- 22 يوليو 2008
- 16,039
- 146
- 63
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
بسم الله
النَّفسُ المطمئنَّة
سمي إيفا؛ وهكذا تُدعى إحدى النباتات الطبيَّة الَّتي تنمو في هذه البلاد. اختارت لي أُمِّي هذا الاسم: "اسمٌ جميلٌ لها؛ لأنَّه قصير".
ولدتُ عام (1978م)، الموافق (1398هـ)، في دولةٍ تُعتبر سياسيّاً غير موجودة: جمهوريَّة يوغسلافيا الاتحاديَّة الاشتراكيَّة. والَّتي انبثق عنها ستُّ جمهوريَّاتٍ صغيرة. فعلى أرض واحدةٍ منهنَّ وُلدت في (البوسنة)، ولكنِّي قضيت كلَّ حياتي على أرض جمهوريَّةٍ أخرى هي (صربيا). وهاتان الجمهوريَّتان تحاربتا؛ فعندما أتحدَّث عن طفولتي دائماً تنقسم هذه الفترة في قصَّتي إلى فترة ما قبل الحرب، وفترة استمرار الحرب؛ وبعدئذٍ كنت قد كبرت.
كانت طفولتي المبكرة سهلةً ودون هموم.. عندما كان لي من العمر ستُّ سنوات وُلدت أختي. وكان هذا هو الصيف الأخير الذي أقضيه كوحيدةٍ لأبويَّ في رحلةٍ إلى البحر، حيث كانت أمِّي في فترة راحةٍ عند جدتي بسبب الحمل. وحدث أن أبديت فضولاً اعتراني كثمرة لقاءٍ عفويٍّ مع بعض المتردِّدين على إحدى الكنائس الصَّغيرة في مكان إقامتنا، لأنَّهم كانوا يذكرونه -تعالى- فطرحت سؤالي صريحاً: "ما هو الإله، وهل هو موجود"؟!
لم يكن والداي يؤمنان بأنَّ الله تعالى موجود، وربَّياني وأختي على هذا الاعتقاد؛ فهما لا يمكنهما -وببساطة- التقبُّل بأنَّ أحد الناس يؤمن بذلك؛ ولذلك فإنَّ أبي كثيراً ما كان يضحك بصراحةٍ من المؤمنين: "إنَّهم مجانين لأنَّهم يؤمنون"! ومع ذلك وجَّهت له حينئذٍ -ونحن على شاطئ البحر- نفس السؤال: "ما هو الإله، وهل هو موجود"؟!
ولكن حدث في تلك الأيام أن كان سنِّي يؤلمني، فاستغلَّ أبي ظروف مرضي ناصحاً لي: "وجّهي دعائك للإله بأن يُخلِّصك من الألم؛ فإن اختفى الألم فإنَّ الإله موجود، وإن لم يختف فإنَّه غير موجود"! وأضاف: "فمن أجل علاج السنِّ نذهب إلى طبيب الأسنان". حينئذٍ، وفي تلك السنِّ الصغيرة، أطعتُه. ولكنَّ ألم سنِّي لم يختف بعد الدُّعاء؛ فكان هذا هو الجواب. وقد كانت المرَّة الأخيرة الَّتي أسأله فيها عن ذلك.
تعاقبت بعد ذلك السنوات الدِّراسيَّة، والانخراط في المجتمع. وممَّا كان يُميِّزني منذ طفولتي المبكرة والذي جعل لي فيما بعد -أثناء سنيِّ الدراسة- وضعاً اجتماعيَّاً مُميَّزاً بين أقراني أنَّني كنت أتَّصف بالصَّرامة والحرفيَّة والانضباط في تنفيذ ما أعتبره قراراً حياتيّاً واضحاً.
وبخصوص كلِّ شيءٍ كنت أحاول اتخاذ قرار ما، كنت فيما بعد أمارسه فعليّاً. وكانت النتائج دوماً متطرِّفة؛ فكانت نتيجة ذلك أنَّني كنت أنفصل تماماً عن أقراني حين كانت قراراتي تختلف عن قراراتهم، وعلى العكس من ذلك كنت أجد نفسي في طليعتهم، وكقائدةٍ للمجموعة -لا تُكسر لها شوكة- حين كانت قراراتي مقبولةً من قِبَلِ الأكثريَّة.
وبداية فترة مراهقتي كانت مع بداية الحرب.
جلبت الحرب على عائلتي عدم الاستقرار المالي، ولكنَّها لم تصبنا مباشرة. وعند نشوبها كنت في نهاية الصفِّ الثَّامن، ومع نهايتها كنت طالبةً في السَّنة الأولى في معهد الموسيقى..
الذكريات في تلك الفترة تبعث على الإحباط، ويبدو لي أنَّه يمكن وصف كلِّ تلك الفترة بوصف يومٍ واحد؛ لأنَّ كلَّ يومٍ كان كالذي سبقه أو الذي تلاه؛ لأنَّنا كنَّا محدودي الإمكانيَّات في كلِّ شيء. وفي تلك الفترة لم أطرح سؤالي مُجدَّداً، ولم أطرحه بعد ذلك على الإطلاق بتلك الصورة المباشرة؛ لأنِّي -وعند شاطئ البحر- حصلت على جواب سؤالي؛ فاتَّخذت قراري، ونفَّذته واقعيّاً بأفعالي..
وفي النِّهاية كان أحد تلك الأفعال بحثاً دراسيّاً؛ فقد كان عليَّ كتابة (نوتة) موسيقيَّة من اختياري، وكان لديَّ نيَّةٌ سيِّئةٌ حين اخترت نصّاً من الأغاني الشعبيَّة؛ فقد كان النصُّ عبارة عن دعاءٍ للإله، ولكنَّه في محتواه عاديٌّ وتافهٌ. فمع قليلٍ من التهكُّم والسُّخرية في اللحن، كنت أريد استغلاله بطريقةٍ سيِّئة لأضحك من المؤمنين. ولكنِّي لم أتوقع مُطْلقاً أنَّني في نهاية هذا العمل سأكون منهم! عندها كان لي من العمر (22) عاماً.
ما ذكرته سابقاً بخصوص واجبي الدِّراسيِّ ذاك، كانت فقط جهةً واحدةً لما كان يعتمل في داخلي؛ لأنَّه -ومع نيَّتي السيِّئة تلك- وبشكلٍ متوازٍ كان هناك شيء آخر يحصل في الاتجاه الآخر..كان مصدره تلقائيّاً وعن غير قصد، لقد تشكَّل بصمتٍ ومن خلال نظراتي تجاه ما كان أمامي من كلِّ شيء؛ في نظراتي لنفسي، وللآخرين، وللعالم من حولي. لكنِّي غالباً ما كنت أنظر لنفسي في مرآةٍ ناقدةٍ..
لم يكن يحدث شيءٌ من الأمور الحياتيَّة في تلك الفترة سوى الأمور الاعتياديَّة، لكنَّ أُمِّي لاحظت بأنَّ شيئاً يحدث لي، كنت أتغيَّر، فحاولت معرفة ما حصل لي.. لا أدري ما الذي كانت تظنُّه، لكنَّها كانت مقتنعة بأنِّي أُخفي شيئاً، وبأنَّه سرٌّ كبيرٌ متعبٌ أُخفيه عنها! فاستطعت إقناعها بأنَّ شيئاً "فظيعاً" لم يحدث لي؛ كلُّ ما في الأمر أنِّي بدأت أنظر إلى الأشياء برأسٍ منحرفةٍ للجانب محاولةً رؤية الأشياء من زاويةٍ أخرى؛ لأنِّي لم يكن يعجبني ما كان يحصل أمامي، ولم تكن تعجبني الأقنعة على وجوه النَّاس فكنت أحتقرها، كنت أريد خلع القناع عن نفسي..
كان هذا كلُّ ما في الأمر، وكان المُحفِّز لذلك بسيطاً، فقد رأيت الجنس البشريَّ من غير حولٍ ولا قوَّة في الحرب! لذلك بدأت بحثي عن السَّلام. وحينئذٍ خلعت قناعي وواجهت نفسي بحقائق كثيرة متقبِّلة بأنَّ الإله موجود، وبأنَّه أحد، وهو من يمنح السَّلام!
حين آمنت بوجود الإله سألت نفسي: بأيِّ طريقةٍ سوف أُطبِّق إيماني هذا واقعيّاً؟! ومرَّت أربع سنواتٍ للحصول على الإجابة الكاملة على هذا السؤال.. والجواب كان ينتظرني في القرآن الكريم.
قد يبدو ذكر ما سبق سهلاً للغاية، ولكن ما حدث فعلاً في تلك السنوات الأربع ليس سهلاً عليَّ سرده عليكم.
تزوَّجت في الثالثة والعشرين من عمري، وأنجبت ابناً.. زُفِفْتُ إلى شابٍّ مسلم.. كان عقد القِران مدنيّاً، ولم يكن إسلاميّاً؛ لأنَّ زوجي كان "كسولاً" فيما يخص دينه من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى أصرَّ أن يُسمِّي ابننا اسماً عربيّاً. أقولها –بقصد- عربيّاً، وليس إسلاميّاً! فاخترت لابني اسم (عِرْفَان).
حقّاً، لقد كان زوجي كسولاً! فرجائي المتكرِّر، وفضولي وإلحاحي لكي يذهب بصحبتي إلى الجامع لم يلق عنده أُذُناً صاغية؛ فلم يكن هو يذهب إلى الجامع، فَلِمَ أذهب أنا! ومع هذا فإنَّا تحدَّثنا عن الله تعالى، وعن الدِّين، بل هذا ما كان يجمعنا.
إنَّ الَّذي كان يميز إيماني في فترة البحث تلك أنَّني لم أقْبَل الصَّليب، ولم أتقبَّل مفهوم (الثالوث)، والَّذي كان يضعه أمامي كلُّ المجتمع المسيحيِّ كأمرٍ بديهيّ؛ فقد نظرت إلى الصَّليب على أنَّه أداةٌ لتنفيذ حكم الإعدام في إحدى الفترات التاريخيَّة، وليس على أنَّه شيءٌ مقدَّس! ولم أستطع مُطْلقاً فهم (الثالوث)، وبذلك لم أتقبَّله! حاولت أثناء نقاشي مع مختلف النَّاس أن أصل إلى إيضاحٍ مقنعٍ لذلك، لكنَّ محاولاتي باءت بالفشل؛
حيث كان ينتهي نقاشي مع كلِّ راهبٍ من الكنيسة المسيحيَّة بمحاولة إقناعي بأنِّي -كفتاةٍ من العامَّة الجهلة- لا أستطيع فهم هذا السرِّ المقدَّس.. أزعجني وأغضبني جدّاً موقف الرُّهبان هذا منَّا نحن العوام! لذلك لم أذهب إلى الكنيسة، ولكنِّي آمنت بقوة بوجود الله!
كان لدى زوجي نسخةٌ من القرآن الكريم مع الترجمة باللغة الصربيَّة، ولكنِّي لم أفتح هذا الكتاب أبداً.
الآن، وحين أكتب عن زوجي، أفعل ذلك مُستخدمةً الزَّمن الماضي. ربَّما لاحظتم ذلك؟! لقد كتبت "كان كسولاً بما يخصُّ دينه" و"لم يكن يذهب إلى المسجد" و"ولم يكن يقرأ القرآن".. ولم يزل كذلك إلى الآن، ولكنِّي أُفضِّل دوماً التعبير عن ذلك في الماضي، فلعلَّ وعسى أن يكون مستقبله -بإذن الله- خيراً من حاضره وماضيه. ومع ذلك فقد تطلَّقنا بداية هذا العام (2007م)..
كان مُصحفه قابعاً على أحد رفوف المنزل.. وفي أُمسية أحد الأيَّام، وحين كنت أسعى للقليل من الرَّاحة، وبدل أن أجلس ببساطةٍ في المقعد المريح المقابل لذلك الرَّف، شيءٌ ما دفعني لتناول القرآن الكريم، فأخذته وقعدت للراحة. عدا الأشياء اليوميَّة الاعتيادية، لم يحدث شيءٌ مُعيَّنٌ قبل ذلك لكي يدفعني لفعل ذلك. لكنَّ ما حدث لم يكن اعتياديّاً؛ وكأنَّ أحداً ما دفعني -وقبل القعود- للاتجاه نحو الرَّفِّ وتناول القرآن الكريم! قرأت من بداية ترجمة معاني سورة الفاتحة، ومن ثمَّ سورة البقرة. ولم يتطلبني الأمر عناءً كبيراً، ففي وقتٍ لم يتجاوز النِّصف ساعة كنت قد فهمت، وحين فهمت تقبَّلت فآمنت!
{الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتَّقين . الَّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصَّلاة وممَّا رزقناهم ينفقون . والَّذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدىً من ربِّهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 1-5].
سألت زوجي على الفور: "كيف يصبح الإنسان مسلماً"؟! ولم يكن يعرف الإجابة. لكنِّي أدركت حينئذٍ بأنِّي كنت قد أصبحت مسلمة حقّاً؛ وأنا كذلك -من غير ريبٍ- منذ تلك اللحظة وإلى الآن!
فيما بعد عرفت بأنَّ تلك اللحظة كانت مكتوبةً في قَدَري، ولم تكن مصادفةً -وخاصَّةً أنَّها حصلت في منتصف شهر رمضان لذلك العام- وهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النَّار.
من السَّهل أن أقُصَّ عليكم ما حصل، ولكن قد يكون من المستحيل أن أصف لكم ألوان المشاعر الَّتي لامست وعيي عندئذٍ..
{..وليذَّكَّرَ أُولو الألباب} [إبراهيم:52]. حقّاً، إنَّ الله تعالى يعطينا الكثير من الآيات على وجوده، لكي يُطَمْئِنَ بها قلوبنا منطقيّاً، فَيَقْوَى إيمانُنا.
كان (الإنترنت) هو أوَّل مصدرٍ للمعلومات عن الإسلام.. تعلَّمت بسرعة، وفي الفترة بين العيدين لهذه السَّنة بدأت أصلِّي، وأصوم تطوُّعاً، وقرَّرت أن أُدْني عليَّ من جلبابي.. كلَّ ذلك الوقت كان زوجي يراقب ما يحصل رافضاً الانضمام إليَّ، مع أنِّي دعوته لذلك. ومع ذلك فلم يكن الأمر عنده سِيَّان لأنَّه كان يقول دوماً بأنَّ الله تعالى يحبُّني أكثر منه!
عندما أخبرته عن قراري بشأن اللباس الشرعيِّ، بدأ الخصام بيننا.. ففي البداية، حاول أن يمنعني بتخويفي من أنَّ النَّاس سوف يتعرَّضون لي بالمضايقة والهجوم في الشارع. لكنِّي لبست اللباس الشرعيَّ!
وعندما انقضى الشَّهر الأوَّل، فالثَّاني، ولم أكن في أيِّ خطرٍ يُذكر، بدأ يتحدَّث بضرورة خلع الحجاب لأنَّ أحداً لن يوظِّفني بصورتي هذه! وعندما حصلت على عملٍ -خلال شهرٍ أو شهرين- أبدى حقيقة مشاعره بأنَّ الأمر لا يتعلَّق بالأمن، ولا بالوظيفة، ولكنَّه هو الَّذي لا يُطيق رُؤية تلك الخرقة على رأسي! إنَّها تزعجه! واعترف بأنَّه منذ البداية لم يكن مدركاً لجديَّة قراري، مُقنعاً نفسه بأنِّي فقط أقوم بتجربة ذلك، وأنَّ ذلك لن يدوم!
مسألة الحجاب هذه بقيت موضوعاً ساخناً بيننا وحتى الطلاق؛ وذلك لأنَّه وحتى النِّهاية كان يقول بأنِّي لست مطيعةً له، لأنِّي غطَّيْت رأسي على الرُّغم من معارضته لذلك! كان دوماً يقول بأنِّي أُبالغ، وأنِّي متطرِّفةٌ في ديني.
حقّاً، إنَّ هذه الخرقة على رأسي تُكدِّر أمن الشَّيطان اللعين! فالله تعالى جعل المرأة مخلوقاً جميلاً ورقيقاً من ناحية، ومن ناحية أخرى ألقى على عاتقها مسؤوليَّةً كبيرةً في حفظ الإنسانيَّة! فيجب المحافظة على التوازن بين هاتين المسألتين. وأمَّا مُهمَّة الشَّيطان فهي تحطيم هذا التوازن! فهذه الخرقة على رأسي عاملٌ مهمٌّ للغاية من بين عوامل أخرى للوصول إلى هذا التوازن؛ ولذلك فمن الأهمية بمكان النِّضال من أجلها!
وبسبب الحجاب أختلف عن النَّاس الَّذين أمُرُّ بهم يوميّاً في الشارع، أو عن الَّذين يعيشون بقربي. وفي الشارع تحصل معي أيضاً أمور غير عادية؛ ليست سيِّئةً على الإطلاق. فبعض النَّاس يوقفوني ليسألوني إن كنت من العراق أو إيران. أو عندما يسمعوني أتكلَّم اللغة الصربيَّة بطلاقة، يتعجَّبون كيف أتقنت اللغة بهذا الشكل الممتاز، فيسألوني: أنَّى لي هذا؟! وعندما أقول لهم بأنِّي من هذه البلاد، يسألوني والشكُّ في أعينهم: هل حجابك هذا هو تقليعةٌ من تقليعات الموضة؟! هل تدركون ما يعني ذلك؟! هؤلاء النَّاس لا يمكنهم أن يتفهَّموا بأنَّ أحداً ما من بلادهم، وبأنَّه في نفس الوقت مسلم! "أنت مسلمة فلا بدَّ أنَّك أجنبيَّة، أليس كذلك"؟!
أنا المسلمة الوحيدة في عائلتي، هذا إن لم آخذ في الحسبان ابني ذا الخمس سنوات، والَّذي أجتهد لتربيته على الإسلام. فالظروف هنا صعبة للغاية؛ لأنَّه لا أحد من المقرَّبين ممن حولي يتفهَّم ذلك؛ فأبي يضحك منِّي لأنَّه كافر، أمَّا أمِّي فلا تضحك منِّي، ولكن لأنَّها هي أيضاً كافرة فهي ليست في حالةٍ تسمح لها بأن تقدِّم لي التفهُّم الّذي أحتاجه، مع أنَّها نفسها قد ترغب بذلك. أمَّا أختى فالأمر عندها سيَّان بخصوص الدِّين على وجه العموم، مع أنَّها تعمَّدت في الكنيسة طواعية لتُرضي بذلك زوجها؛ في وقت هي نفسها لا تؤمن بشيء.
تقبَّلت عائلتي اختياري، مع أنَّه كثيراً ما تكون علاقتنا سيِّئة، والَّذي ليس بالضَّرورة أن يكون سببه المباشر انتمائي للإسلام. ولكن بنظرة عامة إلى الأمور -وبشكلٍ غير مباشرٍ- فإنَّ علاقتنا السيِّئة مصدرها سلوكهم الَّذي يتعارض مع الإسلام؛ فهم يشربون الخمر، الأمر الذي يجعلهم غالباً في حالةٍ من عدم القدرة على الفهم! وكفَّارٌ هم، لا يتوكَّلون على الله تعالى، ولا يدركون عالم الآخرة، ولا يسعون إلى الوصول إلى السَّلام الحقيقيِّ؛ ممَّا يجعلهم في حالةٍ من القلق الدائم، وبكلِّ ما في الكلمة من معنى! فمن السَّهل وقوعهم في حالةٍ من الإحباط وعدم الرضى، والحسد والبغضاء، وألف حسابٍ للصَّغائر من الأمور! ذلك يحدث يوميّاً؛
وعندها يتفوَّهون بأبشع الكلمات، ويصرخون، ويتخاصمون! أتحمَّل ذلك كلَّه بصعوبة! ومن الصَّعب عليَّ المكوث في صحبتهم؛ لأنَّ في صحبتهم جيش إبليس اللعين.. لم يعد لديَّ الرَّغبة في مِرائِهم؛ ولذلك فإنِّي وابني نعيش الآن في مدينةٍ أخرى.
العمل الَّذي حصلت عليه قبل أكثر من عامٍ بقليل جاء بي إلى مدينة أخرى.. فأنا الآن أعمل في مركز الجماعة الإسلاميَّة لـ(صربيا) في (بلغراد). وصف مجال عملي قد يكون واسعاً.. أنا أحاول أن أقوم بكلِّ نشاطاتي في الجماعة الإسلاميَّة من أجل نشر المعرفة، وأُنظِّم النشاطات البنَّاءة للأطفال في إطار الموعظة الإسلاميَّة، وأُشارك في منظَّمة (مركز الأديان) بمحاضرات عن الإسلام، وأُشارك في البرنامج الدِّينيِّ على القناة التلفازيَّة الحكوميَّة، وأعمل على تنظيم المكتبة الإسلاميَّة للجماعة الإسلاميَّة في بلغراد. وفي كثير من الأيَّام ألتق النَّاس الَّذين يُبدون اهتماماً لفهم الإسلام مُقدِّمةً لهم المعرفة الَّتي يرغبون بها.
أُحبُّ العمل من أجل الإسلام لأُعطي الآخرين جزءاً من نفسي, ولكنِّي أُحسُّ بأنِّي هنا وحيدة لا أتقدَّم؛ لأنَّ الجاهلية في بلادي -كغيرها من الكثير من البلدان- كبيرة، وهي الَّتي تحكم! لذلك أرغب بالذَّهاب إلى بلادٍ أخرى سعياً وراء المعرفة.. قرارٌ حاسمٌ اتَّخذته في ربيع هذا العام بأن أُصبح حافظةً للقرآن الكريم. تعلَّمت حتى الآن الكتابة باللغة العربيَّة، وبدأت دراسة التجويد.. أُعَلِّم نفسي بنفسي مستخدمةً (الإنترنت)، وبعونٍ من الله تعالى.
وأنظر إلى جهدي هذا على أنَّه تحضيرٌ لتعلُّم الحفظ، والَّذي أُدرك تماماً أنَّني من أجله أحتاج إلى معلِّم.. أرغب بتعلُّم الحفظ في إحدى الدُّول المتكلِّمة باللغة العربيَّة؛ لأنِّي هناك سأُنمِّي معرفتي باللغة العربيَّة إن شاء الله تعالى.. أنا مدركة للمسؤوليَّة الَّتي أضع نفسي أمامها، ولكنِّي مدركةٌ أيضاً بأنَّ مسؤوليَّتي في هذه الحياة الدُّنيا أن أعطي من نفسي الكثير لله تعالى. لذلك أسمو بنظري لهذا الهدف الكبير.. لا أعرف كيف، ولا أين، ولكنِّي أعرف بأنِّي أرغب بقوَّةٍ تحقيق ذلك في أقرب فرصة! وأدعو الله تعالى بأن يمنَّ عليَّ بذلك.. آمين.
إنَّ ما أرغب التركيز عليه هنا -وبغضِّ النَّظر عن الصعوبات الحياتية الَّتي أشعر بها يوميّاً- أنَّني وفي نهاية يومي راضية قانعة، ونفسي مطمئنَّة، ومدركة بأنَّ أهمَّ شيءٍ في حياة الإنسان في هذه الحياة الدُّنيا قد حصل لي! فمِن مخلوقٍ منسيٍّ نجحت -بِهَدْيِهِ تعالى- بالعودة إلى أصلي وفطرتي؛ بأن أصبح مخلوقاً عابداً لخالقه تعالى.. {وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون} [الذاريات: 56].
مقال من مجلة الفرقان
النَّفسُ المطمئنَّة
سمي إيفا؛ وهكذا تُدعى إحدى النباتات الطبيَّة الَّتي تنمو في هذه البلاد. اختارت لي أُمِّي هذا الاسم: "اسمٌ جميلٌ لها؛ لأنَّه قصير".
ولدتُ عام (1978م)، الموافق (1398هـ)، في دولةٍ تُعتبر سياسيّاً غير موجودة: جمهوريَّة يوغسلافيا الاتحاديَّة الاشتراكيَّة. والَّتي انبثق عنها ستُّ جمهوريَّاتٍ صغيرة. فعلى أرض واحدةٍ منهنَّ وُلدت في (البوسنة)، ولكنِّي قضيت كلَّ حياتي على أرض جمهوريَّةٍ أخرى هي (صربيا). وهاتان الجمهوريَّتان تحاربتا؛ فعندما أتحدَّث عن طفولتي دائماً تنقسم هذه الفترة في قصَّتي إلى فترة ما قبل الحرب، وفترة استمرار الحرب؛ وبعدئذٍ كنت قد كبرت.
كانت طفولتي المبكرة سهلةً ودون هموم.. عندما كان لي من العمر ستُّ سنوات وُلدت أختي. وكان هذا هو الصيف الأخير الذي أقضيه كوحيدةٍ لأبويَّ في رحلةٍ إلى البحر، حيث كانت أمِّي في فترة راحةٍ عند جدتي بسبب الحمل. وحدث أن أبديت فضولاً اعتراني كثمرة لقاءٍ عفويٍّ مع بعض المتردِّدين على إحدى الكنائس الصَّغيرة في مكان إقامتنا، لأنَّهم كانوا يذكرونه -تعالى- فطرحت سؤالي صريحاً: "ما هو الإله، وهل هو موجود"؟!
لم يكن والداي يؤمنان بأنَّ الله تعالى موجود، وربَّياني وأختي على هذا الاعتقاد؛ فهما لا يمكنهما -وببساطة- التقبُّل بأنَّ أحد الناس يؤمن بذلك؛ ولذلك فإنَّ أبي كثيراً ما كان يضحك بصراحةٍ من المؤمنين: "إنَّهم مجانين لأنَّهم يؤمنون"! ومع ذلك وجَّهت له حينئذٍ -ونحن على شاطئ البحر- نفس السؤال: "ما هو الإله، وهل هو موجود"؟!
ولكن حدث في تلك الأيام أن كان سنِّي يؤلمني، فاستغلَّ أبي ظروف مرضي ناصحاً لي: "وجّهي دعائك للإله بأن يُخلِّصك من الألم؛ فإن اختفى الألم فإنَّ الإله موجود، وإن لم يختف فإنَّه غير موجود"! وأضاف: "فمن أجل علاج السنِّ نذهب إلى طبيب الأسنان". حينئذٍ، وفي تلك السنِّ الصغيرة، أطعتُه. ولكنَّ ألم سنِّي لم يختف بعد الدُّعاء؛ فكان هذا هو الجواب. وقد كانت المرَّة الأخيرة الَّتي أسأله فيها عن ذلك.
تعاقبت بعد ذلك السنوات الدِّراسيَّة، والانخراط في المجتمع. وممَّا كان يُميِّزني منذ طفولتي المبكرة والذي جعل لي فيما بعد -أثناء سنيِّ الدراسة- وضعاً اجتماعيَّاً مُميَّزاً بين أقراني أنَّني كنت أتَّصف بالصَّرامة والحرفيَّة والانضباط في تنفيذ ما أعتبره قراراً حياتيّاً واضحاً.
وبخصوص كلِّ شيءٍ كنت أحاول اتخاذ قرار ما، كنت فيما بعد أمارسه فعليّاً. وكانت النتائج دوماً متطرِّفة؛ فكانت نتيجة ذلك أنَّني كنت أنفصل تماماً عن أقراني حين كانت قراراتي تختلف عن قراراتهم، وعلى العكس من ذلك كنت أجد نفسي في طليعتهم، وكقائدةٍ للمجموعة -لا تُكسر لها شوكة- حين كانت قراراتي مقبولةً من قِبَلِ الأكثريَّة.
وبداية فترة مراهقتي كانت مع بداية الحرب.
جلبت الحرب على عائلتي عدم الاستقرار المالي، ولكنَّها لم تصبنا مباشرة. وعند نشوبها كنت في نهاية الصفِّ الثَّامن، ومع نهايتها كنت طالبةً في السَّنة الأولى في معهد الموسيقى..
الذكريات في تلك الفترة تبعث على الإحباط، ويبدو لي أنَّه يمكن وصف كلِّ تلك الفترة بوصف يومٍ واحد؛ لأنَّ كلَّ يومٍ كان كالذي سبقه أو الذي تلاه؛ لأنَّنا كنَّا محدودي الإمكانيَّات في كلِّ شيء. وفي تلك الفترة لم أطرح سؤالي مُجدَّداً، ولم أطرحه بعد ذلك على الإطلاق بتلك الصورة المباشرة؛ لأنِّي -وعند شاطئ البحر- حصلت على جواب سؤالي؛ فاتَّخذت قراري، ونفَّذته واقعيّاً بأفعالي..
وفي النِّهاية كان أحد تلك الأفعال بحثاً دراسيّاً؛ فقد كان عليَّ كتابة (نوتة) موسيقيَّة من اختياري، وكان لديَّ نيَّةٌ سيِّئةٌ حين اخترت نصّاً من الأغاني الشعبيَّة؛ فقد كان النصُّ عبارة عن دعاءٍ للإله، ولكنَّه في محتواه عاديٌّ وتافهٌ. فمع قليلٍ من التهكُّم والسُّخرية في اللحن، كنت أريد استغلاله بطريقةٍ سيِّئة لأضحك من المؤمنين. ولكنِّي لم أتوقع مُطْلقاً أنَّني في نهاية هذا العمل سأكون منهم! عندها كان لي من العمر (22) عاماً.
ما ذكرته سابقاً بخصوص واجبي الدِّراسيِّ ذاك، كانت فقط جهةً واحدةً لما كان يعتمل في داخلي؛ لأنَّه -ومع نيَّتي السيِّئة تلك- وبشكلٍ متوازٍ كان هناك شيء آخر يحصل في الاتجاه الآخر..كان مصدره تلقائيّاً وعن غير قصد، لقد تشكَّل بصمتٍ ومن خلال نظراتي تجاه ما كان أمامي من كلِّ شيء؛ في نظراتي لنفسي، وللآخرين، وللعالم من حولي. لكنِّي غالباً ما كنت أنظر لنفسي في مرآةٍ ناقدةٍ..
لم يكن يحدث شيءٌ من الأمور الحياتيَّة في تلك الفترة سوى الأمور الاعتياديَّة، لكنَّ أُمِّي لاحظت بأنَّ شيئاً يحدث لي، كنت أتغيَّر، فحاولت معرفة ما حصل لي.. لا أدري ما الذي كانت تظنُّه، لكنَّها كانت مقتنعة بأنِّي أُخفي شيئاً، وبأنَّه سرٌّ كبيرٌ متعبٌ أُخفيه عنها! فاستطعت إقناعها بأنَّ شيئاً "فظيعاً" لم يحدث لي؛ كلُّ ما في الأمر أنِّي بدأت أنظر إلى الأشياء برأسٍ منحرفةٍ للجانب محاولةً رؤية الأشياء من زاويةٍ أخرى؛ لأنِّي لم يكن يعجبني ما كان يحصل أمامي، ولم تكن تعجبني الأقنعة على وجوه النَّاس فكنت أحتقرها، كنت أريد خلع القناع عن نفسي..
كان هذا كلُّ ما في الأمر، وكان المُحفِّز لذلك بسيطاً، فقد رأيت الجنس البشريَّ من غير حولٍ ولا قوَّة في الحرب! لذلك بدأت بحثي عن السَّلام. وحينئذٍ خلعت قناعي وواجهت نفسي بحقائق كثيرة متقبِّلة بأنَّ الإله موجود، وبأنَّه أحد، وهو من يمنح السَّلام!
حين آمنت بوجود الإله سألت نفسي: بأيِّ طريقةٍ سوف أُطبِّق إيماني هذا واقعيّاً؟! ومرَّت أربع سنواتٍ للحصول على الإجابة الكاملة على هذا السؤال.. والجواب كان ينتظرني في القرآن الكريم.
قد يبدو ذكر ما سبق سهلاً للغاية، ولكن ما حدث فعلاً في تلك السنوات الأربع ليس سهلاً عليَّ سرده عليكم.
تزوَّجت في الثالثة والعشرين من عمري، وأنجبت ابناً.. زُفِفْتُ إلى شابٍّ مسلم.. كان عقد القِران مدنيّاً، ولم يكن إسلاميّاً؛ لأنَّ زوجي كان "كسولاً" فيما يخص دينه من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى أصرَّ أن يُسمِّي ابننا اسماً عربيّاً. أقولها –بقصد- عربيّاً، وليس إسلاميّاً! فاخترت لابني اسم (عِرْفَان).
حقّاً، لقد كان زوجي كسولاً! فرجائي المتكرِّر، وفضولي وإلحاحي لكي يذهب بصحبتي إلى الجامع لم يلق عنده أُذُناً صاغية؛ فلم يكن هو يذهب إلى الجامع، فَلِمَ أذهب أنا! ومع هذا فإنَّا تحدَّثنا عن الله تعالى، وعن الدِّين، بل هذا ما كان يجمعنا.
إنَّ الَّذي كان يميز إيماني في فترة البحث تلك أنَّني لم أقْبَل الصَّليب، ولم أتقبَّل مفهوم (الثالوث)، والَّذي كان يضعه أمامي كلُّ المجتمع المسيحيِّ كأمرٍ بديهيّ؛ فقد نظرت إلى الصَّليب على أنَّه أداةٌ لتنفيذ حكم الإعدام في إحدى الفترات التاريخيَّة، وليس على أنَّه شيءٌ مقدَّس! ولم أستطع مُطْلقاً فهم (الثالوث)، وبذلك لم أتقبَّله! حاولت أثناء نقاشي مع مختلف النَّاس أن أصل إلى إيضاحٍ مقنعٍ لذلك، لكنَّ محاولاتي باءت بالفشل؛
حيث كان ينتهي نقاشي مع كلِّ راهبٍ من الكنيسة المسيحيَّة بمحاولة إقناعي بأنِّي -كفتاةٍ من العامَّة الجهلة- لا أستطيع فهم هذا السرِّ المقدَّس.. أزعجني وأغضبني جدّاً موقف الرُّهبان هذا منَّا نحن العوام! لذلك لم أذهب إلى الكنيسة، ولكنِّي آمنت بقوة بوجود الله!
كان لدى زوجي نسخةٌ من القرآن الكريم مع الترجمة باللغة الصربيَّة، ولكنِّي لم أفتح هذا الكتاب أبداً.
الآن، وحين أكتب عن زوجي، أفعل ذلك مُستخدمةً الزَّمن الماضي. ربَّما لاحظتم ذلك؟! لقد كتبت "كان كسولاً بما يخصُّ دينه" و"لم يكن يذهب إلى المسجد" و"ولم يكن يقرأ القرآن".. ولم يزل كذلك إلى الآن، ولكنِّي أُفضِّل دوماً التعبير عن ذلك في الماضي، فلعلَّ وعسى أن يكون مستقبله -بإذن الله- خيراً من حاضره وماضيه. ومع ذلك فقد تطلَّقنا بداية هذا العام (2007م)..
كان مُصحفه قابعاً على أحد رفوف المنزل.. وفي أُمسية أحد الأيَّام، وحين كنت أسعى للقليل من الرَّاحة، وبدل أن أجلس ببساطةٍ في المقعد المريح المقابل لذلك الرَّف، شيءٌ ما دفعني لتناول القرآن الكريم، فأخذته وقعدت للراحة. عدا الأشياء اليوميَّة الاعتيادية، لم يحدث شيءٌ مُعيَّنٌ قبل ذلك لكي يدفعني لفعل ذلك. لكنَّ ما حدث لم يكن اعتياديّاً؛ وكأنَّ أحداً ما دفعني -وقبل القعود- للاتجاه نحو الرَّفِّ وتناول القرآن الكريم! قرأت من بداية ترجمة معاني سورة الفاتحة، ومن ثمَّ سورة البقرة. ولم يتطلبني الأمر عناءً كبيراً، ففي وقتٍ لم يتجاوز النِّصف ساعة كنت قد فهمت، وحين فهمت تقبَّلت فآمنت!
{الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتَّقين . الَّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصَّلاة وممَّا رزقناهم ينفقون . والَّذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدىً من ربِّهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 1-5].
سألت زوجي على الفور: "كيف يصبح الإنسان مسلماً"؟! ولم يكن يعرف الإجابة. لكنِّي أدركت حينئذٍ بأنِّي كنت قد أصبحت مسلمة حقّاً؛ وأنا كذلك -من غير ريبٍ- منذ تلك اللحظة وإلى الآن!
فيما بعد عرفت بأنَّ تلك اللحظة كانت مكتوبةً في قَدَري، ولم تكن مصادفةً -وخاصَّةً أنَّها حصلت في منتصف شهر رمضان لذلك العام- وهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النَّار.
من السَّهل أن أقُصَّ عليكم ما حصل، ولكن قد يكون من المستحيل أن أصف لكم ألوان المشاعر الَّتي لامست وعيي عندئذٍ..
{..وليذَّكَّرَ أُولو الألباب} [إبراهيم:52]. حقّاً، إنَّ الله تعالى يعطينا الكثير من الآيات على وجوده، لكي يُطَمْئِنَ بها قلوبنا منطقيّاً، فَيَقْوَى إيمانُنا.
كان (الإنترنت) هو أوَّل مصدرٍ للمعلومات عن الإسلام.. تعلَّمت بسرعة، وفي الفترة بين العيدين لهذه السَّنة بدأت أصلِّي، وأصوم تطوُّعاً، وقرَّرت أن أُدْني عليَّ من جلبابي.. كلَّ ذلك الوقت كان زوجي يراقب ما يحصل رافضاً الانضمام إليَّ، مع أنِّي دعوته لذلك. ومع ذلك فلم يكن الأمر عنده سِيَّان لأنَّه كان يقول دوماً بأنَّ الله تعالى يحبُّني أكثر منه!
عندما أخبرته عن قراري بشأن اللباس الشرعيِّ، بدأ الخصام بيننا.. ففي البداية، حاول أن يمنعني بتخويفي من أنَّ النَّاس سوف يتعرَّضون لي بالمضايقة والهجوم في الشارع. لكنِّي لبست اللباس الشرعيَّ!
وعندما انقضى الشَّهر الأوَّل، فالثَّاني، ولم أكن في أيِّ خطرٍ يُذكر، بدأ يتحدَّث بضرورة خلع الحجاب لأنَّ أحداً لن يوظِّفني بصورتي هذه! وعندما حصلت على عملٍ -خلال شهرٍ أو شهرين- أبدى حقيقة مشاعره بأنَّ الأمر لا يتعلَّق بالأمن، ولا بالوظيفة، ولكنَّه هو الَّذي لا يُطيق رُؤية تلك الخرقة على رأسي! إنَّها تزعجه! واعترف بأنَّه منذ البداية لم يكن مدركاً لجديَّة قراري، مُقنعاً نفسه بأنِّي فقط أقوم بتجربة ذلك، وأنَّ ذلك لن يدوم!
مسألة الحجاب هذه بقيت موضوعاً ساخناً بيننا وحتى الطلاق؛ وذلك لأنَّه وحتى النِّهاية كان يقول بأنِّي لست مطيعةً له، لأنِّي غطَّيْت رأسي على الرُّغم من معارضته لذلك! كان دوماً يقول بأنِّي أُبالغ، وأنِّي متطرِّفةٌ في ديني.
حقّاً، إنَّ هذه الخرقة على رأسي تُكدِّر أمن الشَّيطان اللعين! فالله تعالى جعل المرأة مخلوقاً جميلاً ورقيقاً من ناحية، ومن ناحية أخرى ألقى على عاتقها مسؤوليَّةً كبيرةً في حفظ الإنسانيَّة! فيجب المحافظة على التوازن بين هاتين المسألتين. وأمَّا مُهمَّة الشَّيطان فهي تحطيم هذا التوازن! فهذه الخرقة على رأسي عاملٌ مهمٌّ للغاية من بين عوامل أخرى للوصول إلى هذا التوازن؛ ولذلك فمن الأهمية بمكان النِّضال من أجلها!
وبسبب الحجاب أختلف عن النَّاس الَّذين أمُرُّ بهم يوميّاً في الشارع، أو عن الَّذين يعيشون بقربي. وفي الشارع تحصل معي أيضاً أمور غير عادية؛ ليست سيِّئةً على الإطلاق. فبعض النَّاس يوقفوني ليسألوني إن كنت من العراق أو إيران. أو عندما يسمعوني أتكلَّم اللغة الصربيَّة بطلاقة، يتعجَّبون كيف أتقنت اللغة بهذا الشكل الممتاز، فيسألوني: أنَّى لي هذا؟! وعندما أقول لهم بأنِّي من هذه البلاد، يسألوني والشكُّ في أعينهم: هل حجابك هذا هو تقليعةٌ من تقليعات الموضة؟! هل تدركون ما يعني ذلك؟! هؤلاء النَّاس لا يمكنهم أن يتفهَّموا بأنَّ أحداً ما من بلادهم، وبأنَّه في نفس الوقت مسلم! "أنت مسلمة فلا بدَّ أنَّك أجنبيَّة، أليس كذلك"؟!
أنا المسلمة الوحيدة في عائلتي، هذا إن لم آخذ في الحسبان ابني ذا الخمس سنوات، والَّذي أجتهد لتربيته على الإسلام. فالظروف هنا صعبة للغاية؛ لأنَّه لا أحد من المقرَّبين ممن حولي يتفهَّم ذلك؛ فأبي يضحك منِّي لأنَّه كافر، أمَّا أمِّي فلا تضحك منِّي، ولكن لأنَّها هي أيضاً كافرة فهي ليست في حالةٍ تسمح لها بأن تقدِّم لي التفهُّم الّذي أحتاجه، مع أنَّها نفسها قد ترغب بذلك. أمَّا أختى فالأمر عندها سيَّان بخصوص الدِّين على وجه العموم، مع أنَّها تعمَّدت في الكنيسة طواعية لتُرضي بذلك زوجها؛ في وقت هي نفسها لا تؤمن بشيء.
تقبَّلت عائلتي اختياري، مع أنَّه كثيراً ما تكون علاقتنا سيِّئة، والَّذي ليس بالضَّرورة أن يكون سببه المباشر انتمائي للإسلام. ولكن بنظرة عامة إلى الأمور -وبشكلٍ غير مباشرٍ- فإنَّ علاقتنا السيِّئة مصدرها سلوكهم الَّذي يتعارض مع الإسلام؛ فهم يشربون الخمر، الأمر الذي يجعلهم غالباً في حالةٍ من عدم القدرة على الفهم! وكفَّارٌ هم، لا يتوكَّلون على الله تعالى، ولا يدركون عالم الآخرة، ولا يسعون إلى الوصول إلى السَّلام الحقيقيِّ؛ ممَّا يجعلهم في حالةٍ من القلق الدائم، وبكلِّ ما في الكلمة من معنى! فمن السَّهل وقوعهم في حالةٍ من الإحباط وعدم الرضى، والحسد والبغضاء، وألف حسابٍ للصَّغائر من الأمور! ذلك يحدث يوميّاً؛
وعندها يتفوَّهون بأبشع الكلمات، ويصرخون، ويتخاصمون! أتحمَّل ذلك كلَّه بصعوبة! ومن الصَّعب عليَّ المكوث في صحبتهم؛ لأنَّ في صحبتهم جيش إبليس اللعين.. لم يعد لديَّ الرَّغبة في مِرائِهم؛ ولذلك فإنِّي وابني نعيش الآن في مدينةٍ أخرى.
العمل الَّذي حصلت عليه قبل أكثر من عامٍ بقليل جاء بي إلى مدينة أخرى.. فأنا الآن أعمل في مركز الجماعة الإسلاميَّة لـ(صربيا) في (بلغراد). وصف مجال عملي قد يكون واسعاً.. أنا أحاول أن أقوم بكلِّ نشاطاتي في الجماعة الإسلاميَّة من أجل نشر المعرفة، وأُنظِّم النشاطات البنَّاءة للأطفال في إطار الموعظة الإسلاميَّة، وأُشارك في منظَّمة (مركز الأديان) بمحاضرات عن الإسلام، وأُشارك في البرنامج الدِّينيِّ على القناة التلفازيَّة الحكوميَّة، وأعمل على تنظيم المكتبة الإسلاميَّة للجماعة الإسلاميَّة في بلغراد. وفي كثير من الأيَّام ألتق النَّاس الَّذين يُبدون اهتماماً لفهم الإسلام مُقدِّمةً لهم المعرفة الَّتي يرغبون بها.
أُحبُّ العمل من أجل الإسلام لأُعطي الآخرين جزءاً من نفسي, ولكنِّي أُحسُّ بأنِّي هنا وحيدة لا أتقدَّم؛ لأنَّ الجاهلية في بلادي -كغيرها من الكثير من البلدان- كبيرة، وهي الَّتي تحكم! لذلك أرغب بالذَّهاب إلى بلادٍ أخرى سعياً وراء المعرفة.. قرارٌ حاسمٌ اتَّخذته في ربيع هذا العام بأن أُصبح حافظةً للقرآن الكريم. تعلَّمت حتى الآن الكتابة باللغة العربيَّة، وبدأت دراسة التجويد.. أُعَلِّم نفسي بنفسي مستخدمةً (الإنترنت)، وبعونٍ من الله تعالى.
وأنظر إلى جهدي هذا على أنَّه تحضيرٌ لتعلُّم الحفظ، والَّذي أُدرك تماماً أنَّني من أجله أحتاج إلى معلِّم.. أرغب بتعلُّم الحفظ في إحدى الدُّول المتكلِّمة باللغة العربيَّة؛ لأنِّي هناك سأُنمِّي معرفتي باللغة العربيَّة إن شاء الله تعالى.. أنا مدركة للمسؤوليَّة الَّتي أضع نفسي أمامها، ولكنِّي مدركةٌ أيضاً بأنَّ مسؤوليَّتي في هذه الحياة الدُّنيا أن أعطي من نفسي الكثير لله تعالى. لذلك أسمو بنظري لهذا الهدف الكبير.. لا أعرف كيف، ولا أين، ولكنِّي أعرف بأنِّي أرغب بقوَّةٍ تحقيق ذلك في أقرب فرصة! وأدعو الله تعالى بأن يمنَّ عليَّ بذلك.. آمين.
إنَّ ما أرغب التركيز عليه هنا -وبغضِّ النَّظر عن الصعوبات الحياتية الَّتي أشعر بها يوميّاً- أنَّني وفي نهاية يومي راضية قانعة، ونفسي مطمئنَّة، ومدركة بأنَّ أهمَّ شيءٍ في حياة الإنسان في هذه الحياة الدُّنيا قد حصل لي! فمِن مخلوقٍ منسيٍّ نجحت -بِهَدْيِهِ تعالى- بالعودة إلى أصلي وفطرتي؛ بأن أصبح مخلوقاً عابداً لخالقه تعالى.. {وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون} [الذاريات: 56].
مقال من مجلة الفرقان

