إعلانات المنتدى


حوار القرآن مع نصارى نجران

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

نور مشرق

مراقبة قديرة سابقة وعضو شرف
عضو شرف
22 يوليو 2008
16,039
146
63
الجنس
أنثى
علم البلد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حوار القرآن مع نصارى نجران


اذا تأملنا القرآن الكريم وجدناه قد جعل الحوار سبيلاً لكل قضاياه، وجعل خلافه مع أعدائه ومخالفيه قائماً على الحوار، ولم يجعل القوة سبيلاً إلى التعامل مع المخالفين، وإنما جعلها عقوبة للمصرّين على الباطل بعد ظهور الحق(1).

قصة وفد نصارى نجران:
قال ابن إسحق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم:
العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبدالمسيح.
والسيد لهم ثِمَالُهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم.

وأبوحارثة بن علقمة أسقفهم، وحَبرهم، وإمامهم، وصاحب مِدْراسِهِم.

وكان أبوحارثة قد شرف فيهم ودَرَسَ كتبهم حتى حسن علمه في دينهم؛ فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدَمُوه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران جلس أبوحارثة على بغلةٍ له موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جانبه أخٌ له يقال له كوز بن علقمة، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد (يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال له أبوحارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخي؟! قال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر. فقال كوز: وما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟! قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم (أي الروم)؛ شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.

فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث، فيما بلغني (أي ابن إسحق).

ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحِبَرَات: جُبَبٌ وأردية في جَمال رجال بني الحارث بن كعب، قال بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا وفداً مثلهم، فلما حانت صلاتهم، قاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلُّون، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعوهم". فصلُّوا إلى المشرق.

فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبوحارثة بن علقمة، والعاقب عبدالمسيح، والأيهم السيد، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلافٍ من أمرهم. يقولون: هو الله (يقصد عيسى عليه السلام)، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة. وكذلك قول النصرانية؛ فهم يحتجون في قولهم: "هو الله " بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائراً. وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى، وليجعله آية للناس.

ويحتجون في قولهم: "إنه ولد الله"بأنه لم يكن له أب يُعلم، وقد تكلم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.

ويحتجون في قولهم: "إنه ثالث ثلاثة" بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا.. فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا: فعلتُ، وقضيتُ، وأمرتُ، وخلقتُ.. ولكنه هو وعيسى ومريم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن.

فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسْلِما". قالا: قد أسلمنا. قال: "إنكما لم تسلما". قالا: بلى أسلمنا قبلك. فقال: "كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنهما صلى الله عليه وسلم، فلم ُيجبْهما، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.

حوار القرآن الكريم معهم:
وهذه القصة فيها من أجمل وأروع طرق الحوار؛ لأن القرآن الكريم استخدم معهم أساليب شتى لإقناعهم؛ فتارة يناقشهم بالحجج العقلية والمنطقية، فعيسى عليه السلام بشر قد صُوِّر في الأرحام كما صُوِّر غيره من البشر؛ فكيف يكون إلهاً من هو على تلك الحال؟!
والحجة الثانية أن عيسى عليه السلام إن كان يقدر على إحياء الموتى وإبراء الأسقام وأن يخلق من الطين كهيئة الطير؛ فهذا كله بأمر الله؛ بدليل أنه لا يقدر على أمور كونية أخرى كإيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، ورزق البشر وغيرها من الأمور التي لا يملكها إلا الله، فهذا دليل قاطع أنه ليس بإله.

كما حاورهم باستخدام القياس؛ فعيسى عليه السلام مثله كمثل آدم عليه السلام؛ كلاهما خُلق من غير أب: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59].

ثم حاورهم بأسلوب جديد قيل إنه كان من طرق المُناصفة عند النصارى، وهو المباهلة: أي أن يجتمع الطرفان ويدعو كلٌّ منهما بالهلاك والعذاب على الطرف الكاذب، لكنهم رفضوا هذه الطريقة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وكذبهم.

ثم طالبهم بالحوار الذي يقوم على القواعد المنطقية، كما أمرهم ألاّ يُجادلوا بغير علم: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [آل عمران:66].

وقد ابتدأت السورة -سورة آل عمران- بقوله تعالى: {الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آية:2]. فهو سبحانه الحي الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصُلب في قولهم، والقيوم: القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى -في قولهم- عن مكانه الذي كان به، وذهب به إلى غيره.

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آية:3]؛ أي: بالصدق فيما اختلفوا فيه {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [آية:3]: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، كما نزّل الكتب على من كان قبله {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آية:4]؛ أي: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه السلام وغيره {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آية:4]؛ أي: إن الله منتقم ممّن كفر بآيات الله بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها {إِنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [آية:5]؛ أي: قد يعلم ما يريدون وما يكيدون وما يُضاهون بقولهم في عيسى عليه السلام؛ إذ جعلوه إلهاً وربّاً، وعندهم من علمهم غير ذلك؛ كفراً منهم بالله تعالى(2).

وما أعظم هذا الحوار الذي يُناقشهم بالحجة والمنطق، ويأتيهم بالأدلة والبراهين، الواحد تلو الآخر، لكنهم استمروا في عنادهم ومكابرتهم فأُمر النبي ص أن يستخدم معهم أسلوب القوة والحزم ليعلموا أن النبي
ص لا يُداهن ولن يترك ما هو عليه؛ فلا مجاملة في الحق، بل هو الحزم والقول الفصل: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آية:20].

وضمير الجمع في قوله: {حَاجُّوكَ} عائد إلى غير مذكور في الكلام، لكنه معلوم من المقام وهو قضية وفد نجران؛ فإنهم الذين اهتموا بالمحاجة حينئذ، وأما المشركون فقد تباعد ما بينهم وبين النبي ص بعد الهجرة، فانقطعت مُحاجَّتُهم، وأما اليهود فقد تظاهروا بمُسالمة المسلمين في المدينة(3).

والمراد بالفعل: {حَاجُّوكَ} الاستمرار في المُحاجَّة؛ أي: فإن خاصموك خصام مكابرة واستمروا على مُحاجَّتهم؛ فقل لهم قولاً فصلاً جامعاً للفرق بين دينك الذي أُرسلت به، وبين ما هم مُعتقدون به(4).

ثم أُمر ص بقوله تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} [آية:20]. وجيء بصيغة الماضي: {أَأَسْلَمْتُمْ} دون أن يقول: (أتسلمون) على خلاف مقتضى الظاهر؛ للتنبيه على أنه يرجو تحقق إسلامهم؛ حتى يكون كالحاصل في الماضي(5).

فالحوار معهم ليس الغرض منه إثبات بطلان حجتهم فحسب، بل الغرض الأسمى من هذا الحوار الطويل هو دخولهم في الإسلام، بل إن هذا الرجاء ليعظم حتى يتحول الفعل من صيغة المضارع إلى صيغة الماضي {أَأَسْلَمْتُمْ}، وكأنه قد حصل وتَمَّ؛ وذلك لقوة رغبته ص في إسلامهم وهدايتهم، وليُعلِّم القرآن الأمة المحمدية أنَّ حوارنا مع أهل الكتاب ومع البشرية جمعاء هدفه الأسمى هو إنقاذهم من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله.

ثم انتقل مرة أخرى إلى جدالهم بالمنطق في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الآيتان: 26-27].

فالله سبحانه هو القادر على هذه الأمور لا يصنعها إلا هو، فإن كان بقدرته وحكمته وهب لعيسى عليه السلام القدرة على إحياء الموتى وإبراء الأسقام والخلق من الطين طيراً والإخبار عن الغيوب؛ فذلك ليجعله آية للناس وتصديقاً له في نبوته التي بعثه بها إلى قومه.

وله سبحانه وتعالى من السلطان ما لم يمكن منه عيسى عليه السلام؛ كتمليك الملوك وأمر النبوة التي يضعها حيث يشاء، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي، ورزق من يشاء من بَرٍّ وفاجر بغير حساب؛ فكل ذلك لم يمكن منه عيسى عليه السلام ولم يملكه إياه، أفلم تكن لهم في ذلك عبرة وبينه أن لو كان إلهاً كان ذلك كلّه إليه؟!(6)

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: أتى رسولَ الله ص راهبا نجران، فقال أحدهما: من أبو عيسى؟! وكان رسول الله لا يَعْجل حتى يُؤَامـر ربه؛ فنزل عليه: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ . إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [الآيتان: 58- 59](7).

قال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله ص: مالك تشتم صاحبنا؟! قال: وما أقول؟! قالوا: تقول: إنه عبد. قال: أجل، إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟! إن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(8)، فاستخدم معهم أسلوب القياس؛ لأن عيسى وآدم كلاهما خُلق من غير أب.

ثم استخدم معهم أسلوباً آخر وهو المباهلة والملاعنة على الطرف الكاذب؛ ليحكموا على أنفسهم ويدعوا على أنفسهم إن كانوا كاذبين، وهذا أدعى إلى إقناع الآخر؛ لأنه هو الذي يحكم على نفسه بالصدق أو بالكذب، دون أن يرميهم ص بذلك: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَة الله عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آية:61]؛ أي: فإن استمروا على مُحاجَّتهم إياك مكابرةً في هذا الحق أو في شأن عيسى عليه السلام؛ فادعهم إلى المباهلة والملاعنة. والابتهال: مشتق من الَبَهْل وهو الدعاء باللعن، وُيطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً؛ لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه. والمراد هنا المعنى الأول(9).

ولما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً وعليّاً فقال: اللهم هؤلاء أهلي(10). وقيل إن هذه المباهلة من طرق التناصف عند النصارى، فدعاهم إليها النبي لإقامة الحجة عليهم(11). واستخدام هذه الطريقة في محاورتهم يدلُّ على حكمة النبي ص؛ فهو يُحاورهم بطرقهم وأساليبهم لتكون الحجة أدْعى عليهم.

وقال الزمخشري: فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا لتبيين الكاذب منه ومن الخصم، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟! قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه؛ حيث استجرأ على تعريض نفسه للّعن، ودليل على ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه، وحارب دونهم حتى يقتل؛ لذا كانوا يسوقون معهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب.

وقيل: إنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء ؛ لأنه لما ظهرت مكابرتهم في الحق وحب الدنيا، علم أن من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحب إليه من الحق كما قال شعيب عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الله} [هود:92](12).

وكان ردهم -بعد أن دعاهم النبي ص إلى المباهلة- أن قالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.
فانصرفوا عنه، ثم خَلَوا بالعاقب -وكان ذا رأيهم- فقالوا: يا عبدالمسيح، ماذا ترى؟! فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قومٌ نبيّاً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إِلْفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم؛ فوادِعوا الرجل، ثم انْصَرِفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نُلاعِنك وأن نترُكَك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أحوالنا؛ فإنكم عندنا رضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائتوني العشيَّة أبعث معكم القوي الأمين". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحبها، فرحتُ الظهر مُهجِّراً، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلَّم، ثم نظَرَ عن يمينه ويساره، فجعلتُ أتَطاولُ له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: "اُخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه". قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة(13).

وبعد كل هذا الحوار الطويل الذي كشف عن مكابرتهم للحق؛ عاد القرآن الكريم مرة أخرى إلى دعوتهم بالتلطُّف حرصاً على إيمانهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آية:64].
وخاطبهم بـ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}؛ هزّاً لهم في استماع ما يلقى إليهم، وتنبيهاً على أن من كان من أهل كتابٍ من الله ينبغي أن يتَّبع كلام الله. ولما قطعهم بالدلائل الواضحة فلم يُذعنوا، ودعاهم إلى المُباهلة فامتنعوا؛ عَدَل إلى نوعٍ من التلطُّف، وهو دعاؤهم إلى كلمة فيها إنصاف وعدل بينهم. والكلمة السواء هي ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. وفي هذا تعريض بالذين عبدوا المسيح.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)؛ أي: إن أعرَضوا بعد كل هذا البيان فأعْرِضوا عنهم وأمسِكوا أنتم بإسلامكم، والغرض من هذا الإشهاد ألا يظهر إعراض المسلمين عن الاستمرار في ُمحاجتهم في صورة العجز والتسليم بصحة ما عليه أهل الكتاب(14). وقيل: هذا مبالغة في المُباينة لهم؛ أي: إن كنتم مُتولِّين عن هذه الكلمة فإنا قابلون لها ومطيعون(15).

أما قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [آية:65]، فقد اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده؛ فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديّاً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيّاً. فأنزل الله هذه الآية(16).

ثم قال: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [آية:66]. فالذي لهم به علم هو دينهم الذي وجدوه في كتبهم وثبت عندهم صحته، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم عليه السلام ودينه؛ لأنه ليس موجوداً في كتبهم ولا أتَتْهم به أنبياؤهم ولا شاهدوه حتى يعلموه.

وقيل: الذي لهم به علم هو أمر محمد ؛ لأنهم وجدوا نعته في كتبهم ثم جادلوا بالباطل، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم.

ويحتمل أن يكون قوله: {لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي تدَّعون علمه، لا أنه وصفهم بالعلم حقيقة؛ فكيف يحاجون فيما لا علم لهم به ألبَتَّة(17)؟!

وهذا الأسلوب في الحوار يقوم على المنطق؛ فالقرآن الكريم يتعجب من طريقة تفكيرهم؛ لأنهم يُجادلون بالباطل فيما يدَّعون علمه وهو أمر النبي، فكيف يجادلون في أمورٍ لا يعلمونها وهو أمر إبراهيم عليه السلام، ثم ختم الحوار في هذا المقطع بقوله تعالى: {والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}؛ أي يعلم دين إبراهيم الذي حاججتم فيه وكيف حال الشرائع الموافقة والمخالفة وأنتم لا تعلمون ذلك. وهو تأكيد لما قبله من نفي العلم عنهم بشأن إبراهيم عليه السلام. وفي قوله: {والله يَعْلَمُ} استدعاء لهم أن يسمعوا، كما تقول لمن تخبره بشيء لا يعلمه: اسمع؛ فإني أعلم ما لا تعلم(18).

وقد دلَّت هذه الآية على المنع من الجدال لمن لا علم له، أما الجدال لمن علم وأيقن والاحتجاج للحق فهو جائز، بل مأمورٌ به لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125](19).


الكاتب - ابتهال محمد علي
 

مصطفى راضى

مراقب قدير سابق
7 مارس 2009
9,308
27
0
الجنس
ذكر
رد: حوار القرآن مع نصارى نجران

جزاك الله خيرا اختى الكريمة
ونفع الله بك
 

ابنةُ اليمِّ

مدير عام قديرة سابقة و عضو شرف
عضو شرف
26 مايو 2009
25,394
1,156
0
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: حوار القرآن مع نصارى نجران

جزاك الله خيرا مشرفتنا الفاضلة

موضوع شامل ورائع جعله الله فى ميزان حسناتك ودمت لنا
flash.gif
flash.gif
 

*رضا*

إداري قدير سابق وعضو شرف
عضو شرف
4 يونيو 2006
41,913
120
63
الجنس
ذكر
رد: حوار القرآن مع نصارى نجران

وعليكــــــــــم الســــــــــلام ورحمــة الله وبركـاتـــــــه
سبحان الله حوار بالحجة والمنطق والأدلة فيه لنا عبرة كبيرة..
أحسن الله اليكِ أختي نور وجعل هذا النقل الطيّب والشامل في ميزان حسناتك


 

المفرجي

مشرف سابق
13 نوفمبر 2007
2,689
10
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمود خليل الحصري
رد: حوار القرآن مع نصارى نجران

ما شاء الله
هذه هي المدرسة المحمدية التي تمتاز بالحوار والنصيحة واللين وان لم تنفع فالقوة لاعلاء كلمة الله
بارك الله فيك وفي الكاتبة
جزاكم الله خيرا
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع