- 22 يوليو 2008
- 16,039
- 146
- 63
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
اللؤلؤ والمرجان في الأعمال التي توجب الجنان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللؤلؤ والمرجان في الأعمال التي توجب الجنان
الحب في الله:
يقول ربنا تبارك وتعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف:67]. عن أبي قرصافة الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب قوماً حَشَره الله في زمرتهم" (رواه الطبراني). وعن أبي بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ" (رواه مالك في "الموطأ" 1503) ومعنى: "المتباذلين في": أي يبذلون أنفسهم في مرضاة الله من الاتفاق على جهاد عدوه وغير ذلك مما أمروا به أو أنه يعطيه ماله إن احتاج له.
إن أفضل وأحب ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى: محبة الله تعالى ونبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وآل بيته والصالحين المصلحين من عباد الله، لقوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه...". فالله جل وعلا قدَّم فضيلة المحبة على سائر الأعمال.
منطوق الحديث: أن من حارب وليّاً من أولياء الله تعالى بأي وسيلة من الوسائل كالكلام في عرضه والتنقيص من قدره والافتراء عليه؛ فإن هذا المحارب قد دخل في زمرة الهالكين المغضوب عليهم، أما مفهوم الحديث -حسب تعبير علماء الأصول-: أن من أحب لي وليّاً أحببته، فالقلوب عليها أقفالها، لا تفتح هذه الأقفال إلا بهذه المحبة الدالة على الله تعالى، والمرشدة للناس إلى طريق الرشاد العارجة بهم إلى مقامات الإحسان، فمن تحققت له المحبة انحلت عقد قلبه لأنه ظفر بالكنز الذي لا ينفد والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
ومن أقوال العلماء في فضل الحب في الله:
يقول ابن القيم رحمه الله: "إن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها مثبت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل حين بإذن ربها" (طريق الهجرتين ص415).
ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله: "ومن رُزق في الدنيا من المؤمنين تحابّاً خاصّاً عميقاً كان له في الآخرة مكانة خاصة. يقول الله تعالى يوم القيامة: "أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظِلُّهم تحت ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلِّي" (أخرجه مسلم ومالك في "الموطأ" عن أبي هريرة مرفوعاً).
ومن أحب قوماً حُشِر معهم. فانظر يا غافل من يسكن في فؤادك حبُّه. روى الشيخان وغيرهما عن أنس أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟" قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم".
اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك لربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله، وحب الله يثمر حب الصالحين. (كتاب الإحسان ج1).
ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "إن المشكلات التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي اليوم كثيرة وخطيرة، ولا عاصم اليوم من هذه المشكلات إلا شيء واحد، هو أن يتآلف المسلمون وتمتد فيما بينهم جسور المحبة والود، ومن ثم يلتقوا على كلمة سواء... فالحب حالة قلبية، بل وقود يشتعل في طوايا القلب، فيدفع صاحبه إلى الاتباع والبذل والتعالي فوق الذات وفوق حظوظ النفس والعصبية، الحب كما قال العلماء: هو ذاك الشعور القدسي الغريب العجيب، الذي إذا هيمن على القلب قرَّب البعيد، وليَّن الحديد، وجعل من العسير يسيراً".
ثم يأتي الحديث (حديث الولي) يرغِّب ويحض على القيام بما افترضه علينا، وأداؤه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، بدءاً بإقامة الفرائض وإتمامها، وبخاصة الصلاة التي هي عمود الدين الإسلامي الحنيف وروحه وآكد أركانه بعد الشهادتين.
قيام الليل:
قال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} [الإسراء:79]. وقال عز من قائل: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}[السجدة:16]. وقال جل وعلا: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} [الذاريات:17].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سُئِلَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ" (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ عَنْ بِلالٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنْ الإِثْمِ وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ" (رواه الترمذي).
ويستحب قيام الليل جماعة: عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَن اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ" (رواه أبو داود).
وقيام الليل من شيم الصالحين, وخصوصاً في جوف الليل والناس نيام, وباب الله جل وعلا ليس عليه زحام, ساعة ينزل فيها ربنا إلى سماء الدنيا يعرض عليك رحمته, ويستجيب دعاء السائلين, ويقضي حوائج المحتاجين، ويغفر للمسيئين، ويعافي المبتلين. أفتكون مستغنياً وفي فراش غفلتك نسياً منسيّاً؟! تضيع دقائق الليل الغالية في الغفلة عن الله وعن ذكر الله, ألست مذنباً ترجو مغفرة الذنوب؟! ألست مريضاً تريد من يعافيك؟! ألست فقيراً تريد من يرزقك؟! ألست ضعيفاً تريد رحمة الله؟!
ولله در قوم باعوا أنفسهم لله, وقرعوا بابه فإذا هو مفتوح, وواصلوا البكاء فالجفن بالدمع مقروح, وقاموا في غسق الليل قيام من يبكي وينوح, وماتت نفوسهم وتساوى عندهم المذموم والممدوح.
فقم أخي في جنح الظلام، تتورم منك الأقدام, واقفاً على عتبة الذل والانكسار, والاضطرار والفرار، إلى الواحد القهار, سائلاً ومستغفراً وتائباً, ومن طلب العلا سهر الليالي, ومن لا ليل له فلا نهار له، كالماضي إلى الهيجا بغير سلاح. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم رهباناً بالليل فرساناً بالنهار. عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر, ودبر الصلوات المكتوبات" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح). يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "من لا حظ له من الليل؛ لا حظ له من الولاية".
الاستغفار بالأسحار:
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات:18]. وقال عز من قائل: {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران:17].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ" (رواه مسلم).
أَجْر حَجَّةٍ وعُمْرَة:
الجلسة بعد صلاة الصبح إلى شروق الشمس سنة، فذاك زمن مبارك يحافظ عليه المؤمن ما أمكن تلاوة لكتاب الله تعالى وذكراً له جل وعلا، مبتدئاً بالأذكار التحصينية الصباحية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ" (رواه الترمذي).
فلننظر يا أخي كم من حجة وعمرة ضيعناها. آه ثم آه على من لا يهز رأساً شوقاً إلى الحسنى وزيادة.
صلاة الضحى:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ أَكْفِكَ آخِرَهُ" (رواه الترمذي).
التسبيح:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ؛ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". (قالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
السنن الرواتب:
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ" (رواه الترمذي).
عَنْ السيدة النقية الصديقة بنت الصديق عَائِشَةَ رضي الله عنهما عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (رواه مسلم).
القرآن:
عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. لا أَقُولُ: (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ" (رواه الترمذي).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَن اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلاهَا كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (رواه أحمد).
إن لبعض السور والآيات القرآنية الكريمة من الفضائل والفوائد العاجلة والآجلة ما لا يعد ولا يحصى كالتحصين من وساوس شياطين الإنس والجن والحفظ والنجاة من أنواع الأذى، وتفريج الكربات والمغفرة ورفع الدرجات، فعلى المؤمن المداومة على تلاوتها يوميّاً ليلاً أو نهاراً. ونورد بعض الأحاديث التي أشارت إلى هذه الفوائد ومنها:
عن سعيد بن المعلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم سورة في القرآن: الحمد لله رب العالمين" (رواه البخاري).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح؛ أربع آيات من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها، وثلاث خواتيمها". وفي رواية أخرى: "لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه، ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق" (أخرجه الدارمي والطبراني وابن المنذر).
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتِب له قيام ليلة" (رواه البيهقي).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" (رواه الترمذي).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مِن القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك" (أخرجه الأربعة وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "(قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن" (رواه الحاكم).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي جاراً يقوم الليل فما يقرأ إلا (قل هو الله أحد) -كأنه تقللها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (رواه البخاري).
عن ابن عباس الجهني رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ابن عباس، ألا أخبرك بأفضل ما تعوَّذ به المتعوذون؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) (رواه النسائي).
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزلت عليَّ آيات لم ينزل عليَّ مثلهن قط: المعوذتان" (رواه مسلم وأحمد).
ولذكر الله أكبر:
بعد النوافل وتلاوة القرآن كما ذكرنا لا بد للإنسان من ورد يومي يطهِّر به نفسه من أدران الذنوب والمعاصي والكدر:
- الإكثار من الاستغفار: يقول ربنا تبارك وتَعَالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح: 10-12]، وقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون}[آل عمران:135].
عن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ؛ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" (رواه أبو داود).
- الصلاة على النبي: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة" (رواه الترمذي).
يقول الحبيب بومدين خَوار في رسائل السعادة: "اعلم أيها الحبيب يرحمك الله أن المداومة على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص القصد وتحصيل الآداب وتدبر المعاني، حتى يتمكن حبه في الباطن تمكناً صادقاً خالصاً؛ تصل به نفس الذاكر إلى نفس المذكور صلى الله عليه وسلم؛ وبهذا يتحقق في الذاكر الحديث أن المرء مع من أحب، وتحصل له السعادة الخالدة في الدنيا والآخرة".
- تجديد الإيمان بالإكثار من الكلمة الطيبة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جددوا إيمانكم". قيل يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" (رواه أحمد).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله. وأفضل الدعاء: الحمد لله" (رواه الترمذي).
الدعاء: فالدعاء هو العبادة ومخها، والمستكبر عن الدعاء مستكبر عن العبادة؛ لقوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60].
النوم على أفضل العزائم:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَوَى إِلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ" (رواه الترمذي).
وعن الْبَرَاء بن عَازِبٍ رضي الله عنه قال: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ". قَالَ الْبَرَاءُ: فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ فَقُلْتُ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: "لا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" (رواه أبو داود).
هكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ننام على طهارة وعلى ذكر الله تعالى ومحاسبة النفس، ليكون آخر عهدنا باليقظة مناجاة ربنا سبحانه والوقوف ببابه ولزومِ فنائه إنه رحيم ودود.
مسك الختام:
تزود من الدنيا فإنك راحل وسارع إلى الخيرات فيمن يسارع
فما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يوماً أن تُردَّ الودائـــع
ما ينفع الإنسان في قبــره إلا التقى والعمل الصالـــح
فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا نبيكم وأهل بيته والصالحين من عباد الله مِن كل قلوبكم؛ يجعل لكم نوراً تهتدون به. وأجمعوا أمركم على مراضي الله والبعد عن مساخطه؛ يجعل لكم من أمركم يسراً.
رشيد كهوس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللؤلؤ والمرجان في الأعمال التي توجب الجنان
الحب في الله:
يقول ربنا تبارك وتعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف:67]. عن أبي قرصافة الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب قوماً حَشَره الله في زمرتهم" (رواه الطبراني). وعن أبي بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ" (رواه مالك في "الموطأ" 1503) ومعنى: "المتباذلين في": أي يبذلون أنفسهم في مرضاة الله من الاتفاق على جهاد عدوه وغير ذلك مما أمروا به أو أنه يعطيه ماله إن احتاج له.
إن أفضل وأحب ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى: محبة الله تعالى ونبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وآل بيته والصالحين المصلحين من عباد الله، لقوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه...". فالله جل وعلا قدَّم فضيلة المحبة على سائر الأعمال.
منطوق الحديث: أن من حارب وليّاً من أولياء الله تعالى بأي وسيلة من الوسائل كالكلام في عرضه والتنقيص من قدره والافتراء عليه؛ فإن هذا المحارب قد دخل في زمرة الهالكين المغضوب عليهم، أما مفهوم الحديث -حسب تعبير علماء الأصول-: أن من أحب لي وليّاً أحببته، فالقلوب عليها أقفالها، لا تفتح هذه الأقفال إلا بهذه المحبة الدالة على الله تعالى، والمرشدة للناس إلى طريق الرشاد العارجة بهم إلى مقامات الإحسان، فمن تحققت له المحبة انحلت عقد قلبه لأنه ظفر بالكنز الذي لا ينفد والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
ومن أقوال العلماء في فضل الحب في الله:
يقول ابن القيم رحمه الله: "إن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها مثبت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل حين بإذن ربها" (طريق الهجرتين ص415).
ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله: "ومن رُزق في الدنيا من المؤمنين تحابّاً خاصّاً عميقاً كان له في الآخرة مكانة خاصة. يقول الله تعالى يوم القيامة: "أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظِلُّهم تحت ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلِّي" (أخرجه مسلم ومالك في "الموطأ" عن أبي هريرة مرفوعاً).
ومن أحب قوماً حُشِر معهم. فانظر يا غافل من يسكن في فؤادك حبُّه. روى الشيخان وغيرهما عن أنس أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟" قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم".
اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك لربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله، وحب الله يثمر حب الصالحين. (كتاب الإحسان ج1).
ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "إن المشكلات التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي اليوم كثيرة وخطيرة، ولا عاصم اليوم من هذه المشكلات إلا شيء واحد، هو أن يتآلف المسلمون وتمتد فيما بينهم جسور المحبة والود، ومن ثم يلتقوا على كلمة سواء... فالحب حالة قلبية، بل وقود يشتعل في طوايا القلب، فيدفع صاحبه إلى الاتباع والبذل والتعالي فوق الذات وفوق حظوظ النفس والعصبية، الحب كما قال العلماء: هو ذاك الشعور القدسي الغريب العجيب، الذي إذا هيمن على القلب قرَّب البعيد، وليَّن الحديد، وجعل من العسير يسيراً".
ثم يأتي الحديث (حديث الولي) يرغِّب ويحض على القيام بما افترضه علينا، وأداؤه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، بدءاً بإقامة الفرائض وإتمامها، وبخاصة الصلاة التي هي عمود الدين الإسلامي الحنيف وروحه وآكد أركانه بعد الشهادتين.
قيام الليل:
قال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} [الإسراء:79]. وقال عز من قائل: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}[السجدة:16]. وقال جل وعلا: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} [الذاريات:17].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سُئِلَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ" (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ عَنْ بِلالٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنْ الإِثْمِ وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ" (رواه الترمذي).
ويستحب قيام الليل جماعة: عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَن اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ" (رواه أبو داود).
وقيام الليل من شيم الصالحين, وخصوصاً في جوف الليل والناس نيام, وباب الله جل وعلا ليس عليه زحام, ساعة ينزل فيها ربنا إلى سماء الدنيا يعرض عليك رحمته, ويستجيب دعاء السائلين, ويقضي حوائج المحتاجين، ويغفر للمسيئين، ويعافي المبتلين. أفتكون مستغنياً وفي فراش غفلتك نسياً منسيّاً؟! تضيع دقائق الليل الغالية في الغفلة عن الله وعن ذكر الله, ألست مذنباً ترجو مغفرة الذنوب؟! ألست مريضاً تريد من يعافيك؟! ألست فقيراً تريد من يرزقك؟! ألست ضعيفاً تريد رحمة الله؟!
ولله در قوم باعوا أنفسهم لله, وقرعوا بابه فإذا هو مفتوح, وواصلوا البكاء فالجفن بالدمع مقروح, وقاموا في غسق الليل قيام من يبكي وينوح, وماتت نفوسهم وتساوى عندهم المذموم والممدوح.
فقم أخي في جنح الظلام، تتورم منك الأقدام, واقفاً على عتبة الذل والانكسار, والاضطرار والفرار، إلى الواحد القهار, سائلاً ومستغفراً وتائباً, ومن طلب العلا سهر الليالي, ومن لا ليل له فلا نهار له، كالماضي إلى الهيجا بغير سلاح. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم رهباناً بالليل فرساناً بالنهار. عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر, ودبر الصلوات المكتوبات" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح). يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "من لا حظ له من الليل؛ لا حظ له من الولاية".
الاستغفار بالأسحار:
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات:18]. وقال عز من قائل: {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران:17].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ" (رواه مسلم).
أَجْر حَجَّةٍ وعُمْرَة:
الجلسة بعد صلاة الصبح إلى شروق الشمس سنة، فذاك زمن مبارك يحافظ عليه المؤمن ما أمكن تلاوة لكتاب الله تعالى وذكراً له جل وعلا، مبتدئاً بالأذكار التحصينية الصباحية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ" (رواه الترمذي).
فلننظر يا أخي كم من حجة وعمرة ضيعناها. آه ثم آه على من لا يهز رأساً شوقاً إلى الحسنى وزيادة.
صلاة الضحى:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: "ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ أَكْفِكَ آخِرَهُ" (رواه الترمذي).
التسبيح:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ؛ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". (قالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
السنن الرواتب:
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ" (رواه الترمذي).
عَنْ السيدة النقية الصديقة بنت الصديق عَائِشَةَ رضي الله عنهما عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (رواه مسلم).
القرآن:
عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. لا أَقُولُ: (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ" (رواه الترمذي).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَن اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلاهَا كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (رواه أحمد).
إن لبعض السور والآيات القرآنية الكريمة من الفضائل والفوائد العاجلة والآجلة ما لا يعد ولا يحصى كالتحصين من وساوس شياطين الإنس والجن والحفظ والنجاة من أنواع الأذى، وتفريج الكربات والمغفرة ورفع الدرجات، فعلى المؤمن المداومة على تلاوتها يوميّاً ليلاً أو نهاراً. ونورد بعض الأحاديث التي أشارت إلى هذه الفوائد ومنها:
عن سعيد بن المعلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم سورة في القرآن: الحمد لله رب العالمين" (رواه البخاري).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح؛ أربع آيات من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها، وثلاث خواتيمها". وفي رواية أخرى: "لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه، ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق" (أخرجه الدارمي والطبراني وابن المنذر).
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتِب له قيام ليلة" (رواه البيهقي).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" (رواه الترمذي).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مِن القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك" (أخرجه الأربعة وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "(قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن" (رواه الحاكم).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي جاراً يقوم الليل فما يقرأ إلا (قل هو الله أحد) -كأنه تقللها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (رواه البخاري).
عن ابن عباس الجهني رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ابن عباس، ألا أخبرك بأفضل ما تعوَّذ به المتعوذون؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) (رواه النسائي).
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزلت عليَّ آيات لم ينزل عليَّ مثلهن قط: المعوذتان" (رواه مسلم وأحمد).
ولذكر الله أكبر:
بعد النوافل وتلاوة القرآن كما ذكرنا لا بد للإنسان من ورد يومي يطهِّر به نفسه من أدران الذنوب والمعاصي والكدر:
- الإكثار من الاستغفار: يقول ربنا تبارك وتَعَالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح: 10-12]، وقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون}[آل عمران:135].
عن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ؛ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" (رواه أبو داود).
- الصلاة على النبي: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة" (رواه الترمذي).
يقول الحبيب بومدين خَوار في رسائل السعادة: "اعلم أيها الحبيب يرحمك الله أن المداومة على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص القصد وتحصيل الآداب وتدبر المعاني، حتى يتمكن حبه في الباطن تمكناً صادقاً خالصاً؛ تصل به نفس الذاكر إلى نفس المذكور صلى الله عليه وسلم؛ وبهذا يتحقق في الذاكر الحديث أن المرء مع من أحب، وتحصل له السعادة الخالدة في الدنيا والآخرة".
- تجديد الإيمان بالإكثار من الكلمة الطيبة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جددوا إيمانكم". قيل يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" (رواه أحمد).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله. وأفضل الدعاء: الحمد لله" (رواه الترمذي).
الدعاء: فالدعاء هو العبادة ومخها، والمستكبر عن الدعاء مستكبر عن العبادة؛ لقوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60].
النوم على أفضل العزائم:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَوَى إِلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ" (رواه الترمذي).
وعن الْبَرَاء بن عَازِبٍ رضي الله عنه قال: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ". قَالَ الْبَرَاءُ: فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ فَقُلْتُ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: "لا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" (رواه أبو داود).
هكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ننام على طهارة وعلى ذكر الله تعالى ومحاسبة النفس، ليكون آخر عهدنا باليقظة مناجاة ربنا سبحانه والوقوف ببابه ولزومِ فنائه إنه رحيم ودود.
مسك الختام:
تزود من الدنيا فإنك راحل وسارع إلى الخيرات فيمن يسارع
فما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يوماً أن تُردَّ الودائـــع
ما ينفع الإنسان في قبــره إلا التقى والعمل الصالـــح
فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا نبيكم وأهل بيته والصالحين من عباد الله مِن كل قلوبكم؛ يجعل لكم نوراً تهتدون به. وأجمعوا أمركم على مراضي الله والبعد عن مساخطه؛ يجعل لكم من أمركم يسراً.
رشيد كهوس
التعديل الأخير:


: