رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....
بعد إنقطاع دام شهرين ها نحن نعود لسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام..
___________________________________________________
الموضوع السادس ويحوي:
حول عشر ذي الحجة..
هده في حجه..
محاضرة رحلة القلوب..
عشر ذي الحجة:
بقلم:عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين..رحمه الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد …
فضل عشر ذي الحجة :
روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر - قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) وروى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام أعظم ولا احب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وروى ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الأيام يوم عرفة).
أنواع العمل في هذه العشر :
الأول : أداء الحج والعمرة ، وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) وغيره من الأحاديث الصحيحة .
الثاني : صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها – وبالأخص يوم عرفة – ولاشك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال وهو مما اصطفاه الله لنفسه ، كما في الحديث القدسي : ( الصوم لي وأنا أجزي به ، انه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله ، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) متفق عليه . ( أي مسيرة سبعين عاماً ) ، وروى مسلم رحمه الله عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) .
الثالث : التكبير والذكر في هذه الأيام . لقوله تعالى : ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ) وقد فسرت بأنها أيام العشر ، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن أحمد رحمه الله وفيه : ( فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهم انهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر ، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم . وروى إسحاق رحمه الله عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم انهم كانوا يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد . ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها ، لقوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) ولا يجوز التكبير الجماعي وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد ، حيث لم ينقل ذلك عن السلف وانما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده ، وهذا في جميع الأذكار والأدعية إلا أن يكون جاهلاً فله أن يلقن من غيره حتى يتعلم ، ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح ، وسائر الأدعية المشروعة .
الرابع : التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب ، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة ، فالمعاصي سبب البعد والطرد ، والطاعات أسباب القرب والود ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ان الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه ) متفق عليه .
الخامس : كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات كالصلاة والصدقة والجهاد والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك فانها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام ، فالعمل فيها وان كان مفضولاً فأنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها وان كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال إلا من عقر جواده واهريق دمه .
السادس : يشرع في هذه الأيام التكبير المطلق في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد ويشرع التكبير المقيد وهو الذي يعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة ، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة ، وللحجاج من ظهر يوم النحر ، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق .
السابع : تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق ، وهو سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم ، ( وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) متفق عليه .
الثامن : روى مسلم رحمه الله وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضّحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) وفي رواية ( فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي ) ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي ، فقد قال الله تعالى : ( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) وهذا النهي ظاهره انه يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه ، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه ولو سقط منه شيء من الشعر .
التاسع : على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى ، وحضور الخطبة والاستفادة . وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد ، وانه يوم شكر وعمل بر ، فلا يجعله يوم أشر وبطر ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها في أيام العشر .
العاشر : بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله ليحوز على رضا مولاه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
هديه صلى الله عليه وسلم..من مختصر زاد المعاد..ويطول الكلام في هذا الباب ولكن كل يقرأ ما يحتاج..
صل في هديه صلى الله عليه في حجته وعمرته
...
فصل: في هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حجّه وعُمَره
اعتمر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعد الهجرة أربع عمر كلّهن في ذي القعدة:
الأولى: عمرة الحديبية سنة ستّ، فصده المشركون عن البيت، فنحرَ وحلق حيث صُدَّ هو وأصحابه وحَلُّوا.
الثّانية: عمرة القضية في العام المقبل دخلها، فأقام بها ثلاثاً ثم خرج.
الثّالثة: عمرته التي قرنَها مع حجّته.
الرّابعة: عمرته من الجعرانة، ولم يكن في عُمَره عمرة واحدة خارجاً من مكّة، كما يفعله كثير من النّاس اليوم، وإنّما كانت عمره كلّها داخلاً إلى مكّة، وقدم أقام بعد الوحي بمكّة ثلاث عشر سنة لم ينقل عنه أنّه اعتمر خارجاً من مكّة، ولم يفعله أحد على عهده قط إلاّ عائشة، لأنّها أهلّت بالعمرة، فحاضت فأمرها فقرنت، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبالصّفا والمروة قد وقع عن حجّها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحبها بحجّ وعمرة مستقلّين، فإنّهن كُنَّ متمتعات، ولم يحضن، ولم يقرن، وترجع هي بعمر في ضمن حجّتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التّنعيم تطييباً لقلبها، وكانت عُمره كلّها في أشهر الحجّ مخالفاً لهدي المشركين فإنّهم يكرهون العمرة فيها، وهذا دليل على أنّ الاعتمار في أشهر الحجّ فضل منه في رجب بلا شكّ، وأمّا في رمضان، فموضع نظر، وقد صحّ عنه أنّ: "عمرة في رمضان تعدل حجّة".
وقد يقال: كان رسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهمّ من العمرة مع ما في ترك ذلك من الرّحمة لأمّته، فإنّه لو فعل لبادرت الأمّة إلى ذلك، فكان يشقّ عليها الجمع بين العمرة والصّوم، وكان يترك كثيراً من العمل وهو يحبّ أن يعمله خشية المشقّة عليهم.
ولم يحفظ عنه أنّه اعتمر في السّنة إلاّ مرّة واحدة، ولا خلاف أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يحجّ بعد الهجرة إلاّ حجّة واحدة سنة عشر، ولَمّا نزل فرض الحجّ، بادر إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من غير تأخير، فإنّ فرضه تأخّر إلى سنة تسع أو عشر.
وأمّا قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، [البقرة، من الآية: 196]، فإنّها وإن نزلت سنة ستٍّ، فليس فيها فريضة الحجّ وإنّما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة، بعد الشّروع فيهما.
ولما عزم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على الحجّ أعلم النّاس أنّه حاجٌّ، فتجهّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجّ مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ووافاه في الطّريق خلائق لا يُحصَون، وكانوا من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله مدّ البصر، وخرج من المدينة نهاراً بعد الظّهر لستٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلّى الظّهر بها أربعاً، وخطبهم قبل ذلك خُطبة علّمهم فيها الإحرام، وواجباته وسننه، فصلّى الظّهر، ثم ترجل، وادّهن، ولبس إزاره ورداءه، وخرج فنَزل بذي الحليفة، فصلّى بها العصر ركعتين.
ثم بات بها، وصلّى بها المغرب والعشاء، والصّبح والظّهر، وكان نساؤه كلّهن معه، وطاف عليهن تلك اللّيلة.
فلمّا أراد الإحرام، اغتسل عسلاً ثانياً لإحرامه، ثم طيّبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيصُ المسك يُرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه، ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلّى الظّهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلاّه.
ولم يُنْقَل أنّه صلّى للإحرام ركعتين.
وقلّد قبل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشقّ صفحة سنامها، وسلّت الدَّم عنها.
وإنّما قلنا: إنّه أحرم قارناً. لبضعة وعشرين حديثاً صريحة صحيحة في ذلك، ولبّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رأسه بالغسل هو بالمعجمة: وهو ما يغسل به الرّأس من خطمي ونحوه يلبد به الشّعر حتى لا ينتشر، وأهلّ في مصلاّه، ثم ركب ناقته، فأهلّ أيضاً، ثم أهلَّ أيضاً لما استقلّت به على البيداء، وكان يهلّ بالحجّ والعمرة تارّةً، وبالحجّ تارةً؛ لأنّ العمرة جزء منه، فَمِن ثَمَّ قيل: قَرَن. وقيل: تمتّع. وقيل: أفرد.
وقول ابن حزم: إنّ ذلك قبل الظهر بيسير وهم منه، والمحفوظ أنّه إنّما أهلّ بعد الظّهر، ولم يقل أحد قط: إنّ إحرامه كان قبل الظّهر.
فلا أدري من أين له هذا.
ثُمّ لبّى، فقال: "لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك".
ورفع صوته بهذه التّلبية حتى سمعها أصحابه، وأمرهم بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بالتّلبية.
وكان حجّه على رحلٍ لا محملٍ وزاملته تحته، وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما.
وخيّرهم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عند الإحرام بين الأنساك الثّلاثة، ثم ندبهم عند دنوهم من مكّة إلى فسخ الحجّ والقران إلى العمرة لِمَن لم يكن معه هدي، ثم حتم ذلك عليهم عند المروة.
وولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوبٍ وتحرم وتهلَّ.
ففيه جواز غسل المحرم، وأنّ الحائض تغتسل، وأنّ الإحرام يصحّ من الحائض.
ثم سار رسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو يُلَبّي بتلبيته المذكورة، والنّاس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرّهم.
فلمّا كان بالرّوحاء، رأى حمار وحش عقيراً قال: "دعوه، فإنّه يوشك أن يأتي صاحبه". فجاء صاحبه، فقال: "شأنكم به" ، فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبا بكرٍ، فقسمه بين الرّفاق.
ففيه جواز أكل المحرم صيد الحلال إذا لم يصد لأجله.
ويدلّ على أنّ الصّيد يُملك بالإثبات.
ثم مضى حتى إذا كان بين الرّويثَةِ والْعَرْج إذا ظبي حاقف في ظلٍّ فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد، والفرق بينه وبين الحمار أنّه لم يعلم أنّ الذي صاده حلال.
ثم سار حتى إذا نزل بالْعَرْج وكانت زاملتُه وزاملة أبي بكرٍ واحدة مع غلامٍ لأبي بكرٍ، فطلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. فقال أبو بكرٍ: بعيراً واحداً وتُضله! فطفق يضربه ورسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يبتسم، ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" .
ثم مضى حتى إذا كان بالأبواء، أهدى له الصّعب بن جثامة عَجُز حمار وحشٍ، فردّه، وقال: "إنّا لم نردّه عليك إلاّ أنّا حُرم ".
فلّما مَرَّ بوادي عُسفان قال: "يا أبا بكرٍ أيّ وادٍ هذا؟". قال: وادي عُسفان. قال: "لقد مَرَّ به هود وصالح على بكرين أحمرين خُطُهما اللّيف، وأزرهما العَباء، وأرديتهما النّمار يلبُّون يحجّون البيت العتيق" . ذكره أحمد.
فلما كان بسَرف حاضت عائشة، وقال لأصحابه بسَرف: "مَن لم يكن معه هدي، فَأَحَبَّ أن يجعلها عمرة، فليفعل، ومَن كان معه هدي فلا". وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التّخيير عند الميقات، فلمّا كان بمكّة أمر أمراً حتماً مَن لا هدي معه أن يجعلها عمرة، ويحلّ من إحرامه، ومَن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتّة، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها: هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد" ، قال: ثم نهض رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى أن نزل بذي طُوى وهي المعروفة بآبار الزّاهر، فبات بها ليلة الأحد لأربعٍ خلون من ذي الحجّة، وصلّى بها الصّبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكّة، فدخلها نهاراً من أعلاها من الثّنية العليا التي تشرف على الحجون، وكان في العمرة يدخلها من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد، وذلك ضحىً.
وذكر الطّبري أنّه دخل من باب بني عبد مناف الذي يُسمّى باب بني شيبة، وذكر أحمد أنّه كان إذا دخل مكاناً من دار يعلى استقبل البيت، ودعا، وذكر الطّبري أنّه كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً".
وروي عنه أنّه كان عند رؤيته يرفع يديه، ويكبّر، ويقول: "اللهم أنتَ السّلام، ومنك السّلام، حيّنا ربّنا بالسّلام، اللهم زدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، وتكريماً ومهابةً، وزدْ مَن حجّه أو اعتمره تكريماً وتشريفاً وتعظيماً وبرّاً". وهو مرسل.
فلمّا دخل المسجد، عمد إلى البيت، ولم يركع تحيّة المسجد، فإنّ تحية المسجد الحرام الطّواف، فلمّا حاذى الحجر، استلمه، ولم يزاحم عليه، ولم يتقدّم عنه إلى جهة الرّكن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتّكبير، ولا حاذى الحجر بجميع بدنه، ثم انفتلَ عنه وجعله على شقّه الأيمن، بل استقبله واستلمه، ثم أخذ على يمينه، ولم يدع عند الباب، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقّت للطّواف ذكراً معيّناً، بل حفظ عنه بين الرّكنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، [البقرة، الآية: 201].
ورَمَلَ في طوافه هذه الثّلاثة الأشواط، وقاربَ بين خُطاه، واضطبعَ بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بِمِحْجَنه وقبّل المحجن، وهو عصاً محنية الرّأس.
وثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه استلم الرّكن اليماني، ولم يثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قبّله، ولا قبّل يده عند استلامه، وثبتَ عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قبّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنّه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم قبّلها، وثبت عنه أنّه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات. وذكر الطّبري بإسنادٍ جيّدٍ أنّه إذا استلم الرّكن قال: "بسم الله والله أكبر" ، وكلّما أتى على الحجر الأسود قال: "الله أكبر" ، ولم يستلم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولم يمسّ من الأركان إلاّ اليمانيين فقط.
فلمّا فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} ، [البقرة، من الآية: 125]، فركع ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بـ: (سورتي الإخلاص)، وقراءته الآية بيان منه المراد منها لله بفعله.
فلمّا فرغ من صلاته أقبل على الحجر، فاستلمه، ثم خرج إلى الصّفا من الباب الذي يقابله، فلمّا دنى منه قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، [البقرة، من الآية: 158]، "أبدأ بما بدأ الله به".
وللنّسائي: "ابْدؤوا" على الأمر.
ثم رقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره، وقال: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبدهُ، وهزم الأحزاب وحده" ، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرّات، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلمّا انصبّتْ قدماه سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد، مشى، وذلك قبل الميلين الأخضرين في أوّل المسعى، والظّاهر أنّ الوادي لم يتغيّر عن وضعه.
فكان ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا وَصَلَ المروة رقى عليها، واستقبل البيت، وكبّر الله ووحّده، وفعل كما فعل على الصّفا.
فلمّا أكمل سعيه عند المروة، أَمَرَ كّل مَن لا هدي معه أن يحلّ حتماً، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كلّهن وأن يبقوا كذلك إلى يوم التّروية، ولم يحلّ من أجل هديه.
هناك قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهديَ، ولَجَعَلْتُها عمرة".
وهناك دعا للمحلّقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصّرين مرّة.
وأمّا نساؤه فأحللن، وكن قارنات إلاّ عائشة، فإنّها لم تحلّ من أجل تعذر الحلّ بالحيض، وأمر مَن أهلّ كإهلاله أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي، وأن يحلّ إن لن يكن معه هدي.
وكان يصلّي مدّة مقامه إلى يوم التّروية بمنْزله بالمسلمين بظاهر مكّة، فأقام أربعة أيام يقصر الصّلاة، فلمّا كان يوم الخميس ضحى توجّه بِمَن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحجّ مَن كان أحلّ منهم من رحالهم، ولم يدخلوا إلى المسجد، بل أحرموا ومكّة خلف ظهرهم.
فلمّا وصل إلى منى نزل وصلّى بها الظّهر والعصر وبات بها، فلمّا طلعت الشّمس، سار إلى عرفة، وأخذ على طريق ضبّ على يمين طريق النّاس اليوم، وكان من الصّحابة الملبِّي، ومنهم المكبِّر، وهو يسمع ولا ينكر، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية شرقي عرفات، وهي خراب اليوم، فنَزل فيها حتى إذا زالت الشّمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عُرَنَة.
فخطب النّاس وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشّرك والجاهلية، وقرّر فيها تحريم المحرّمات التي اتّفقت الملل على تحريمها وهي الدّماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كلّه وأبطله.
وأوصاهم بالنّساء خيراً وذكر الحقّ الذي لهنّ وعليهن، وأنّ الواجب لهم الزّرق، والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك تقديراً، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن مَن يكرهه أزواجهن.
وأوصى فيها الأمّة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنّهم لن يضلّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون، وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد إنّك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحتَ. فرفع إصبعه إلى السّماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرّاتٍ، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم وخطب خطبةً واحدةً ولم تكن خطبتين جلس بينهما.
فلمّا أتمّها، أمر بلالاً فأذّن، ثم أقام، فصلّى الظّهر ركعتين أسرّ فيهما القراءة وكان يوم الجمعة، فدلّ على أنّ المسافر لا يصلّي الجمعة، ثم أقام، فصلّى العصر ركعتين أيضاً، ومعه أهل مكّة، فصلّوا بصلاته قصراً وجمعاً، وفيه أوضح دليل على أنّ سفر القصر لا يتحدّد بمسافةٍ معلومةٍ(*1).
فلمّا فرغ من صلاته، ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصّخرات، واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدّعاء والتّضرّع والابتهال إلى غروب الشّمس، وأمر النّاس أن يرفعوا عن بطن عُرَنَةَ، وأخبر أنّ "عرفة كلّها موقف" ، وأرسل إلى النّاس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنّها من إرث أبيهم إبرهيم، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، وأخبرهم: "أنّ خير الدّعاء يوم عرفة".
وذكر من دعائه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الموقف: "اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مَآبي، ولك ربِّ تراثي، اللهم إنّي أعوذ بك من عذاب القبر،وسوسة الصّدر، وشتات الأمر، اللهم إنّي أعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح". ذَكَرَهُ التّرمذي.
ومما ذكر من دعائه هناك: "اللهم إنّك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرّي وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير مَن خضعت لك رقبتُهُ، وفاضت لك عيناه، وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك ربّ شقيّاً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين". ذكر الطّبراني.
وذكر أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه، كان أكثر دعاء النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يوم عرفة: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير".
وأسانيد هذه الأدعية فيها لين.
وهنا أنْزلت عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} ، [المائدة، من الآية: 3].
وهناك سقط رجل عن راحلته، فمات فأمرَ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيبٍ، وأن يغسل بماءٍ وسدرٍ، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أنّ الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبِّي.
وفيه اثنا عشر حكماً:
الأوّل: وجوب غسل الميّت.
ثّاني: أنّه لا ينجس بالموت؛ لأنّه لو تنجس، لم يزده غسله إلاّ نجاسة.
الثّالث: أنّ الميّت يغسل بماءٍ وسدرٍ.
الرّابع: أنّ تغير الماء بالطّاهرات لا يسلبُهُ طهوريته.
الخامس: إباحة الغسل للمحرم.
السّادس: أنّ المحرم غير ممنوع من الماء والسّدر.
السّابع: أنّ الكفن مقدّم على الميراث وعلى الدّين؛ لأنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه.
الثّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين.
التّاسع: أنّ المحرم ممنوع من الطّيب.
العاشر: أنّ المحرم ممنوع من تغطية رأسه.
الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه. وبإباحته، قال ستة من الصّحابة، واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء، وأجابوا عن قوله: "لا تخمّروا وجهه" بأنّ هذه اللّفظة غير محفوظة.
الثّاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت.
فلما غربت الشّمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة، أفاض من عرفة، وأردف أُسامة بن زيد خلفَهُ، وأفاض بالسّكينة وضمّ إليه زمام ناقته حتى إنّ رأسها ليضرب طرف رحله، وهو يقول: " أيّها النّاس عليكم السّكينة، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع". أي: بالإسراع.
وأفاض من طريق المأزمَيْنِ، ودخلَ عرفة من طريق ضبّ، وهكذا كانت عادته ـ صلوات الله وسلامُهُ عليه ـ في الأعياد أن يخالف الطّريق، ثم جعل يسير العَنَق وهو ضرب من المسير ليس بالسّريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة ـ وهو المتسع ـ نصّ سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوة من الرّبى أرخى للنّاقة زمامها قليلاً حتى تصعد.
وكان يلبِّي في مسيره ذلك لا يقطع التّلبية، فلمّا كان في أثناء الطّريق نزل، فبال وتوضّأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة: الصّلاة يا رسول الله. قال: "المصلّى أمامك ".
ثم سار حتى أتى مزدلفة فتوضأ وضوء الصّلاة، ثم أمرَ بالأذان، فأذن المؤذّن، ثم أقام، فصلّى المغرب قبل حطّ الرّحال، وتبريك الجمال، فلمّا حطّوا رحالهم أمرَ، فأقيمت الصّلاة، ثم صلّى العشاء بإقامةٍ بلا أذانٍ، ولم يصلّ بينهما شيئاً، ثم نام حتى أصبح.
ولم يحي تلك اللّيلة، ولا صحّ عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، وأذن في تلك اللّيلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشّمس.
وأمّا الحديث الذي فيه أنّ أمّ سلمة رمت قبل الفجر، فحديث منكر أنكره أحمد وغيره، ثم ذكر حديث سَوْدة، وأحاديث غيره، ثم قال:
"ثُمَّ تأملنا فإذا أنّه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فإنّه أمَر الصّبيان أن لا يرمُوا الجمرة حتى تطلع الشّمس، فإنّه لا عذر لهم في تقديم الرّمي، أمّا من قدمه من النّساء: فرمين قبل طلوع الشّمس للعُذر، والخوف عليهن من المزاحمة، وهذا الذي دلّت عليه السّنة: جواز الرّمي قبل طلوع الشّمس لعذرٍ من مرضٍ أو كبرٍ، وأمّا القادر الصّحيح فلا يجوز له ذلك. والذي دلّت عليه السّنة إنّما هو التّعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف اللّيل، وليس مع مَن حدّه بالنّصف دليل".
فلمّا طلع الفجر صلاّها في أوّل الوقت ـ لا قبله قطعاً ـ بأذانٍ وإقامةٍ،ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير والتّهليل والذّكر حتى أسفر جدّاً، ووقف ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في موقفه، وأعلم النّاس أنّ مزدلفة كلّها موقف، ثم سار مردفاً للفضل وهو يلبِّي في مسيره، وانطلق أُسامة على رجليه في سُبّاقِ قريش.
وفي طريقه ذلك أمر ابن عبّاس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسّرها من الجبل تلك اللّيلة، كما يفعله مَن لا علم عنده، ولا التقطها باللّيل، فالتقط له سبعاً من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفّه، ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا، وإيّاكم والغلوّ في الدّين، فإنّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوّ في الدّين". فلمّا أتى بطن محسِّر حرّك ناقته وأسرع السّير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، فإنّ هناك أصاب أصحاب الفيل ما قصّ الله، ولذلك سُمِّي وادي محسِّر؛ لأنّ الفيل حسّر فيه، أي: أعيي وانقطع عن الذّهاب إلى مكّة.
وكذلك فعل في سلوكه الْحجر. ومحسّر: برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه، وعُرَنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كلّ مشعرين برزخ ليس مهما، فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسّر من الحرم، وليس بمشعرٍ، ومزدلفة: حرم ومشعر، وعُرَنَة ليست مشعراً، وهي من الحلّ، وعرفة: حلّ ومشعر.
وسلك الطّريق الوسطي بين الطّريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكباً بعد طلوع الشّمس واحدةً بعد واحدةٍ، يكبّر مع كلّ حصاةٍ وحينئذٍ قطع التّلبية وبلال وأُسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلّه بثوبه من الحرّ.
وفيه جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه.
فصل
ثم رجع إلى منى، فخطب خطبةً بليغةً أعلمهم فيها بحرمة يوم النّحر وتحريمه وفضله، وحرمة مكّة على جميع البلاد، وأمر بالسّمع والطّاعة لِمَن قادهم بكتاب الله، وأمر النّاس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: "لعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا" ، وعلّمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر النّاس أن لا يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعضٍ، وأمر بالتّبليغ عنه، وأخبر أنّه "رُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ" ، وقال في خطبته: "لا يجني جانٍ إلا على نفسه". وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والنّاس حولهم، وفتح الله له أسماع النّاس حتى سمعه أهل منى في منازلهم، وقال في خطبته تلك: "أعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربّكم" . وودع حينئذٍ النّاس، فقالوا: حجة الوداع.
ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، وكان عددها عدد سني عمره، ثم أمسك، وأمر عليّاً أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدّق بجلالها وجلودها ولحومها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئاً منها، وقال: " نحن نعطيه من عندنا" ، وقال: "مَن شاء اقتطع".
فإن قيل ففي (الصّحيحين) عن أنس في حجّته: ونحر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بيده سبع بُدُن قياماً؟
قيل: يخرج على أحد وجوه ثلاثة:
حدها: أنّه لم ينحر بيده أكثر من سبع بُدُنٍ، وأنّه أمر مَن نحر إلى تمام ثلاث وستّين، ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليّاً، فنحر ما بقي.
الثّاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلاّ السّبع، وشاهد جابر تمام النّحر.
الثّالث: أنّه نحر بيده منفرداً سبعاً، ثم أخذ هو وعليّ الحربة معاً فنحرا كذلك تمام ثلاث وستّين، كما قال غُرْفَة بن الحارث الكندي1: أنّه شاهد النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يومئذٍ قد أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليّاً فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البُدْن، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة. والله أعلم.
ولم ينقل أحد أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو ضحاياهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، وأمّا قول عائشة: ضحّى عن نسائه بالبقر، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، فإنّهن كن متمتّعات، وعليهن الهدي، وهو الذي نحره عنهن، لكن في قصّة نحر البقرة عنهن وَهُنَّ تسع إشكال، وهو: إجزاء البقرة عن أكثر من سبعةٍ، وهذا الحديث جاء بثلاثة ألفاظ:
أحدها: بقرة واحدة بينهن.
الثّاني: أنّه ضحّى عنهن يومئذٍ بالبقر.
الثّالث: دُخِل علينا يوم النّحر بلحم بقرٍ، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن أزواجه.
وقد اختلف في عدد مَن تجزئ عنه البدنة والبقرة.
فقيل: سبعة. وقيل: عشرة. وهو قول إسحاق، ثم ذكر أحاديث. ثم قال: وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثةٍ: إمّا أن يقال: أحاديث السّبعة أكثر وأصحّ، وإمّا أن يقال: عدد البعير بعشر من الغنم في الغنائم، لأجل تعديل القسمة، وأمّا في الهدايا والضّحايا، فهو تقدير شرعي، وإمّا أن يقال: ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل. والله أعلم.
ونحر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بمنحره بمنى، وأعلمهم أنّ "منى كلّها منحر "، وأن "فجاج مكّة طريق ومنحر".
وفيه دليل على أنّ النّحر لا يختصّ بمنى، بل حيث نحر من فجاج مكّة أجزأه، لقوله: "وقفت ها هنا وعرفة كلّها موقف" .
وسئل أن يُبْنَى له بمنى مظلّة من الحرّ، فقال: "لا. مِنى مناخ مَن سبق".
وفيه دليل على اشتراك المسلمين فيها، وأنّ مَن سبق إلى مكانٍ، فهو أحقّ به حتى يرتحل عنه، ولا يملك بذلك.
فلمّا أكمل نحره، استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، وقال: "يا معمر أمكنك رسول الله من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى" . فقال: أمّا والله يا رسول الله إنّ ذلك لمن نعمة الله عليَّ ومنّه. قال: "أجل". ذكره أحمد. وقال له: "خذ". وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم قسمه بين مَن يليه، ثم أشار إليه، فحلق الأيسر، ثم قال: "ها هنا أبو طلحة؟ " فدفعه إليه.
ودعا للمحلّين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصّرين مرّة، وهو دليل على أنّ الحلق نسكٌ ليس بإطلاق من محظور.
فصل
ثم أفاض إلى مكّة قبل الظّهر راكباً، فطاف طواف الإفاضة، ولم يطف غيره، ولم يسع معه، هذا هو الصّواب، ولم يرمل فيه، ولا في طواف الوداع، وإنّما رمل في طواف القدوم.
ثم أتى زمزم وهم يسقون، فقال: "لولا أن يغلبكم النّاس لنَزلت فسقيت معكم" ، ثم ناولوه الدلوّ، فشرب وهو قائم، قيل: لأنّ النَّهي عن الشّرب قائماً على وجه الاختيار، وقيل: للحاجة وهو أظهر.
وفي (الصّحيح) عن ابن عبّاس: طاف رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حجّة الوداع على بعيرٍ يستلم الرّكن بمحجن، وفيه مثله من حديث جابر، وفيه: لأن يراه النّاس، وليشرف، وليسألوه، فإنّ النّاس غشوه. وهذا ليس بطواف الوداع، فإنّه طافه ليلاً، ولا طواف القدوم، فإنّه رمل فيه، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، ثم رجع إلى منى.
واختلف هل صلّى الظّهر بها أو بمكّة؟وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافاً واحداً، وسعت سعياً واحداً أجزأها عن حجّها وعمرتها.
وطافت صفية ذلك اليوم، ثم حاضت فأجزأها ذلك عن طواف الوداع، فاستقرّت سنته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا حاضت المرأة قبل الطّواف أن تقرن وتكتفي بطوافٍ واحدٍ، وسعيٍ واحدٍ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع.
ثم رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلمّا أصبح انتظر زوال الشّمس، فلمّا زالت مشى إلى الجمرة ولم يركب فبدأ لجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصياتٍ واحدة بعد واحدةٍ يقول مع كلّ حصاةٍ: الله أكبر، ثم تقدّم عن الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورة البقرة، ثم أتى الوسطى، فرماها كذلك.
ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو قريباً من وقوفه الأوّل، ثم أتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي وجعل البيت عن يساره، فرماها بسبع حصيات كذلك، ثم رجع، ولم يقف عندها.
فقيل: لضيق المكان، وقيل: ـ وهو أصّح ـ إنّ دعاءه كان في نفس العبادة، فلمّا رماها، فرغ الرّمي، والدّعاء في صلب العبادة أفضل.
ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل الصّلاة أو بعدها، والذي يغلب على الظّنّ أنّه قبلها؛ لأنّ جابراً وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشّمس.
صل
فقد تضمنت حجته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ستّ وقفاتٍ للدّعاء: على الصّفا، وعلى المروة، وبعرفة، وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثّانية.
وخطب بمنى خطبتين، يوم النّحر وتقدمت، والثّانية في أوسط أيام التّشريق، واستأذنه العبّاس أن يبيت بمكّة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل، فأرخص لهم أن يرموا يوم النّحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعده يرمونه في أحدهما.
قال مالك: "ظننتُ أنّه قال: في أوّل يومٍ منهما، ثم يرمون يوم النّفر".
وقال ابن عيينة في هذا الحديث: "رخص للرّعاء أن يرموا يوماً، ويَدَعُوا يوماً، فيجوز للطّائفتين بالسّنة ترك المبيت بمنى".
وأمّا الرّمي، فإنّهم لا يتركونه، بل لهم أن يؤخرّوه إلى اللّيل، ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يومٍ.
ومَن له مالٌ يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا يمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النّصّ على هؤلاء.
ولم يتعجل في يومين، بل تأخّر حتى أكمل الرّمي في الأيام الثّلاثة، وأفاض يوم الثّلاثاء بعد الظّهر إلى المحصب، وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافعٍ قد ضرب قبّته هناك، وكان على ثقله توفيقاً من الله ـ عزّ وجلّ ـ دون أن يأمره به رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فصلّى به الظّهر والعصر، والمغرب والعشاء، ورقد رقدةً، ثم نهض إلى مكّة، فطاف للوّداع ليلاً سحراً.
رغبت إليه عائشة تلك اللّيلة أن يعمرها عمرةً مفردةً، فأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبالصّفا والمروة قد أجزأها عن حجّها وعمرتها، فأبت إلاّ أن تعتمر عمرةً مفردةً، فأمر أخاها أن يعمرها من التّنعيم، ففرغت من عمرتها ليلاً، ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف اللّيل، فقال: "فرغتما؟"، قالت: نعم. فنادى بالرّحيل، فارتحل النّاس.
وفي حديث الأسود في (الصّحيح) عنها: فلقيني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو مصعد من مكّة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها.
ففيه أنّهما تلاقيا، وفي الأوّل أنّه انتظرها في منْزله، فإن كان حديث الأسود محفوظاً، فصوابه: لقيني وأنا مصعدة من مكّة وهو منهبط إليها. فإنّها قضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكّة للوداع، وله وجه غير هذا. واختلف في التّحصيب هل هو سنة أو منْزل اتّفاق؟
ويرى كثير من النّاس أنّ دخول البيت من سنن الحجّ، اقتداءً بالنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، والذي تدلّ عليه سنته أنّه لم يدخله في حجّته، ولا في عمرته، وإنّما دخله عام الفتح، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنّه فعله يوم الفتح.
وأمّا ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه وبسطهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يفعله. فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد وغيره: يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع، وكان ابن عبّاس يلتزم ما بين الرّكن والباب.
وفي (صحيح البخاري) أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لما أراد الخروج، ولم تكن أمّ سلمة طافت بالبيت وهي شاكية، وأرادت الخروج، فقال لها: "إذا أقيمت صلاة الصّبح، فطوفي على بعيرك والنّاس يصلّون". ففعلت ولم تصلّ حتى خرجت، وهذا محال أن يكون يوم النّحر، فهو طواف الوداع بلا ريب، فظهر أنّه صلّى الصّبح يومئذٍ بمكّة، وسمعته أمّ سلمة يقرأ بـ: (الطّور) ثم ارتحل راجعاً إلى المدينة.
فلمّا كان بالرّوحاء لقي رَكْباً، فسلّم عليهم، وقال : "مَن القوم؟ "، فقالوا: المسلمون. قالوا: فمَن القوم؟ فقال: "رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ"، فرفعت إليه امرأة صبيّاً لها من محفةٍ، فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌّ؟ قال: "نعم، ولك أجر".
فلَمّا أتى ذا الحليفة، بات بها، فلمّا رأى المدينة كبّر ثلاث مرّات، وقال: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دخلها نهاراً من طريق المعرس وخرج من طريق الشّجرة.
________________________________________
1)إختلف العلماء في قصر المكي فمنهم من اجاز ومنهم من قال بأن أهل مكة أتموا ...ومن قال بالقصر إختلفوا في كون القصر للنسك أم للسفر..وما عليه ابن القيم وبن تيمية هو أن القصر للسفر..ويرى المالكية والشافعية أن القصر للنسك وكثير من المعاصرين من الحانبلة قالوا بأن القصر للنسك والخلاف في هذا الباب كبير وكل قول له دليله القوي .. فسر على نهج من تتبعه من فتاوى العلماء الذي تسير على فتواه.
محاضرة رحلة القلوب:
أجمل المحاضرات المسموعة حول الحج وفيها من الوقفات الممتعة...
الشيخ / عبدالمحسن الأحمد
رحلة القلوب
من هنا
موقع الشيخ عبدالمحسن الأحمد | رحلة القلوب
ــــــ
تم بحمد الله