوائف قال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} فلا أنا ولا أنتم من المهاجرين، وقال: {وَالأَنصَارِ} أي: والسابقون الأولون من الأنصار، ولا أنا ولا أنتم من الأنصار، فلم يبقَ إلا واحدة قال جل وعلا: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}، فلم يبقَ إلا اتباع هديه صلوات الله وسلامه عليه، هذا به ينال الإنسان برحمه الله أن يُسقى من حوض رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالحوض هو الموعد بينه وبين أمته صلوات الله وسلامه عليه...
قال الله جل وعلا: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)} أقسم الله بالليل حال أفوله وذهابه، ولهذا قال بعدها: {وَالصُّبْحِ}،وقد فضل الله الليل على النهار من حيث الجملة، وجعل الله جل وعلا الليل مطيةً لعملٍ صالحٍ مبارك هو قيام الليل، ولما ذكر الله لوطاً وبنتيه قال: {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} (القمر:34)، ولما ذكر موسى وقومه قال: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} (الدخان:23)، ولما ذكر خير خلقه وصفوة رسله قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء:1)، فالليل من حيث الجملة أفضل من النهار، وإن كان لله عملٌ في النهار لا يقبله في الليل، وعملٌ في الليل لا يقبله في النهار، إلا أن الإنسان الموفق من كان له حظ من قيام الليل، شرف الوقوف بين يدي الله في الصلاة شرف لا يؤتاه كل أحد، لا يناله إلا من أحبه الله، فإن الناس من حيث الجملة يتقلبون على فراشهم، فإذا قاموا تختلف مصادرهم، فكلٌ يتوجه إلى ما يحب، مما يغلب على الظن أنه سيملأ به ليله ويطرد به السآمة والملل عن نفسه، الذين يحبهم الله يرزقهم في قلوبهم أن يأتوا أماكن وضوئهم فيتوضأوا ثم يقفوا بين يدي ربهم جل وعلا، والله لو لم يكن الله يحبهم لما شرفهم بأن يقوموا بين يديه، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يُطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر" ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة:16-17)، فكون الله جل وعلا هنا في هذه السورة المباركة يُقسم بالليل فهذا يجب أن يتدبره المؤمن تدبر عاقل، ويعلم أنه ما أقسم الله به في الأصل إلا لأنه عظيم، فيبحث ويقرأ ويتدبر كيف كان ليلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم المؤمنين عائشة تقول فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه ساجداً سمعته يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"... ثم أقسم جل وعلا بالصبح قال وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)}....
ثم ذكر جل وعلا لفظ عموم هو {كُلُّ} فقال ربنا: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)}، لا خلاف أن {كُلّ} هنا من ألفاظ العموم، لكن اختُلف في معنى قول الله جل وعلا: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} هذا إسمٌ وليس صفة؛ لأن العرب وزن (فعيل) يستوي فيه المذكر والمؤنث فلا تؤنثه، ومعنى الآية: كل أحد مرهون بعمله، محبوس بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم جاء الاستثناء: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، واختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ{أَصْحَاب الْيَمِينِ} على أقوال عدة، أظهرها - والعلم عند الله - أن المقصود بـ{أَصْحَاب الْيَمِينِ} هنا هم أطفال المسلمين الذين يموتون صغاراً، فمن مات دون البلوغ من أطفال المسلمين فهذا لم يجرِ عليه قلم التكليف، وما دام لم يجرِ عليه قلم التكليف ووالده مسلم يُلحق بأبيه، فإذا مات قبل البلوغ أصبح من أصحاب اليمين، ولا يكون من المقربين لأنه لا عمل له، ولا يدخل النار لأنه مات قبل أن يجري عليه قلم التكليف، ولا يصبح مرتهناً بعمله، ولهذا قال الله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، فقول الله هنا: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)} ليسوا هم من عناهم الله في الواقعة يوم قال: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} (الواقعة:27-28)، فهولاء من مات بعد التكليف ممن لم يصل إلى درجة المقربين، أما هؤلاء في سورة المدثر فإنه من مات قبل البلوغ من أطفال المسلمين، ولهذا عندما يبصرون أهل النار لا يدرون لأي سبب دخل أهل النار النار؛ لأن أكثرهم مات صغيراً، قال الله جل وعلا: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)}، فيأتي الجواب: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)}، فذكر الله جل وعلا بعض خصال أهل النار المنتهية بالشرك، وانظر إلى دقة القرآن وبلاغته، قال الله: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} أي: ماتوا على الكفر؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبل البعثة لم يكونوا يؤمنون بيوم الدين، لكنهم ما ماتوا على هذا، بل أنعم الله عليهم بالإيمان فأصبحوا أكمل جيل وخير رعيل لكن هنا قال الله جل وعلا: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)}....
ثم قال ربنا: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)}، وما نفاه الله جل وعلا هنا نفاه في الشعراء: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100)وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء:100-101)، لكن هذا النفي نفي شبه كلي وليس نفياً جزئياً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن شفاعته في عمه أبي طالب تُقبل، لكنها لا تصل إلى الحد أن يخرج أبو طالب من النار إلى الجنة؛ لأن الله حرم الجنة على أهل الكفر، ومن مات مشركاً فهو مخلدٌ في النار: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} (المائدة:72)، كما أنه لا يخلد في النار موحد على الصحيح، هنا قال الله جل وعلا: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)} أي: نفى الله عنهم أن تنفعهم شفاعة أحد يوم القيامة، اللهم إلا ما ذكرنا من أن أبا طالب تنفعه جزئياً شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم...
ثم قال الله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)} ما جاءت به من الحق وما دعوتهم له من الذكرى لأي سبب هم معرضون عنه، {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50)} قرأت بالفتح والكسر (مُستنفَرة) و{مُّسْتَنفِرة}:
// فعلى القول بأنها (مُستنفَرة) هذا واضح، أي: الرُعاة أو القائم عليها يأمرها بأن تنفر،
// أما على الكسر على أنها إسم فاعل يصبح المعنى أنه يستنفر بعضها بعضاً من شدة ما ترى من الهول...
{فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)} قيل {قَسْوَرَة}: الأسد، وقيل: الراعي، وقيل: الصياد، وقيل غير ذلك، والمقصود من يريد أن يجليها من مكانها ويذهب بها عن ديارها، {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)}...
ثم ذكر الله الكبِر الذي كان عليه الجاهليون قال: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52)} أي: لا يقبلون بهذا القرآن، إنما يريد كل أحدٍ منهم أن يُرزق صحفاً يقرؤها، وقول الله جل وعلا: {مُّنَشَّرَةً} أي: مفتوحة، فهم من الكبِر الذي في قلوبهم لا يقبلون فقط أن تتلو عليهم القرآن وأن تقرأ عليهم كلامنا, إنما يريدون صحفاً مفتوحة تُقرأ عليهم حتى لا يتكلفوا أن ينشروها ويفتوحها بأنفسهم، وهذا إظهار لعظيم الكِبر الذي كان في قلوبهم، {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52)}....
ثم قال الله: {كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)} وهذا إضرابٌ انتقالي إنكاري في آن واحد, إضراب انتقالي لأن فيه نقلة في الحديث, وإنكاري أي إنكارٌ لما هم عليه من قبل، وهذا كثير في القرآن، وكثير في سورة ص، قال الله جل وعلا: {كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)}، إن المؤمن لا يُخوف بشيء أعظم من لقاء الله، ولما أثنى الله جل وعلا على الصالحين من رسله قال جل وعلا: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} (ص:45-46)، فبين جل وعلا أن ذكراهم للدار وخوفهم من لقاء الله هو الخالصة العظمى والخصيصة الكبرى التي آتاهم الله جل وعلا إياها، والناس من حيث الجملة كلهم مؤمنون بأنهم سيلقون الله، لكن قل من يردعه عمله ومن تردعه نفسه من الخوف من لقاء الله جل وعلا, فالجارة عندما تظلم جارتها، والأخت عندما تضرب أختها، والشاب عندما يتعرض للفتاة، ومن يتعرض لأعراض المسلمين غلماناً أو فتيات، ومن يأكل أموال الناس، ومن يرتشي، ومن يأكل الربا، كل هؤلاء يعلمون أن ما يصنعونه محرماً، فهم لم يؤتوا من قبل الفقه, يعرفون أحكام الحلال والحرام، لكن لم يقر في قلوبهم عظمة الملك العلام جل جلاله، ولم يقع في قلوبهم أن لقاء الله حق، وأنه ما من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر إلى أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر إلى أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار تلقاء وجهه، قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث عدي بن حاتم: "فاتقوا النار ولو بشق تمرة"، إن المؤمن الحق يُخوف بلقاء الله، فعندما تدفعه نفسه للمعصية بأن ينتهك عرضاً، أو يأكل مالاً، أو يظلم جاراً، أو يغتاب مسلماً؛ قبل أن يتفوه يتذكر ما الذي سيعذره أمام ربه؟ من الذي سيحتج له عند الله؟ من الذي سيحمل خطاياه عند الله تبارك وتعالى؟ كل ذلك مفقود غير موجود إلا أن يرحمك الله، فهذا كله إيمان بلقاء الرب تبارك وتعالى، والله جل وعلا جعل الخوف منه أعظم مناقب الصالحين وأجل العطايا منه جل وعلا لمن اصطفاهم من عباده المقربين، قال ربنا: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن:46)، وقال ربنا تبارك اسمه وجل ثناؤه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:40-41)، والمقصود أن تذكر الآخرة أعظم ما اختص الله به عباده الصالحين، قال الله جل وعلا هنا عن أهل الإشراك - وهم على الضد - قال:{كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)}...
ثم قال: {كَلَّا إِنَّهُ} أي: القرآن {تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)}، ثم قيد مشيئتهم بمشيئته تبارك اسمه وجل ثناؤه، قال: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)} والقرآن كتاب أنزله الله على خير خلقه, حبل الله المتين وصراطه المبين, من استمسك به نجا، يُقام به في الأسحار, ويُجاهد به الكفار, يُقدم أهله في كل مكان وزمان، قال الله جل وعلا: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)}، ثم قال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه} فلا يُمكن أن يهتدي أحد إلا إذا أذن الله، ومن ضل من العباد ضل بخذلان الله جل وعلا له، فهذا معنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)، فمن أدرك هذا وتأمله وتدبره لجأ بقلبه إلى الله، وعلم أنه لا أحد يكلؤه من ربه، وأن مقاليد كل شيء بيده سبحانه وتعالى، فيُرزق بهذا الخوف، قالوا عن أحد الصالحين إنه كان في معشر له في سفر، فأتوا أجمة أي غابة شجر مُلتصق، فلما أخرجوا متاعهم وفرشوا ما يجلسون عليه قام أحدهم يصلي، فبينما صاحبهم يصلي إذ سمعو زئير أسد في الغابة، فتفرق الأصحاب والرفقاء كلٌّ ينجوا بنفسه، ومن كان يصلي بقي على حاله، فلما بقي على حاله قالوا إن الأسد جاء فجال جولة ثم عاد من حيث أتى، فلما اطمأن الصحبُ على أن الخطر زال والأسد ولى عادوا، فوجدوا صاحبهم كما هو قائم يصلي، فقالوا له: أما خفت الأسد؟ قال: والله إني لأستحيي من الله أن أخشى أحداً غيره وأنا بين يديه, ولو كل أحد سولت له نفسه أن يعصي الله تذكر ذل الفضيحة يوم العرض على الله لمنعه ذلك من أن يعصي الله جل وعلا، فإن وقعت منك معصية - وكلنا وأنا أولكم ذو خطأ - فإنه لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه, والتوبة وظيفة العمر ودأب عباد الله الصالحين {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة:114)، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} (هود:75)، فيؤوب إلى ربه ويرجع إلى مولاه، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)}، وحذاق العربية يرون أن الله لم يقل: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَالْمَغْفِرَةِ)، فقال: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} ثم عطف وأعاد قال: {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}،والمعنى: أن الله أهلٌ لأن يُتقى، وهذا لزاماً على كل أحد أن يتقي الله، لكن {أَهْل} الأخرى ليست كـ{أَهْل} الأولى، فليس لزاماً على الله أن يغفر لكل أحد؛ لأن هذا داخلٌ تحت مشيئته تبارك اسمه وجل ثناؤه...
أيها المباركون هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول تدارس هذه السورة المباركة سورة المدثر، نسأل الله لنا ولكم التوفيق، كما نسأله جل وعلا أن يعيننا على طاعته إن ربي لسميع الدعاء، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين....
(( انتهت المحاضــــرة ))
لفضيلة الشيخ / صالح بن عواد المغامسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته, فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله وعرف به ودعا إليه, اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين...
أما بعد...
أيها المؤمنون، فهذا لقاء نطمع فيه جميعاً أن نتدبر فيه آيات من كلام ربنا جل وعلا، والسورة التي نحن في شرف الحديث عنها هي سورة المدثر، وهي من أوائل ما أُنزل حتى قال بعض أهل العلم إنها أول سورة نزلت، وإن كان هذا القول قولاً مرجوحاً، إذ الصحيح أن فواتح سورة العلق هي أول ما أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم.... قال ربنا جل وعلا في هذه السورة المباركة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)}، المنادى هنا: نبينا صلى الله عليه وسلم، والمتكلم بهذا النداء: رب العزة والجلال جل جلاله، والذي نزل به خير الملائكة جبرائيل عليه الصلاة والسلام، نبينا صلى الله عليه وسلم رأى الملك في فترة الوحي الأولى، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نزل من الجبل يرجف فؤاده تتسابق خطواته إلى بيت زوجته خديجة وهو يقول: "دثروني, دثروني, زملوني, زملوني"، إن كل أحد تغلب عليه الرجفة ويشعر بالرعشة لحمى أو لغيرها يشعر في نفسه حاجة ملحة إلى أن يُكثر من الثياب والأغطية عليه, والعرب تسمي ما لامس الجسد من الثياب تسميه شعاراً، وما زاد عليه تسميه دثاراً, وهو صلى الله عليه وسلم دخل الدار وعليه ثيابه، لكنه لما أصابه من رجفة لعظيم ما رأى وجلال ما سمع قال: "دثروني, دثروني"، أي: غطوني وزيدوني ثياباً، فدثرته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فأصبح بهذا الحال مدّثراً، وأصلها: متدثراً لكن أدغمت التاء في الدال لقرب المخارج، فأصبحت هذه حاله وهذه صفته صلوات الله وسلامه عليه، فنزل الوحي من السماء يناديه بالوصف الذي هو عليه، والحال التي هو عليها، قال رب العزة والجلال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، وهذا نداء له صلى الله عليه وسلم بالحال التي هو متلبس بها، أي أن {الْمُدَّثِّر} ليس إسماً من أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه حال كان عليها فخوطب بها ونودي بها صلوات الله وسلامه عليه....
بما أمره ربه؟ قال له رب العزة: {قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، ولم يقل له: قُمْ فَبشّر؛ لأن القوم كانوا يومذاك على حال من الكفر والشرك والمعاصي، فهم إلى النذارة أحوج منهم إلى البشارة، وإن كان صلى الله عليه وسلم بُعث بشيراً ونذيراً، فقال له ربه: {قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، ولأن الأمر العظيم الذي جاء به والرسالة الجليلة التي كُلف بها تحتاج إلى عظائم الصفات وجلائل الأوصاف؛ أمره الله جل وعلا بوصايا خمس بعد أن أمره بأن يقوم بهذه النذارة على أكمل وجه وأتم نحو، فقال له ربه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)}، والمعنى: عظم الله جل وعلا في قلبك, وكل طريقٍ إلى مرغوب أو فرارٍ من مرهوب لا يكون إلا بالله، ولا تتحقق معونة الله جل وعلا لعبد إلا على قدر تحقق تعظيم ذلك العبد لربه جل وعلا في قلبه، ولما لم يكن أحدٌ هناك أعظم من الله ولا أجل منه تبارك اسمه وجل ثناؤه قال الله لنبيه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)}، وليس المقصود التكبير اللفظي فقط، وإنما هذا مندرجٌ فيه قطعاً، لكن المراد أن عظم ربك جل وعلا في قلبك, وعظمه في نفسك، وكن على يقين أن الرب تبارك وتعالى لا أحد أعظم منه البتة، ولا أحد أجل منه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى:11)، وتعظيم الله جل وعلا في القلب هو الذي ساد به الأبرار، وفاز به الأخيار، وبلغ به من بلغ من العباد أرفع الدرجات وأعلى المكانات؛ لأن العبد إذا كان الله جل وعلا عظيماً في قلبه جليلاً في فؤاده لم يكن هناك بُد له أن لا يرى أحداً دون الله جل وعلا، ولهذا كان حرياً بالمؤمن حتى يثقل هذا الأمر في قلبه ويعظُم في صدره أن يتأمل في القرآن ثناء الله جل وعلا على ذاته العلية، قال جل وعلا في آية تُعرف بآية العز ختم الله بها سورة الإسراء قال الله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} (الإسراء:111)، والمراد أنه سبحانه وبحمده ما خلق خلقه ليستكثر بهم من قلة، ولا ليستنصر بهم من ذلة، بل خلقهم جل وعلا وهو غني كل الغنى عنهم {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الزمر:4)، هذه الوصية الأولى لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى...
قال ربنا: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} قيل إن الثياب المراد بها هنا القلب، وقيل: هي الثياب المعهودة، والأظهر والعلم عند الله أن المراد بها كل ذلك، والعرب تكني في سيرورة كلامها بظاهر الأثواب عن العفة والأمانة والخلق الحسن وكماله وعلو الكعب في معالي الأمور، قال أبو تمام:
مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة *//* غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
عليك سلام الله وقفاً فإنني *//* رأيت الكريم الحر له عمرُ
وقد كان صلى الله عليه وسلم طاهر الأثواب حساً ومعنى، قبل النبوة وبعدها صلوات الله وسلامه عليه...
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} من حيث الصناعة اللغوية فإن {الرُّجْزَ} مأخوذ من الاضطراب، ولهذا ثمة في بحور الشعر ما يقال له الرجز؛ لأنه لا يبلغ حد البحور الكاملة، ففيه نوع من الاضطراب، لكن المراد به هنا: عذاب الله، وهجر عذاب الله يكون بهجر الأسباب الموصلة إلى عذابه، والمراد به هنا على وجه التحديد: هجر عبادة الأوثان بالكلية، وهو صلى الله عليه وسلم عصمه الله جل وعلا منها كلها حياته جميعاً قبل النبوة وبعدها صلوات الله وسلامه عليه...
ثم قال له ربه: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)}:
// قال بعض أهل العلم بأن المعنى: لا تمن على الله بعملك,
// وقال بعض أهل العلم: لا تمن على الناس بنبوتك،
وهاذان عندي بعيدان في التفسير،
// والأظهر والعلم عند الله أن المعنى: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)}: لا تعطي الناس هبات وعطايا رجاء أن يردوها عليك بأعظم منها وبأكثر منها؛ حتى يتغير حالك ويكثر مالك؛ لأنك نبي بُعثت بمكارم الأخلاق، ولا يليق بمثلك أن يستكثر بماله عن طريق التعامل مع الخلق، فأنت قدوة وأسوة، ليس حالك كحال غيرك من عامة الناس، وإن جاز ذلك لغيرك إلا أنه في حقك لا ينبغي فما أعطيناك من مراتب الكمال وما أفأنا عليك من أوصاف الفضل لا يليق بأن تمنن به على الناس مالاً حتى تستكثر في مالك وترقى في جاهك، فالله جل وعلا حسبك وهو سيكفيك...
ثم قال له ربه: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} وقدم الجار والمجرور هنا علامة الاختصاص؛ لأن الإنسان قد يصبر لغير الله لكن صبره سينقطع؛ لأن الناس مهما وعدوك ومهما أملوك غالباً أنهم لا يفون، وإن أوفوا اليوم قصروا غداً، وإن لم يقصروا غداً قصروا بعد غد، يقول الحطيئة:
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم *//* ولن ترى طارداً للحر كاليأس
في بيتين شهيرين من قصيدة طويلة تبين يأسه من بعض قومه ممن نزل في جوارهم، والمقصود: أن التعامل مع الله غير التعامل مع الخلق، {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} فالإنسان يصبر رجاء ما عند الله، ولا ريب أن الجنة أعظم موعود وعده الله جل وعلا عباده، قال الله جل وعلا عنها: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً} (الفرقان:16)، ويوم يدخلونها جعلني الله وإياكم من أهلها يقولون: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر:74)، وعد الله المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة وهذا يدفع المؤمن الواثق بوعد الله إلى أن يمشي في الظلمات إلى صلاتي الفجر والعشاء, وكل ما وعد الله جل وعلا به فهو حق قائم لا محالة، وقد جاء في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم واعده جبريل ساعة من النهار، فأبطأ عنه، فأخذ صلى الله عليه وسلم عصاً في يده يغدو بها ويروح في بيته وهو يقول: "لا يخلف الله وعده ولا رسله"، فيتعجب من تأخر جبرائيل، فأبصر تحت سريره جرو كلبٍ، فقال لأهل بيته: "منذ متى هذا الجرو هنا؟"، قالوا: لا ندري، فأمر بإخراجه، فما إن أُخرج الجرو إلا وجبرائيل يدخل، ثم قال له - أي جبريل لنبينا صلى الله عليه وسلم -: "إننا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة"، موضع الشاهد منه: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "لا يخلف الله وعده ولا رسله"، ولا ريب أن المؤمن المتدبر للقرآن المقر لله بالتوحيد ولنبيه بالرسالة على يقين بأن وعد الله جل وعلا لا يُخلف، فصبرك على من آذاك وعدك عليه نبينا صلى الله عليه وسلم بيتاً في الجنة, وصبر المؤمن على فقد من يحب وعده الله جل وعلا عليه بيتاً في الجنة يُقال له بيت الحمد, وصبر المشائين بالظلم وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم النور التام يوم القيامة، وهذا كثير في القرآن وفي السنة، وقد قال ربنا جل وعلا: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)... قال ربنا: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)}...
ثم قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)}، {النَّاقُورِ} هو الصور الذي ينفخ فيه ملك من عظائم الملائكة أحد الأربعة الذين أوكل الله جل وعلا إليهم مهام الأمور، وهو إسرافيل عليه السلام، أوكل الله جل وعلا إليه النفخ في الصور، وفي الخبر: "كيف بكم وصاحب الصور قد أحنى الجبهة وأصغى الأذن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ"، قالوا: يارسول الله ما نقول؟، قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"، فنقول كما علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فربنا يقول هنا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} أي: وقعت النفخة الثانية - لأن فيها البعث والنشور - بعد النفخة الأولى، وبينهما أربعون، قد تكون عاماً أو شهراً أو يوماً الله أعلم بها لم يأتِ خبر صحيح في تفصيلها، قال الله جل وعلا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} أي: حُشر العباد، وجيء بالأشهاد، وكان يوم التناد، قال الله جل وعلا: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} والنعت الأول غير النعت الثاني، فقول الله جل وعلا: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)} هذا وصف ليوم البعث لأهواله، بصرف النظر عن أهله, انفكاكاً عن أهله, فذلك اليوم تنصب فيه الموازين, وتقام فيه البراهين، وتتطاير فيه الصحف، ويكون فيه الصراط, أهوال عظام وخطوب جسام يشيب لها الغلمان، هذا شيء، والحديث عن وقع ذلك اليوم على الكفار شيء آخر، قال الله جل وعلا: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)}، ومن مفهوم المخالفة أن الله جل وعلا ييسره على أهل طاعته، وقد قال ربنا في سورة مريم: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (86)}، هنا قال ربنا جل ذكره: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} يرون فيه مما لا طاقة لهم به {جَزَاء وِفَاقاً} (النبأ:26)، نكالاً من الله لما كان منهم من كفر وشرك بربهم تبارك وتعالى في الدنيا...
ثم قال تباركت أسماؤه: {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)} قال أهل العلم: لا يُعلم أن الله جل وعلا ذم أحداً من البشر كما ذم الوليد بن المغيرة, لا يُعلم أن الله عاب وذم أحداً من البشر كما ذم الوليد بن المغيرة، قال ربنا هنا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)}، وقال جل وعلا في سورة القلم: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} وهذ كله في وصف الوليد، هذا الرجل أدرك البعثة النبوية وهو شيخ كبير قد ساد على قومه، وتكاد الرئاسة في ذلك المجتمع الجاهلي أن تنتهي إليه، فلما سمع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أول الأمر قول إنصاف: "إن عليه لطلاوة وإن له لحلاوة"، فخافت قريش أن يقبل الوليد بخبر ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، فتآمروا عليه - شأن قرناء السوء - حتى يغيروا من موقفه ويبدلوا من كلامه، فقبل صنيعهم ورغب في العز الزائل الذي كان يعيشه، فقال ربنا جل وعلا هنا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)}، ولا خلاف بين علماء العربيه على أن {وَحِيداً} هنا حال قطعاً، لكن الخلاف: هي حالٌ ممن؟ حال من التاء في {خَلَقْتُ}؟ أم حال من المفعول به وهو الوليد؟:
// فإن قدرنا على أنها حال من التاء في {خَلَقْتُ} أي أن صاحب الحال هو الفاعل فيصبح المعنى: أن الله جل وعلا يقول: أنا خلقت هذا العبد وحيداً، أي لم يشاركني في خلقه أحد، وما دام لم يشاركني في خلقه أحد فلا حاجة لي وأنا رب العالمين أن أستعين بأحد أستنصر به على الوليد، فـ{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)} كما خلقته لوحدي أنا أهلكه وأحرقه لوحدي، ولا حاجة لي بنصير,
// وعلى القول بأن {وَحِيداً} حال من المفعول به أي من الوليد يصبح المعنى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)}:
· أي خلقته إما {وَحِيداً} جنيناً منفرداً في بطن أمه,
· وإما {وَحِيداً} بمعنى: لم يكن له عز ولا جاه ولا سلطان ثم أغدقت عليه العطايا،
· أو {خَلَقْتُ وَحِيداً} أي: جعلته منفرداً عن قومه، له من المال والبنين والعز والسلطان ما ليس لغيره،
والآية تحتمل هذا كله، ولا تعارض بين هذه المعاني الثلاثة، فحسن أن يحمل المعنى عليها كلها، والعلم عند الله...
{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12)} كانت له أموال من مكة إلى الطائف, {وَبَنِينَ شُهُوداً (13)} كان له عشرة أبناء، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمار, خالد ثبتٌ إسلامه واختُلف في أخويه، والبقية منهم من أدرك البعثة ومنهم من لم يدركها لكنهم لم يؤمن منهم أحد، {وَبَنِينَ شُهُوداً (13)} كثرتهم تُغني عن اجتماعهم، فإن غاب منهم طائفة حضر الآخرون، في زمن وعهد كان الغلبة فيه لأهل المال والبنين، فقال الله جل وعلا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14)} أي: هيأت له أسباب الرياسة وطرائق الكياسة، لكنه وقر في قلبه معاندة آيات الله...
قال الله جل وعلا: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ} ما زال يؤمل، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)}، قال ربنا جل وعلا وهو أحكم الحاكمين: {كَلَّا}، ثم بين السبب أنه سيحرم الوليد الزيادة قال: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16)}، هذا القرآن فيصل حاكمٌ على كل أحد، من لان قلبه للقرآن واستكانت نفسه لما فيه من أوامر ونواهي فما أسعده برحمة الله جل وعلا له، ومن وقف معانداً لآيات الله لا يقبلها ولا يرى في قلبه أثراً لها عليه فما أشقاه بعذاب الله جل وعلا ونقمته، قال أصدق القائلين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} (فصلت: 41- 43)، وشتان ما بين قلب يرجف إذا قُريء عليه القرآن ويجل، وجلود تقشعر وعيون تذرف, وبين قلوب لا تعبأ أياً ما سمعت من القرآن أعاذنا الله وإياكم من ذلكم الحال... قال ربنا: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (16)} ثم قال: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17)} مشقة وصعاب لا طاقة له بها يراها في جهنم...
ثم نعته جل وعلا وأخبر عن حاله في آيات تصف الظاهر والباطن، قال ربنا: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)}، قال بعدها: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)}، الأولى {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} هذه مدح، أما قول الله: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)} هذه ذم, المدح الأول أنه فقه أن هذا القرآن عظيم، ووقع في قلبه أن هذا القرآن ليس من الكهانة ولا من الشعر في شيء، فبلغ فيه منزلة عظيمة في الرؤية، لكنه ما طبع عليه في الكفر حاد به، فقال الله جل وعلا بعدها: {ثُمَّ قُتِلَ} أي: لُعن، لُعن {كَيْفَ قَدَّرَ (20)} كيف انقلب ما قدره وغير ما فكر فيه وما ارتآه وما نجم عن قوله قال ربنا: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)} أي تأمل في القرآن، قال ربنا بعدها: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} العبوس: هو قطوب الوجه من ضيق في الصدر، والبسر في لغة العرب هو استعجال الشيء قبل أوانه، ويقال للتمر إذا أُدرك أنه بسر، قال ربنا جل وعلا في سورة القيامة: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ(24)تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)}فهي إلى الآن لم يفعل بها فاقرة، لكنها باسرة لأن الشيء جاءها قبل أوانه، فهي قبل أن تدخل النار عياذاً بالله لقيت أذى النار، فلهذا قال الله جل وعلا: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)}، هنا قال الله جل وعلا: {ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} أي: قطب وجهه وغير حاله قبل أوانه قبل وقته، قبل أن يتكلم ظهر ذلك على محياه ظهر ذلك على وجهه....
{ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)}، {أَدْبَرَ} عن الحق، {وَاسْتَكْبَرَ} عن الإيمان، قال: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)} والاستكبار عن دين الله جل وعلا هو سبب الهلاك الأول، وأول أصول الخطايا على الإطلاق، قال الله جل وعلا: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} (النساء:172)، إن الله جل وعلا كُنه عبوديته في انكسار القلب له، ولو أن أحداً صلى وصام وتصدق وقام وليس في قلبه انكسار لربه فما كأنه صلى ولا صام ولا عرف الله طرفة عين، إنما العبودية الحقة انكسار القلب لرب العزة والجلال، أن تعلم أنك عبد وأن الله رب, وأنك مخلوق وأن الله خالق, وأنك مرزوق وأن الله رازق, وأنك مدبَّر وأن الله جل وعلا هو من يدبِّر الأمر، وأنه لا حول لك ولا قوة ولا لغيرك إلا بالله العلي العظيم، هذا كله أعرض عنه الوليد، قال الله: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)}....
ثم أخذ ينطق في محفل ينتظر كلامه {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)}، ينقله خلفٌ عن سلف، وجيلٌ عن جيل، لكن هذا القول لم يُقنع الملأ من قريش {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)}، يريدون منه التعبير بوضوح لا أن يلتف عليهم بالكذب، فقال: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} فتأمل عظيم الافتراء، جعل كلام الله مثل كلام الناس سواء بسواء، وأين كلام العباد من كلام رب العباد جل جلاله، قال الله جل وعلا عنه: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)}،فجاء بفرية عظمى وخطيئة كبرى، فقال الله جل وعلا بعدها: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)}، توعده الله جل وعلا بالنار، وهي الخسران الأكبر والخزي الأعظم، أجارنا الله وإياكم منها...
قال ربنا: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} كلمة {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} تحتمل معنيين وفق الصناعة اللغوية:
// إن كانت مأخوذة من الفعل (لاح) بمعنى: ظهر فيصبح المعنى {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي أن جهنم تظهر للبشر وتبين قبل أن يصلوا، إليها فيكون {الْبَشَر} عاماً أُريد به الخاص، وهم من كتب الله عليهم الدخول في النار، فيصبح {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: ظاهرة بارزة لهم، أي للناس لأهل النار قبل أن يصلوا إليها...
// وإن كانت {لَوَّاحَةٌ} بمعنى مُغيرة فيصبح {الْبَشَر} ليست بمعنى الناس، وإنما {الْبَشَر} هنا جمع (بشرة) وهو الجلد، فيصبح المعنى {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي مُغيرة للون البشرة بما تؤثره في جلود الناس من حرق ونكال، أعاذنا الله وإياكم من ذلك...
{لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} ثم قال رب العالمين: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} أي: لها خزنة تسعة عشر، فُتن المشركون القرشيون المشركون بهذا، وأخذوا يتهكمون بالعدد، والعدد أن على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ} مذكور في التوراة، ومذكور في الإنجيل، ومذكور في القرآن , فلهذا قال الله جل وعلا بعدها وأخبر عن عدم ارتياب المؤمنين وعدم ارتياب أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب يقرأون في التوراة والأنجيل يهوداً ونصارى أن على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ}،وكذلك في القرآن، والأصل قبل التحريف في التوراة والإنجيل أنها كلها كتب منزلة من السماء، كتب سماوية، وأما كفار قريش فأخذوا يتهكمون بالعدد، وتجاهلوا أونسوا أو تناسوا أن الله جل وعلا أوكل بخلقه كلهم جناً وإنساً ملكاً واحداً يقبض أرواحهم، فإذا كان الذي يقبض الأرواح واحداً فعقلياً من باب أولى أن الأمر أهون إذا كان على جهنم {تِسْعَةَ عَشَرَ}، لكن المقصود من هذا كله أن الله جل وعلا آتى ملك الموت القدرة على أن يقبض أرواح العباد جميعاً، وأعطى التسعة عشر القدرة على أن يكونوا خزنة لجهنم، قال ربنا: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)}...
بعد أن ذكر الله جل وعلا الارتياب كله قال: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)} هذه {كَلَّا} اختُلف فيها اختلافاً كثيراً، والأظهر عندي أنها هنا بمعنى الاستفتاح، وإن كان البصريون من النحاة لا يرون لها معنى إلا الردع والزجر، لكن ليس هناك ما يُردع ويُزجر قبلها فتُحمل على الاستفتاح أولى، والمقصود قال ربنا جل وعلا: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)} فأقسم الله جل وعلا بالقمر، والقمر آية ممحوة؛ لأن الله جل وعلا قال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (الإسراء: 12)، فسمى الله القمرآية ممحوة، لكن استقر عند الناس عبر القرون كلها أن القمر يُضرب به المثل في الجمال، وفي حديث الرؤية: "كما ترون القمر ليلة البدر"، والمقصود أنه لا يشعر أحد من أهل الجنة بمضامة في رؤيتهم لربهم تبارك وتعالى، أقسم الله جل وعلا بالقمر وقلنا إنه آية ممحوة، هذه الآية العظيمة - أي القمر - لما ضرب الناس بها المثل في الجمال كتب الله عليها الخسوف، ولما فُتن أقوام بالشمس كتب الله عليها الكسوف، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان نور النبوة يتلألأ من وجهه، ومع ذلك شُج رأسه، وكُسرت رباعيته، ودخلت حدائد المغفر في وجنتيه، وسال الدم على وجهه في يوم أُحد، وعلي وفاطمة يمسحان الدم عن وجهه الطاهر الشريف صلوات الله وسلامه عليه، لم وقع هذا؟ حتى يعلم كل أحد أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول هو وجه الله جل وعلا العلي الأعلي: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن:26-27)، {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص:88)، فمحمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق لكنه بشر، محمد بن عبد الله أفضل الرسل لكنه عبد، محمد بن عبدالله أكمل الطائعين، لكنه مرزوق ليس برازق، والله جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى:11)، والقمر اتخذه الصحابة في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم، قال جابر بن سمرة: "خرجت في ليلة أضحيان" أي: ليلة القمر فيها مكتمل، "فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه حُلة حمراء فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهو عندي أجمل من القمر" صلوات الله وسلامه عليه، ولعله استطراداً نقول أن من نعته عليه الصلاة والسلام من الصحابة قال من حيث الجملة أنه كان سبط الشعر بمعنى أن شعره لم يكن مسترسلاً ولا ناعماً، في جبينه عرق يدره الغضب، إذا غضب في ذات الله يمتليء هذا العرق دماً، أزج الحواجب من غير قرن، أي أن حاجبيه دقيقان غير ملتصقين، أشم الأنف كث اللحية, كبير الفم, الشيب فيه ندرة, شيب في صدغه الأيمن، وشيب في صدغه الأيسر، وشيب في شعره، وأكثر شيبه هاهنا في عنفقته أسفل شفته السفلى، صلوات الله وسلامه عليه, كأن عنقه إبريق فضة, من وهدة نحره إلى سرته شعر ممتد على هيئة خيط، عاري الصدر والبطن من سوى ذلك، بعيد ما بين المنكبين, ما بين كتفيه من الخلف شعيرات سود اجتمع بعضهن إلى بعض، كأنهن بيضة حمامة، سواء البطن والصدر, ضخم الكراديس أي عظام المفاصل, إذا مشى يمشي يتكفأ تكفؤاً كأنما ينحدر من مكان عال، إذا أشار أشار بيده كلها، إذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: "سبحان الله"، وفي رواية صحيحة عند البخاري في الأدب المفرد أنه إذا تعجب من شيء عض على شفيته صلوات الله وسلامه عليه، بينه وبين أمته - ونحن من أمته – موعد، قال عليه الصلاة والسلام: "والموعد الحوض"، وهو متقدم أمته عند الحوض، فالسعيد من هذه الأمة من يلقى النبي صلى الله عليه وسلم عند الحوض، وينال هذه المنزلة من أحبه وآمن بالتوحيد العظيم الذي جاء به، وسلك مسلكه وهديه، واتبع أمره واجتنب نهيه، قال الله جل وعلا: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} (التوبة:100)، ذكر الله ثلاث طوائف قال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} فلا أنا ولا أنتم من المهاجرين، وقال: {وَالأَنصَارِ} أي: والسابقون الأولون من الأنصار، ولا أنا ولا أنتم من الأنصار، فلم يبقَ إلا واحدة قال جل وعلا: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}، فلم يبقَ إلا اتباع هديه صلوات الله وسلامه عليه، هذا به ينال الإنسان برحمه الله أن يُسقى من حوض رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالحوض هو الموعد بينه وبين أمته صلوات الله وسلامه عليه...
قال الله جل وعلا: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)} أقسم الله بالليل حال أفوله وذهابه، ولهذا قال بعدها: {وَالصُّبْحِ}،وقد فضل الله الليل على النهار من حيث الجملة، وجعل الله جل وعلا الليل مطيةً لعملٍ صالحٍ مبارك هو قيام الليل، ولما ذكر الله لوطاً وبنتيه قال: {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} (القمر:34)، ولما ذكر موسى وقومه قال: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} (الدخان:23)، ولما ذكر خير خلقه وصفوة رسله قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء:1)، فالليل من حيث الجملة أفضل من النهار، وإن كان لله عملٌ في النهار لا يقبله في الليل، وعملٌ في الليل لا يقبله في النهار، إلا أن الإنسان الموفق من كان له حظ من قيام الليل، شرف الوقوف بين يدي الله في الصلاة شرف لا يؤتاه كل أحد، لا يناله إلا من أحبه الله، فإن الناس من حيث الجملة يتقلبون على فراشهم، فإذا قاموا تختلف مصادرهم، فكلٌ يتوجه إلى ما يحب، مما يغلب على الظن أنه سيملأ به ليله ويطرد به السآمة والملل عن نفسه، الذين يحبهم الله يرزقهم في قلوبهم أن يأتوا أماكن وضوئهم فيتوضأوا ثم يقفوا بين يدي ربهم جل وعلا، والله لو لم يكن الله يحبهم لما شرفهم بأن يقوموا بين يديه، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يُطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر" ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة:16-17)، فكون الله جل وعلا هنا في هذه السورة المباركة يُقسم بالليل فهذا يجب أن يتدبره المؤمن تدبر عاقل، ويعلم أنه ما أقسم الله به في الأصل إلا لأنه عظيم، فيبحث ويقرأ ويتدبر كيف كان ليلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم المؤمنين عائشة تقول فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه ساجداً سمعته يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"... ثم أقسم جل وعلا بالصبح قال وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (36) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)}....
ثم ذكر جل وعلا لفظ عموم هو {كُلُّ} فقال ربنا: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)}، لا خلاف أن {كُلّ} هنا من ألفاظ العموم، لكن اختُلف في معنى قول الله جل وعلا: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} هذا إسمٌ وليس صفة؛ لأن العرب وزن (فعيل) يستوي فيه المذكر والمؤنث فلا تؤنثه، ومعنى الآية: كل أحد مرهون بعمله، محبوس بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم جاء الاستثناء: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، واختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ{أَصْحَاب الْيَمِينِ} على أقوال عدة، أظهرها - والعلم عند الله - أن المقصود بـ{أَصْحَاب الْيَمِينِ} هنا هم أطفال المسلمين الذين يموتون صغاراً، فمن مات دون البلوغ من أطفال المسلمين فهذا لم يجرِ عليه قلم التكليف، وما دام لم يجرِ عليه قلم التكليف ووالده مسلم يُلحق بأبيه، فإذا مات قبل البلوغ أصبح من أصحاب اليمين، ولا يكون من المقربين لأنه لا عمل له، ولا يدخل النار لأنه مات قبل أن يجري عليه قلم التكليف، ولا يصبح مرتهناً بعمله، ولهذا قال الله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)}، فقول الله هنا: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)} ليسوا هم من عناهم الله في الواقعة يوم قال: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} (الواقعة:27-28)، فهولاء من مات بعد التكليف ممن لم يصل إلى درجة المقربين، أما هؤلاء في سورة المدثر فإنه من مات قبل البلوغ من أطفال المسلمين، ولهذا عندما يبصرون أهل النار لا يدرون لأي سبب دخل أهل النار النار؛ لأن أكثرهم مات صغيراً، قال الله جل وعلا: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)}، فيأتي الجواب: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)}، فذكر الله جل وعلا بعض خصال أهل النار المنتهية بالشرك، وانظر إلى دقة القرآن وبلاغته، قال الله: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} أي: ماتوا على الكفر؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبل البعثة لم يكونوا يؤمنون بيوم الدين، لكنهم ما ماتوا على هذا، بل أنعم الله عليهم بالإيمان فأصبحوا أكمل جيل وخير رعيل لكن هنا قال الله جل وعلا: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)}....
ثم قال ربنا: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)}، وما نفاه الله جل وعلا هنا نفاه في الشعراء: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100)وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء:100-101)، لكن هذا النفي نفي شبه كلي وليس نفياً جزئياً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن شفاعته في عمه أبي طالب تُقبل، لكنها لا تصل إلى الحد أن يخرج أبو طالب من النار إلى الجنة؛ لأن الله حرم الجنة على أهل الكفر، ومن مات مشركاً فهو مخلدٌ في النار: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} (المائدة:72)، كما أنه لا يخلد في النار موحد على الصحيح، هنا قال الله جل وعلا: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)} أي: نفى الله عنهم أن تنفعهم شفاعة أحد يوم القيامة، اللهم إلا ما ذكرنا من أن أبا طالب تنفعه جزئياً شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم...
ثم قال الله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)} ما جاءت به من الحق وما دعوتهم له من الذكرى لأي سبب هم معرضون عنه، {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50)} قرأت بالفتح والكسر (مُستنفَرة) و{مُّسْتَنفِرة}:
// فعلى القول بأنها (مُستنفَرة) هذا واضح، أي: الرُعاة أو القائم عليها يأمرها بأن تنفر،
// أما على الكسر على أنها إسم فاعل يصبح المعنى أنه يستنفر بعضها بعضاً من شدة ما ترى من الهول...
{فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)} قيل {قَسْوَرَة}: الأسد، وقيل: الراعي، وقيل: الصياد، وقيل غير ذلك، والمقصود من يريد أن يجليها من مكانها ويذهب بها عن ديارها، {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)}...
ثم ذكر الله الكبِر الذي كان عليه الجاهليون قال: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52)} أي: لا يقبلون بهذا القرآن، إنما يريد كل أحدٍ منهم أن يُرزق صحفاً يقرؤها، وقول الله جل وعلا: {مُّنَشَّرَةً} أي: مفتوحة، فهم من الكبِر الذي في قلوبهم لا يقبلون فقط أن تتلو عليهم القرآن وأن تقرأ عليهم كلامنا, إنما يريدون صحفاً مفتوحة تُقرأ عليهم حتى لا يتكلفوا أن ينشروها ويفتوحها بأنفسهم، وهذا إظهار لعظيم الكِبر الذي كان في قلوبهم، {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52)}....
ثم قال الله: {كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)} وهذا إضرابٌ انتقالي إنكاري في آن واحد, إضراب انتقالي لأن فيه نقلة في الحديث, وإنكاري أي إنكارٌ لما هم عليه من قبل، وهذا كثير في القرآن، وكثير في سورة ص، قال الله جل وعلا: {كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)}، إن المؤمن لا يُخوف بشيء أعظم من لقاء الله، ولما أثنى الله جل وعلا على الصالحين من رسله قال جل وعلا: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} (ص:45-46)، فبين جل وعلا أن ذكراهم للدار وخوفهم من لقاء الله هو الخالصة العظمى والخصيصة الكبرى التي آتاهم الله جل وعلا إياها، والناس من حيث الجملة كلهم مؤمنون بأنهم سيلقون الله، لكن قل من يردعه عمله ومن تردعه نفسه من الخوف من لقاء الله جل وعلا, فالجارة عندما تظلم جارتها، والأخت عندما تضرب أختها، والشاب عندما يتعرض للفتاة، ومن يتعرض لأعراض المسلمين غلماناً أو فتيات، ومن يأكل أموال الناس، ومن يرتشي، ومن يأكل الربا، كل هؤلاء يعلمون أن ما يصنعونه محرماً، فهم لم يؤتوا من قبل الفقه, يعرفون أحكام الحلال والحرام، لكن لم يقر في قلوبهم عظمة الملك العلام جل جلاله، ولم يقع في قلوبهم أن لقاء الله حق، وأنه ما من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر إلى أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر إلى أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار تلقاء وجهه، قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث عدي بن حاتم: "فاتقوا النار ولو بشق تمرة"، إن المؤمن الحق يُخوف بلقاء الله، فعندما تدفعه نفسه للمعصية بأن ينتهك عرضاً، أو يأكل مالاً، أو يظلم جاراً، أو يغتاب مسلماً؛ قبل أن يتفوه يتذكر ما الذي سيعذره أمام ربه؟ من الذي سيحتج له عند الله؟ من الذي سيحمل خطاياه عند الله تبارك وتعالى؟ كل ذلك مفقود غير موجود إلا أن يرحمك الله، فهذا كله إيمان بلقاء الرب تبارك وتعالى، والله جل وعلا جعل الخوف منه أعظم مناقب الصالحين وأجل العطايا منه جل وعلا لمن اصطفاهم من عباده المقربين، قال ربنا: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن:46)، وقال ربنا تبارك اسمه وجل ثناؤه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:40-41)، والمقصود أن تذكر الآخرة أعظم ما اختص الله به عباده الصالحين، قال الله جل وعلا هنا عن أهل الإشراك - وهم على الضد - قال:{كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)}...
ثم قال: {كَلَّا إِنَّهُ} أي: القرآن {تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)}، ثم قيد مشيئتهم بمشيئته تبارك اسمه وجل ثناؤه، قال: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)} والقرآن كتاب أنزله الله على خير خلقه, حبل الله المتين وصراطه المبين, من استمسك به نجا، يُقام به في الأسحار, ويُجاهد به الكفار, يُقدم أهله في كل مكان وزمان، قال الله جل وعلا: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)}، ثم قال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه} فلا يُمكن أن يهتدي أحد إلا إذا أذن الله، ومن ضل من العباد ضل بخذلان الله جل وعلا له، فهذا معنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)، فمن أدرك هذا وتأمله وتدبره لجأ بقلبه إلى الله، وعلم أنه لا أحد يكلؤه من ربه، وأن مقاليد كل شيء بيده سبحانه وتعالى، فيُرزق بهذا الخوف، قالوا عن أحد الصالحين إنه كان في معشر له في سفر، فأتوا أجمة أي غابة شجر مُلتصق، فلما أخرجوا متاعهم وفرشوا ما يجلسون عليه قام أحدهم يصلي، فبينما صاحبهم يصلي إذ سمعو زئير أسد في الغابة، فتفرق الأصحاب والرفقاء كلٌّ ينجوا بنفسه، ومن كان يصلي بقي على حاله، فلما بقي على حاله قالوا إن الأسد جاء فجال جولة ثم عاد من حيث أتى، فلما اطمأن الصحبُ على أن الخطر زال والأسد ولى عادوا، فوجدوا صاحبهم كما هو قائم يصلي، فقالوا له: أما خفت الأسد؟ قال: والله إني لأستحيي من الله أن أخشى أحداً غيره وأنا بين يديه, ولو كل أحد سولت له نفسه أن يعصي الله تذكر ذل الفضيحة يوم العرض على الله لمنعه ذلك من أن يعصي الله جل وعلا، فإن وقعت منك معصية - وكلنا وأنا أولكم ذو خطأ - فإنه لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه, والتوبة وظيفة العمر ودأب عباد الله الصالحين {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة:114)، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} (هود:75)، فيؤوب إلى ربه ويرجع إلى مولاه، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)}، وحذاق العربية يرون أن الله لم يقل: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَالْمَغْفِرَةِ)، فقال: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} ثم عطف وأعاد قال: {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}،والمعنى: أن الله أهلٌ لأن يُتقى، وهذا لزاماً على كل أحد أن يتقي الله، لكن {أَهْل} الأخرى ليست كـ{أَهْل} الأولى، فليس لزاماً على الله أن يغفر لكل أحد؛ لأن هذا داخلٌ تحت مشيئته تبارك اسمه وجل ثناؤه...
أيها المباركون هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول تدارس هذه السورة المباركة سورة المدثر، نسأل الله لنا ولكم التوفيق، كما نسأله جل وعلا أن يعيننا على طاعته إن ربي لسميع الدعاء، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين....
(( انتهت المحاضــــرة ))
:
جزى الله عنا فضيلة الشيخ صالح المغامسي خير الجزاء
و حفظه من كل سوء و مكــروه و نفع به و بعلمه
و زاده من واسع فضله ..
:
،، دعـــواتكم ،،
جزى الله عنا فضيلة الشيخ صالح المغامسي خير الجزاء
و حفظه من كل سوء و مكــروه و نفع به و بعلمه
و زاده من واسع فضله ..
:
،، دعـــواتكم ،،

