إعلانات المنتدى


السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
مقمدمة الموضوع:​


fyk48m.jpg


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله قدم نبينا على كل نبى ارسله , وكتابنا على كل كتاب انزله , وجعل امتنا الاخيرة الاول ,فله الشكر من معتقد انه به وله , لاغنى الا فى طاعنه ولااعز الا فى التذلل لعظمته , حمدا لمن له البقاء والدوام , حمدا لمن اخرجنا بنوره الحق وهديه القيم من غياهب الظلاما , حمدا لربنا اللطيف والخبير , القاهر الشميع والبصير , الفالق والاصباح والنوى مجير من به استجار , حمدا له منزل الانفال والاعراف والانسان والانعام , على نبيه محمدا افضل خلقه عليه افضل الصلاة والسلام
الحمد لله مجيب من دعا , وفاتح الباب لعبد قرعا ,
فهو الذى من بارسال الحبيب فياسعادة المنيب المستجيب
الحمد لله على نعمائه , والشكر للمولى على الائه
حمداً جزيلا مسرمدا، متصلا بلا انقطاع أبدا،ًوأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له المليك القادر الواحد البر العزيز القاهر، يرى دبيب النملة السوداء، فوق بهيم الصخرة الصماء، في ظلمات الليلة الليلاء، وسامع للجهر والإخبات ، بسمعه الواسع للأصوات، وعلمه بما بدا و ما خفي احاط علما بالجلي والخفي
سبحانه ماذا يقول البارع في كامل ليس له مضارع،
واشهد ان محمدا عبده ورسوله ,وصفيه من خلقه وخليله ,نبى صدق هدت انوار شرعته بعد للهدى من كان عنياتا , احيا به الله قوما سعد همو , كما امات به قوما طواغيت ,واصبحت سبل الدين الحنيف به عوامر بعد ان كانت امارتيا , تركنا على البيضاء ليلها كنهارها من سلكها ماضل ولا زل
وما ذل ولا غل وما كل ولا مل وما خاب
فصلوات الله تترا والسلام ما اشرقت شمس وما غنت على الايك الحمام
ماطاف بالبيت الحجيج وما دعا فيه الانام ما رتلوا من ما امنو خلف الامام , مارددت التكبير فوق ماذن قد عانقت كبد الغمام , على النبى المصطفى الهمام , مانزل القطر من الغمام , واختلف الضيا مع الظلام , والال والازواج والاصحاب والتابعين من اولى الالباب​

أما بعد :

إن من الواجب علينا أن نعيد تأهيل انفسنا وان نربطها بتاريخنا الإسلامي وخاصة بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولو أنا عرضنا سيرته وشخصيته بالشكل الصحيح لأولادنا وبناتنا لما إبتغوا عنه بديلا...((سلمان العودة))
إن أمتنا اليوم في أمس وأشد الحاجة إلى أن ترتبط بنبيها في جميع أحواله وأقواله وأن تطبق سنته ففي زمن طبق فيه أهله السنة أصبح رعاة الغنم قادة الامم..وفي زمن ترك أهله السنة أصبح من في اعلى في حضيد الأدنى... نجد اليوم الكثير والكثير يطالعون في كتب الغرب للإستفادة من خبراتهم ولا بأس بل هم محمود ولكن تناسى كثير منـَا أن لدينا مدرسة شملت كل نواحي الحياة مدرسة ملمة بأي شيء تريده في حياتك إنها مدرسة النبوة التي غفلنا عن تدبرها وتدبر مواقفها ... فلو أننا أعدنا وكررنا و قرأن وطالعنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بكامل الفرك والتأمل لإستفدنا في حياتنا وفي تعاملنا وفي دعوتنا وفي جميع نواحي حياتنا حتى أن احدنا حين يشكل عليه شيء أو موقف معين يرجع فيطالع السيرة فيجد حلا لمشكلته...
فمن هذا المنطلق فإني دعوت نفسي وجالدتها في كتابة تأملات و مواقف من السيرة العطرة بتلخيص من كتب السيرة الكبرى والصغرى وبأسلوب قد يـُفهم لدى القارئ فقررت مع حوار نفسي ... كتبابة السيرة بصيغ مختلفة ومن كتب مختلفة وبإذن الله بأساليب مختلفة... ومن مَن قررت طرح موضعي الذي قد يدوم سنوات هذا الموقع الكريم لعلنا أن نقدم ما نفيد ... أسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد...
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
محمد كأنك تراه..

)إطلالة على السيرة:محمد كأنك تراه ’’ تلخيص من كتاب مع المصطفى للشيخ سلمان:-



محمد كأنك تراه​



500X361.jpg

إن الله تبارك وتعالى قد إختار محمدا صلى الله عليه وسلم واصطفاه لختم النبوة فقال : ((وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)) *(1) . ومن ثم جعله قدوة للناس جميعا فقال : ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا))*(2) .

ومن هنا فلا غرو أن تصبح سيرة النبي صلى الله عليه وسلم صفحة مكشوفة للناس الذين عاشوا عهده أجمعين.. فقد كانو يعلمون أدق التفاصيل عن حياته وسيرته وشخصيته وأموره العامة وأموره الخاصة فقد كان أزاوجه ناقلين للذي في بيتوهن نقلا مفصلا عملا بما في الكتاب ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا))*(3).
حتى إننا نعلم اليوم من سيرته وتفاصيل حياته في البيت وفي السفر و الإقامة وفي أشياء كثيرة مما لا نعلمه عن كل المشاهير بل لا نعلمه عن الآباء و الامهات بل ولا أبالغ إذا قلت : إننا نعلم من سيرته ملا نعلمه من أنفسنا!!
لقد أذن الله أن تحفظ هذه السيرة بتفاصيلها ، فحين تقرأ في كتب الشمائل المحمدية للترمذي ومختصرة للألباني أو من السير العامة كسيرة ابن هشام و تهذبها وحدائق الأنوار و غير ذلك مما ذكر في كتب السنن أو ما يسمى بالكتب الستة الشاملة لأحاديثه عليه الصلاة والسلام...
إن من أجمل مافي هذه السيرة النبوية العطرة أن الله سبحانه وتعالى حين أذن أن تكون قدوة للناس جميعا ، فإنه سبحانه أقام الحجة بحفظها وتدوينها وضبطها بشلك لا مثيل له .
لقد إختار الله نبيه صلى الله عليه وسلم على علم ، فزكـَ ظاهره وباطنه وقوله وفعله ومظهره ومخبره.
رسول العلا والفضل والخير والهدى
لكل سطور المجد اسمك مبتدا
ولي في معانيك الحسان تأمل
سمعت به قلبي يقول محمدا
ويهتز للذكرى حنينا وحرقة
فيهتاجه الشوق الذي جاوز المدى
ويغمره فيض من الوجد سابغ
يضوغ به قلبي أريجا موردا*(4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ{1}ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)سورة الأحزاب آية 40.
2)سورة الأحزاب آية 21.
3)سورة الأحزاب آية 34.
4)للشاعر وليد الأعظمي.
 

مصطفى راضى

مراقب قدير سابق
7 مارس 2009
9,308
27
0
الجنس
ذكر
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

جزاك الله خيرا
أخى ابو توفيق
وبارك الله فيك
وجعله الله فى ميزان حسناتك
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
صور من بيت النبوة...

حياك الله أخي مصطفى ... جعلك الله من المصطفين الأخيار يوم الحشر والفرار...






2)نبذة عن بيته:x15::


attachment.php

صور من بيت النبوة​

دعونا في هذه الصفحات نتناول صور من بيت النبوة الذي جمع أفضل البشر مع زوجاته أمهات المؤمنين رضى الله عنهن وأرضاهن ذلك البيت الذي كان عبارة عن حجرات صغيرة لاتتجاوز 3.5* 5م
قد تزيد أو تنقص ..

mid.gif
mid.gif
mid.gif
mid.gif


فقد روى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشّى من خارج بمسوح الشعر، واظن عرض البيت من باب الحجرة نحوا من ستة أو سبعة اذرع، وأحرز البيت من الداخلي عشرة اذراع. ويصفها لنا الحسن البصري وهو الذي رُبِّى في حجر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: كنت أدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام مراهق وأنال السقف بيدي، وكان لكل بيت حجرة وكانت حجرة من أكسية من خشب عرعر، ويتميز فرشها بالبساطة حيث يفرش بعضها بالحصروهو بساط من سعف النخل

mid.gif
mid.gif
mid.gif
mid.gif


وبيوت النبي صلى الله عليه وسلم أو حجرات أمهات المؤمنين كما يلي

mid.gif
mid.gif
mid.gif
mid.gif


حجرة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بها القبر الشريف وقبر صاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما

وبمحاذاة غرفة عائشة رضي الله عنها جنوباً حجرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما حيث يقف من يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن،

وحجرة أم المؤمنين سودة رضي الله عنها شرق حجرة عائشة يفصل بينهما جدار فقط.

ويلي حجرة عائشة رضي الله عنها من جهة الشمال منزل علي وفاطمة رضي الله عنهما، وهو عبارة عن حجرة أيضاً يفصل بين الحجرتين طريق ضيق،

وشرق حجرة فاطمة رضي الله عنها ومنزل علي رضي الله عنه حجر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها

ويتصل بحجرة أم سلمة من الشرق حجرة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، يفصل بينهما جدار،

وتتصل بها جنوباً حجرة أم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله عنهما (أم المساكين) ويفصل بينهما جدار أيضاً،

وشبك الحديد المشاهد حالياً يحوي طبعاً حجرة أم المؤمنين عائشة، وحجرات كل من أمهات المؤمنين: أم سلمة، زينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة، وسودة رضي الله عنهن جميعاً، إضافة إلى حجرة فاطمة رضي الله عنها (منزل علي رضي الله عنه)
أما حجرة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها فهي في المواجهة الشريفة أى غير موجودة حالياً،

وأصبحت هذه الحجرات داخل المسجد النبوي محجوزة ب(شبك الحديد) كما أن الحجرة النبوية بنيت بشكل هندسي خماسي يحول بين المصلين واستقبالها..

أما حجرات بقية أمهات المؤمنين فتقع شمال مسجده صلى الله عليه وسلم متصلة به في عهده صلى الله عليه وسلم في جنوب المظلات الأمامية حالياً أي جنوب فيما كان يسمى بالحصوة الأمامية.
حيث حجرة أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها وتلي موقع (أهل الصفة) غرباً،

وعلى نفس امتدادها على الغرب حجرة أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما (أم حبيبة)

وغربها حجرة أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها بالقرب من باب الرحمة حالياً،

والحجرات الثلاث (حجرة كل من صفية، رملة، وجويرية رضي الله عنهن) دخلت في مساحة المسجد النبوي قديماً،

mid.gif
mid.gif
mid.gif
mid.gif


وعندما أدخلت الحجرات في المسجد في عهد الوليد بن عبدالملك، بكى الناس لذلك، وقال سعيد بن المسيب إذ ذاك والله لوددت أنهم تركوها على حالها ليراها النشء من أهل المدينة، ويقدم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فيكون ذلك داعياً إلى ترك التفاخر والتكاثر.
 

مصطفى راضى

مراقب قدير سابق
7 مارس 2009
9,308
27
0
الجنس
ذكر
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

جزاك الله خيرا
على التكملة والشرح الرائعين
وحقا كان النبى صلى الله عليه وسلم مثالا للتواضع
فسقف بيته سعف النخيل
وفراشه الحصير
بأبى أنت وامى يا رسول الله
بارك الله فيك أخى وننتظر جديدك
 

ابنةُ اليمِّ

مدير عام قديرة سابقة و عضو شرف
عضو شرف
26 مايو 2009
25,394
1,156
0
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

جزاك الله خيرا أخى الكريم على هذه السيرة العطرة

جعلها الله فى ميزان حسناتك

و:x15:
 

أسيرة المدينة

مزمار ألماسي
4 أكتوبر 2008
1,498
1
0
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعانك الله وسدد خطاك وحقق مبتغاك ..
وجزاك جنته ووالديك ..

أسأل الله أن يجعل ماتقدم في ميزان حسناتكـ ..
اللهم احشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..

:x15:​

في أمان الله ...
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

حياكم الله ونشكركم على مروركم وتعليقاتكم......

5768_1185385429357_1069908928_30566200_4599478_n.jpg

النسب والمولد ’’ من الرحيق المختوم ’’

نسب النبي صلى الله عليه وسلم:
نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء : جزء اتفق عليه كافة أهل السير والأنساب، وهو الجزء الذي يبدأ منه صلى الله عليه وسلم وينتهي إلى عدنان .

وجزء آخر كثر فيه الاختلاف، حتى جاوز حد الجمع والائتلاف، وهو الجزء الذي يبدأ بعد عدنان وينتهي إلى إبراهيم عليه السلام فقد توقف فيه قوم، وقالوا : لا يجوز سرده، بينما جوزه آخرون وساقوه . ثم اختلف هؤلا المجوزون في عدد الآباء وأسمائهم، فاشتد اختلافهم وكثرت أقوالهم حتى جاوزت ثلاثين قولًا، إلا أن الجميع متفقون على أن عدنان من صريح ولد إسماعيل عليه السلام .

أما الجزء الثالث فهو يبدأ من بعد إبراهيم عليه السلام وينتهي إلى آدم عليه السلام، وجل الاعتماد فيه على نقل أهل الكتاب، وعندهم فيه من بعض تفاصيل الأعمار وغيرها ما لا نشك في بطلانه، بينما نتوقف في البقية الباقية .

وفيما يلى الأجزاء الثلاثة من نسبه الزكي صلى الله عليه وسلم بالترتيب :

الجزء الأول : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ واسمه شَيْبَة ـ بن هاشم ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة ـ بن قُصَىّ ـ واسمه زيد ـ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فِهْر ـ وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن النَّضْر ـ واسمه قيس ـ بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة ـ واسمه عامر ـ بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان .

الجزء الثانى : ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أُدَد بن الهَمَيْسَع بن سلامان بن عَوْص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخى بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حَمْدان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد ابن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمى بن مزى بن عوضة بن عرام بن قيدار ابن إسماعيل بن إيراهيم عليهما السلام .

الجزء الثالث : ما فوق إبراهيم عليه السلام، وهو ابن تارَح ـ واسمه آزر ـ بن ناحور بن ساروع ـ أو ساروغ ـ بن رَاعُو بن فَالَخ بن عابر بن شَالَخ بن أرْفَخْشَد بن سام بن نوح عليه السلام بن لامك بن مَتوشَلخَ بن أَخْنُوخ ـ يقال : هو إدريس النبي عليه السلام ـ بن يَرْد بن مَهْلائيل بن قينان بن أنُوش بن شِيث بن آدم ـ عليهما السلام .


المولد

ولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول*(1)، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان ـ المنصورفورى ـ رحمه الله .
وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : لما ولدته خرج من فرجى نور أضاءت له قصور الشام . وروى أحمد والدارمى وغيرهما قريبًا من ذلك .
وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما . وليس له إسناد مثبت، ولم يشهد له تاريخ تلك الأمم مع قوة دواعى التسجيل .
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له . واختار له اسم محمد ـ وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب ـ وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون .
وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوع ـ ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له : مَسْرُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي .

ـــــــــــــــــــــــ{3}ــــــــــــــــــــــــ
1) وقد إختلف في مولده فمنهم من قال بالثاني عشر ومنهم من قال بالتاسع ومنهم من قال فوق ذلك والظاهر أن صاحب كتاب الرحيق’’صفي الدين’’ يرى القول الراجح أن الولادة كانت في اليوم التاسع.
*) وفي هذا رد على الصوفية فهم حقيقة لا يحتفلون بالمولد أصلا لأن الولادة مختلف في أي يوم أم الوفاة فهي على الإحماع في اليوم الثاني عشر فهؤلاء يحتفلون حقيقة بالوفاة و هذا دليل على جهلهم بالسنة وإتباعهم الهوى بإقامة البدع.
 

*رضا*

إداري قدير سابق وعضو شرف
عضو شرف
4 يونيو 2006
41,913
120
63
الجنس
ذكر
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

الســــــــــلام عليكــــــــــم ورحمــة الله وبركـاتـــــــه
سيرة عطرة وشيّقة..


جعلها الله في ميزان حسناتك أخي الكريم وجزاك خيرا
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

حياكم الله وأحياكم للأمة...

n1069908928_6212.jpg


هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام ...’’رمضان وغيره’’((من مختصر زاد المعاد))​

...
فصل: في هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الصّيام
لما كان المقصود من الصّيام حبس النّفس عن الشّهوات، لتستعدّ لطلب ما فيه غاية سعادتها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظّمأ من حدتها، ويذكّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشّيطان من العبد بتضييق مجاري الطّعام والشّراب، فهو لجام المتّقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقرّبين، وهو لربّ العالمين من بين الأعمال، فإنّ الصّائم لا يفعل شيئاً وإنّما يترك شهوته، فهو ترك المحبوبات لمحبّة الله، وهو سرٌّ بين العبد وربّه، إذ العباد قد يطّلعون على ترك المفطرات الظّاهرة، وأمّا كونه ترك ذلك لأجل معبوده فأمرٌ لا يطّلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصّوم.
وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظّاهرة، والقوى الباطنة عن التّخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرّديئة المانعة لها من صحّتها، فهو من أكبر العون على التّقوى، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، [البقرة الآية: 183].
وأمر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من اشتدّت شهوته للنّكاح، ولا قدرة له عليه بالصّيام، وجعله وجاء هذه الشّهوة.
وكان هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فيه أكمل هدي، وأعظمه تحصيلاً للمقصود، وأسهله على النّفوس، ولما كان فطم النّفوس عن شهواتها ومألوفاتها من أشقّ الأمور، تأخر فرضه إلى ما بعد الهجرة، وفرض أوّلاً على وجه التّخيير بينه وبين أن يُطعم كلّ يوم مسكيناً، ثم حتم الصّوم، وجعل الإطعام للشّيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا، ورخّص للمريض والمسافر أن يفطرا، ويقضيا، والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، وإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكلّ يومٍ، فإنّ فطرهما لم يكن لخوف مرضٍ، وإنّما كان مع الصّحّة، فجبر بإطعام مسكين، كفطر الصّحيح في أوّل الإسلام.
وكان من هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة، وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان يكثر فيه من الصّدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصّلاة، والذّكر، والاعتكاف.
وكان يخصّه من العبادات بما لا يخصّ به غيره، حتى إنّه ليواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة.
وكان ينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنّك تواصل؟
فيقول: "لست كهيئتكم إنّي أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني". نهى عنه رحمةً للأمّة، وأذن فيه إلى السّحر.
وكان من هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلاّ برؤيةٍ محقّقةٍ، أو بشهادة شاهدٍ، فإن لم يكن رؤية ولاة شهادة، أكمل عدة شعبان ثلاثين، وكان إذا حال ليلة الثّلاثين دون منظره سحاب أكمل شعبان ثلاثين، ولم يكن صوم يوم الإغمام، ولا أمرَ به، بل أمر بإكمال عدة شعبان ولا يناقض هذا قوله: "فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" فإنّ القدر: هو الحساب المقدور، والمراد به الإكمال.
وكان من هديه الخروج منه بشهادة اثنين، وإذا شهد شاهدان برؤيته بعد خروج وقت العيد، أفطر، وأمرهم بالفطر، وصلّى العيد من الغد في وقتها.
وكان يعجل الفطر، ويحثّ عليه، ويتسحر ويحثّ عليه، ويؤخّره ويرغب في تأخيره، وكان يحضّ على الفطر على التّمر، فإن لم يجده فعلى الماء.
ونهى الصّائم عن الرّفث والصّخب والسّباب، وجواب السّباب، وأمره أن يقول لِمَن سابّه: إنّي صائم.
وسافر في رمضان، فصام، وأفطر، وخيّر أصحابه بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من العدوّ، ولم يكن من هديه تقدير المسافة التي يفطر فيها الصّائم بحدٍّ، وكان الصّحابة حين ينشؤون السّفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أنّ ذلك هديه وسنته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.
وكان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم.
وكان يقبّل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان، وشبّه قبلة الصّائم بالمضمضة بالماء، ولم يصحّ عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ التّفريق بين الشّاب والشّيخ.
وكان من هديه إسقاط القضاء عَمَن أكل أو شرب ناسياً، وأنّ الله هو الذي أطمعه وسقاه، والذي صحّ عنه تفطير الصّائم به: هو الأكل والشّرب، والحجامة والقيء، والقرآن دلّ على الجماع، ولم يصحّ عنه في الكحل شيء.
وصحّ عنه أنّه يستاك وهو صائم، وذكر أحمد عنه أنّه كان يصبّ على رأسه الماء وهو صائم، وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم، ومنع الصّائم من المبالغة في الاستنشاق.
ولا يصحّ عنه أنّه احتجم وهو صائم.
قال أحمد: وروي عنه أنّه قال في الإثمد: "ليتقه الصّائم" ولا يصّح.
قال ابن معين: حديث منكر.
وكان يصوم حتى يقال: لا يفطر. ويفطر حتى يقال: لا يصوم.
وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مِمّا كان يصوم شعبان، ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، وكان يتحرى صيام الإثنين والخميس.
وقال ابن عبّاس: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لا يفطر أيام البيض في حضرٍ ولا سفر. ذكره النّسائي. وكان يحضّ على صيامها.
وأمّا صيام عشر ذي الحجّة، فقد اختلف عنه فيه، وأمّا صيام ستة أيام من شوّال، فصحّ عنه أنّه قال: "صيامها مع رمضان يعدلُ صيام الدّهر".
وأمّا يوم عاشوراء، فإنّه كان يتحرى صومه على سائر الأيام.
ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه، فقال: "نحن أحقّ بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلمّا فرض رمضان قال: "مَن شاء صامه ومَن شاء تركه".
وكان من هديه إفطار يوم عرفة بعرفة ثبت عنه ذلك في (الصّحيحين)، وروي عنه أنّه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة رواه أهل (السّنن).
وصحّ عنه أنّ: "صيامه يكفّر السّنة الماضية والباقية". ذكره مسلم.
ولم يكن من هديه صيام الدّهر. بل قد قال: "مَن صام الدّهر لا صام ولا أفطر".
وكان يدخل على أهله، فيقول: "هل عندكم شيء؟" ، فإن قالوا: لا. قال: "إنّي إذاً صائم".
وكان أحياناً ينوي صوم التّطوّع،ثم يفطر.
وأمّا حديث عائشة، أنّه قال لها ولحفصة: "أقضيا يوماً مكانه" فهو حديث معلول.
وكان إذا نزل على قومٍ وهو صائم أتمّ صيامه، كما فعل لما دخل على أمّ سليم، ولكن أُمّ سليم عنده بمنْزلة أهل بيته.
وفي (الصّحيح) عنه أنّه قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعامٍ وهو صائمٌ، فليقل: إنّي صائمٌ".
وكان من هديه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصّوم.

_________________________{4}______________________________

)** القادم هديه في الإعتكاف...
 

فهد العويد

مزمار داوُدي
28 يوليو 2009
3,344
6
0
الجنس
ذكر
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

اعانك الله وسدد خطانا وخطاك
وجزاك الله خير
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
الاعتكاف...

هَدْيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى الاعتكاف (( من زاد المعاد لإبن القيم))​


لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقِّفاً على جمعيَّته على الله، وَلَمِّ شَعثه بإقباله بالكليَّة على الله تعالى، فإن شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على الله تعالى، وكان فُضولُ الطعام والشراب، وفُضولُ مخالطة الأنام، وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام، مما يزيدُه شَعَثاً، ويُشَتِّتُهُ فى كُلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يُضعِفُه، أو يعوقه ويُوقِفه.


ضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهِبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرِغُ مِن القلب أخلاطَ الشهواتِ المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد فى دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذى مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذِكره وحبه، والإقبالُ عليه فى محل هموم القلب وخطراته، فيستولى عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُر فى تحصيل مراضيه وما يُقرِّب منه، فيصيرُ أُنسه بالله بدَلاً عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة فى القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود

لما كان هذا المقصود إنما يتمُّ مع الصوم، شُرِع الاعتكاف فى أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يُنقل عن النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه اعتكف مفطراً قَطُّ، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم.((1))**تعليق هام.لم يذكر اللهُ سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا مع الصوم.
فالقول الراجح فى الدليل الذى عليه جمهورُ السَلَف: أن الصومَ شرطٌ فى الاعتكاف، وهو الذى كان يُرجِّحه شيخُ الإسلام أبو العباس بن تيمية.


أما الكلامُ، فإنه شُرِعَ للأمة حبسُ اللسان عن كل ما لا ينفع فى الآخرة.
وأما فُضول المنام، فإنه شُرِعَ لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبةً، وهو السهر المتوسِّطُ الذى ينفع القلبَ والبدن، ولا يَعُوقُ عن مصلحة العبد، ومدارُ رياضة أربابِ الرياضات والسلوكِ على هذه الأركان الأربعة، وأسعدُهم بها مَنْ سلك فيها المِنهاجَ النبوىَّ المحمدىَّ، ولم ينحرِفْ انحراف الغالين، ولا قصَّر تقصير المفرِّطين، وقد ذكرنا هَدْيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى صيامه وقيامه وكلامه، فلنذكر هَدْيه فى اعتكافه.
كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكِف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفَّاه الله عَزَّ وجَلَّ، وتركه مرة، فقضاه فى شوَّال.
واعتكف مرة فى العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير، يلتمس ليلة القدر، ثم تبيَّن له أنها فى العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عَزَّ وجَلَّ.

كان يأمر بخباءٍ فيُضرب له فى المسجد يخلُو فيه بربه عَزَّ وجَلَّ.
وكان إذا أراد الاعتكاف، صلَّى الفجر، ثم دخله، فأمر به مرة، فَضُرِب فأمر أزواجه بأخبيتِهنَّ، فضُرِبت، فلما صلَّى الفجر، نظر، فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه فَقُوِّضَ، وترك الاعتكاف فى شهر رمضان حتى اعتكف فى العشر الأول من شوَّال.
وكان يعتكِفُ كل سنة عشرة أيام، فلما كان فى العام الذى قُبِض فيه اعتكف عشرين يوماً، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنةٍ مرة، فلما كان ذلك العام عارضة به مرَّتين، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن أيضاً فى كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرَتَّين.
وكان إذا اعتكف، دخل قُبَّته وحدَه، وكان لا يدخل بيته فى حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجِّله، وتغسله وهو فى المسجد وهى حائض، وكانَتْ بعضُ أزواجه تزورُه وهو معتكِفٌ، فإذَا قامت تذهبُ، قامَ معها يَقْلِبُها، وكان ذلك ليلاً،

لم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتكف لا بِقُبلَةٍ ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشُه، ووضِع له سريرُه فى معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته، مرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّجُ عليه ولا يَسْأَلُ عنه. واعتكف مرة فى قبة تُركية، وجعل على سدتها حصيراً، كلّ هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعلُه الجهالُ من اتخاذ المعتكف موضِعَ عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوى لون. والله الموفق.

_________________________________(5)________________________

1)إختلف العلماء في قول أن الإتكاف لا يكون إلا بصوم أم يكون من غير صوم وترجيح بن القيم و بنتيمية انه لا يكون إلا بصوم ولكن رجح من المعاصرين من سلمان العودة و غيره بأنه يكون بغير صوم والخلاف لا يفسد للود قضية,,,(( وكل له قوله مدام معه دليل صحيح))...
 

ماجــد

مزمار داوُدي
1 أكتوبر 2008
6,377
21
0
الجنس
ذكر
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

جزاك الله خير أخي..
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

وإياك أخي الكريم
 

أبو توفيق المكي

مزمار فضي
25 يناير 2008
599
8
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
توفيق الصائغ
علم البلد
رد: السيرة النبوية تأملات ووقفات قد تدوم من التدوين شهور ’’وسنوات....

بعد إنقطاع دام شهرين ها نحن نعود لسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام..
___________________________________________________
الموضوع السادس ويحوي:
حول عشر ذي الحجة..
هده في حجه..
محاضرة رحلة القلوب..

عشر ذي الحجة:
بقلم:عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين..رحمه الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد …
فضل عشر ذي الحجة :
روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر - قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) وروى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام أعظم ولا احب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وروى ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الأيام يوم عرفة).
أنواع العمل في هذه العشر :
الأول : أداء الحج والعمرة ، وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) وغيره من الأحاديث الصحيحة .
الثاني : صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها – وبالأخص يوم عرفة – ولاشك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال وهو مما اصطفاه الله لنفسه ، كما في الحديث القدسي : ( الصوم لي وأنا أجزي به ، انه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله ، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) متفق عليه . ( أي مسيرة سبعين عاماً ) ، وروى مسلم رحمه الله عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) .
الثالث : التكبير والذكر في هذه الأيام . لقوله تعالى : ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ) وقد فسرت بأنها أيام العشر ، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن أحمد رحمه الله وفيه : ( فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهم انهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر ، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم . وروى إسحاق رحمه الله عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم انهم كانوا يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد . ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها ، لقوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) ولا يجوز التكبير الجماعي وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد ، حيث لم ينقل ذلك عن السلف وانما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده ، وهذا في جميع الأذكار والأدعية إلا أن يكون جاهلاً فله أن يلقن من غيره حتى يتعلم ، ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح ، وسائر الأدعية المشروعة .
الرابع : التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب ، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة ، فالمعاصي سبب البعد والطرد ، والطاعات أسباب القرب والود ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ان الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه ) متفق عليه .
الخامس : كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات كالصلاة والصدقة والجهاد والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك فانها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام ، فالعمل فيها وان كان مفضولاً فأنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها وان كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال إلا من عقر جواده واهريق دمه .
السادس : يشرع في هذه الأيام التكبير المطلق في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد ويشرع التكبير المقيد وهو الذي يعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة ، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة ، وللحجاج من ظهر يوم النحر ، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق .
السابع : تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق ، وهو سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم ، ( وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) متفق عليه .
الثامن : روى مسلم رحمه الله وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضّحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) وفي رواية ( فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي ) ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي ، فقد قال الله تعالى : ( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) وهذا النهي ظاهره انه يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه ، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه ولو سقط منه شيء من الشعر .
التاسع : على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى ، وحضور الخطبة والاستفادة . وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد ، وانه يوم شكر وعمل بر ، فلا يجعله يوم أشر وبطر ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها في أيام العشر .
العاشر : بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله ليحوز على رضا مولاه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

هديه صلى الله عليه وسلم..من مختصر زاد المعاد..ويطول الكلام في هذا الباب ولكن كل يقرأ ما يحتاج..
صل في هديه صلى الله عليه في حجته وعمرته
...
فصل: في هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حجّه وعُمَره
اعتمر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعد الهجرة أربع عمر كلّهن في ذي القعدة:
الأولى: عمرة الحديبية سنة ستّ، فصده المشركون عن البيت، فنحرَ وحلق حيث صُدَّ هو وأصحابه وحَلُّوا.
الثّانية: عمرة القضية في العام المقبل دخلها، فأقام بها ثلاثاً ثم خرج.
الثّالثة: عمرته التي قرنَها مع حجّته.
الرّابعة: عمرته من الجعرانة، ولم يكن في عُمَره عمرة واحدة خارجاً من مكّة، كما يفعله كثير من النّاس اليوم، وإنّما كانت عمره كلّها داخلاً إلى مكّة، وقدم أقام بعد الوحي بمكّة ثلاث عشر سنة لم ينقل عنه أنّه اعتمر خارجاً من مكّة، ولم يفعله أحد على عهده قط إلاّ عائشة، لأنّها أهلّت بالعمرة، فحاضت فأمرها فقرنت، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبالصّفا والمروة قد وقع عن حجّها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحبها بحجّ وعمرة مستقلّين، فإنّهن كُنَّ متمتعات، ولم يحضن، ولم يقرن، وترجع هي بعمر في ضمن حجّتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التّنعيم تطييباً لقلبها، وكانت عُمره كلّها في أشهر الحجّ مخالفاً لهدي المشركين فإنّهم يكرهون العمرة فيها، وهذا دليل على أنّ الاعتمار في أشهر الحجّ فضل منه في رجب بلا شكّ، وأمّا في رمضان، فموضع نظر، وقد صحّ عنه أنّ: "عمرة في رمضان تعدل حجّة".
وقد يقال: كان رسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهمّ من العمرة مع ما في ترك ذلك من الرّحمة لأمّته، فإنّه لو فعل لبادرت الأمّة إلى ذلك، فكان يشقّ عليها الجمع بين العمرة والصّوم، وكان يترك كثيراً من العمل وهو يحبّ أن يعمله خشية المشقّة عليهم.
ولم يحفظ عنه أنّه اعتمر في السّنة إلاّ مرّة واحدة، ولا خلاف أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يحجّ بعد الهجرة إلاّ حجّة واحدة سنة عشر، ولَمّا نزل فرض الحجّ، بادر إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من غير تأخير، فإنّ فرضه تأخّر إلى سنة تسع أو عشر.
وأمّا قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، [البقرة، من الآية: 196]، فإنّها وإن نزلت سنة ستٍّ، فليس فيها فريضة الحجّ وإنّما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة، بعد الشّروع فيهما.
ولما عزم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على الحجّ أعلم النّاس أنّه حاجٌّ، فتجهّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجّ مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ووافاه في الطّريق خلائق لا يُحصَون، وكانوا من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله مدّ البصر، وخرج من المدينة نهاراً بعد الظّهر لستٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلّى الظّهر بها أربعاً، وخطبهم قبل ذلك خُطبة علّمهم فيها الإحرام، وواجباته وسننه، فصلّى الظّهر، ثم ترجل، وادّهن، ولبس إزاره ورداءه، وخرج فنَزل بذي الحليفة، فصلّى بها العصر ركعتين.
ثم بات بها، وصلّى بها المغرب والعشاء، والصّبح والظّهر، وكان نساؤه كلّهن معه، وطاف عليهن تلك اللّيلة.
فلمّا أراد الإحرام، اغتسل عسلاً ثانياً لإحرامه، ثم طيّبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيصُ المسك يُرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه، ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلّى الظّهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلاّه.
ولم يُنْقَل أنّه صلّى للإحرام ركعتين.
وقلّد قبل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشقّ صفحة سنامها، وسلّت الدَّم عنها.
وإنّما قلنا: إنّه أحرم قارناً. لبضعة وعشرين حديثاً صريحة صحيحة في ذلك، ولبّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رأسه بالغسل هو بالمعجمة: وهو ما يغسل به الرّأس من خطمي ونحوه يلبد به الشّعر حتى لا ينتشر، وأهلّ في مصلاّه، ثم ركب ناقته، فأهلّ أيضاً، ثم أهلَّ أيضاً لما استقلّت به على البيداء، وكان يهلّ بالحجّ والعمرة تارّةً، وبالحجّ تارةً؛ لأنّ العمرة جزء منه، فَمِن ثَمَّ قيل: قَرَن. وقيل: تمتّع. وقيل: أفرد.
وقول ابن حزم: إنّ ذلك قبل الظهر بيسير وهم منه، والمحفوظ أنّه إنّما أهلّ بعد الظّهر، ولم يقل أحد قط: إنّ إحرامه كان قبل الظّهر.
فلا أدري من أين له هذا.
ثُمّ لبّى، فقال: "لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك".
ورفع صوته بهذه التّلبية حتى سمعها أصحابه، وأمرهم بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بالتّلبية.
وكان حجّه على رحلٍ لا محملٍ وزاملته تحته، وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما.
وخيّرهم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عند الإحرام بين الأنساك الثّلاثة، ثم ندبهم عند دنوهم من مكّة إلى فسخ الحجّ والقران إلى العمرة لِمَن لم يكن معه هدي، ثم حتم ذلك عليهم عند المروة.
وولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوبٍ وتحرم وتهلَّ.
ففيه جواز غسل المحرم، وأنّ الحائض تغتسل، وأنّ الإحرام يصحّ من الحائض.
ثم سار رسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو يُلَبّي بتلبيته المذكورة، والنّاس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرّهم.
فلمّا كان بالرّوحاء، رأى حمار وحش عقيراً قال: "دعوه، فإنّه يوشك أن يأتي صاحبه". فجاء صاحبه، فقال: "شأنكم به" ، فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبا بكرٍ، فقسمه بين الرّفاق.
ففيه جواز أكل المحرم صيد الحلال إذا لم يصد لأجله.
ويدلّ على أنّ الصّيد يُملك بالإثبات.
ثم مضى حتى إذا كان بين الرّويثَةِ والْعَرْج إذا ظبي حاقف في ظلٍّ فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد، والفرق بينه وبين الحمار أنّه لم يعلم أنّ الذي صاده حلال.
ثم سار حتى إذا نزل بالْعَرْج وكانت زاملتُه وزاملة أبي بكرٍ واحدة مع غلامٍ لأبي بكرٍ، فطلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. فقال أبو بكرٍ: بعيراً واحداً وتُضله! فطفق يضربه ورسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يبتسم، ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" .
ثم مضى حتى إذا كان بالأبواء، أهدى له الصّعب بن جثامة عَجُز حمار وحشٍ، فردّه، وقال: "إنّا لم نردّه عليك إلاّ أنّا حُرم ".
فلّما مَرَّ بوادي عُسفان قال: "يا أبا بكرٍ أيّ وادٍ هذا؟". قال: وادي عُسفان. قال: "لقد مَرَّ به هود وصالح على بكرين أحمرين خُطُهما اللّيف، وأزرهما العَباء، وأرديتهما النّمار يلبُّون يحجّون البيت العتيق" . ذكره أحمد.
فلما كان بسَرف حاضت عائشة، وقال لأصحابه بسَرف: "مَن لم يكن معه هدي، فَأَحَبَّ أن يجعلها عمرة، فليفعل، ومَن كان معه هدي فلا". وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التّخيير عند الميقات، فلمّا كان بمكّة أمر أمراً حتماً مَن لا هدي معه أن يجعلها عمرة، ويحلّ من إحرامه، ومَن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتّة، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها: هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد" ، قال: ثم نهض رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى أن نزل بذي طُوى وهي المعروفة بآبار الزّاهر، فبات بها ليلة الأحد لأربعٍ خلون من ذي الحجّة، وصلّى بها الصّبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكّة، فدخلها نهاراً من أعلاها من الثّنية العليا التي تشرف على الحجون، وكان في العمرة يدخلها من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد، وذلك ضحىً.
وذكر الطّبري أنّه دخل من باب بني عبد مناف الذي يُسمّى باب بني شيبة، وذكر أحمد أنّه كان إذا دخل مكاناً من دار يعلى استقبل البيت، ودعا، وذكر الطّبري أنّه كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً".
وروي عنه أنّه كان عند رؤيته يرفع يديه، ويكبّر، ويقول: "اللهم أنتَ السّلام، ومنك السّلام، حيّنا ربّنا بالسّلام، اللهم زدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، وتكريماً ومهابةً، وزدْ مَن حجّه أو اعتمره تكريماً وتشريفاً وتعظيماً وبرّاً". وهو مرسل.
فلمّا دخل المسجد، عمد إلى البيت، ولم يركع تحيّة المسجد، فإنّ تحية المسجد الحرام الطّواف، فلمّا حاذى الحجر، استلمه، ولم يزاحم عليه، ولم يتقدّم عنه إلى جهة الرّكن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتّكبير، ولا حاذى الحجر بجميع بدنه، ثم انفتلَ عنه وجعله على شقّه الأيمن، بل استقبله واستلمه، ثم أخذ على يمينه، ولم يدع عند الباب، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقّت للطّواف ذكراً معيّناً، بل حفظ عنه بين الرّكنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، [البقرة، الآية: 201].
ورَمَلَ في طوافه هذه الثّلاثة الأشواط، وقاربَ بين خُطاه، واضطبعَ بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بِمِحْجَنه وقبّل المحجن، وهو عصاً محنية الرّأس.
وثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه استلم الرّكن اليماني، ولم يثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قبّله، ولا قبّل يده عند استلامه، وثبتَ عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قبّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنّه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم قبّلها، وثبت عنه أنّه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات. وذكر الطّبري بإسنادٍ جيّدٍ أنّه إذا استلم الرّكن قال: "بسم الله والله أكبر" ، وكلّما أتى على الحجر الأسود قال: "الله أكبر" ، ولم يستلم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولم يمسّ من الأركان إلاّ اليمانيين فقط.
فلمّا فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} ، [البقرة، من الآية: 125]، فركع ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بـ: (سورتي الإخلاص)، وقراءته الآية بيان منه المراد منها لله بفعله.
فلمّا فرغ من صلاته أقبل على الحجر، فاستلمه، ثم خرج إلى الصّفا من الباب الذي يقابله، فلمّا دنى منه قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، [البقرة، من الآية: 158]، "أبدأ بما بدأ الله به".
وللنّسائي: "ابْدؤوا" على الأمر.
ثم رقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره، وقال: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبدهُ، وهزم الأحزاب وحده" ، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرّات، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلمّا انصبّتْ قدماه سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد، مشى، وذلك قبل الميلين الأخضرين في أوّل المسعى، والظّاهر أنّ الوادي لم يتغيّر عن وضعه.
فكان ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا وَصَلَ المروة رقى عليها، واستقبل البيت، وكبّر الله ووحّده، وفعل كما فعل على الصّفا.
فلمّا أكمل سعيه عند المروة، أَمَرَ كّل مَن لا هدي معه أن يحلّ حتماً، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كلّهن وأن يبقوا كذلك إلى يوم التّروية، ولم يحلّ من أجل هديه.
هناك قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهديَ، ولَجَعَلْتُها عمرة".
وهناك دعا للمحلّقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصّرين مرّة.
وأمّا نساؤه فأحللن، وكن قارنات إلاّ عائشة، فإنّها لم تحلّ من أجل تعذر الحلّ بالحيض، وأمر مَن أهلّ كإهلاله أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي، وأن يحلّ إن لن يكن معه هدي.
وكان يصلّي مدّة مقامه إلى يوم التّروية بمنْزله بالمسلمين بظاهر مكّة، فأقام أربعة أيام يقصر الصّلاة، فلمّا كان يوم الخميس ضحى توجّه بِمَن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحجّ مَن كان أحلّ منهم من رحالهم، ولم يدخلوا إلى المسجد، بل أحرموا ومكّة خلف ظهرهم.
فلمّا وصل إلى منى نزل وصلّى بها الظّهر والعصر وبات بها، فلمّا طلعت الشّمس، سار إلى عرفة، وأخذ على طريق ضبّ على يمين طريق النّاس اليوم، وكان من الصّحابة الملبِّي، ومنهم المكبِّر، وهو يسمع ولا ينكر، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية شرقي عرفات، وهي خراب اليوم، فنَزل فيها حتى إذا زالت الشّمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عُرَنَة.
فخطب النّاس وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشّرك والجاهلية، وقرّر فيها تحريم المحرّمات التي اتّفقت الملل على تحريمها وهي الدّماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كلّه وأبطله.
وأوصاهم بالنّساء خيراً وذكر الحقّ الذي لهنّ وعليهن، وأنّ الواجب لهم الزّرق، والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك تقديراً، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن مَن يكرهه أزواجهن.
وأوصى فيها الأمّة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنّهم لن يضلّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون، وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد إنّك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحتَ. فرفع إصبعه إلى السّماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرّاتٍ، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم وخطب خطبةً واحدةً ولم تكن خطبتين جلس بينهما.
فلمّا أتمّها، أمر بلالاً فأذّن، ثم أقام، فصلّى الظّهر ركعتين أسرّ فيهما القراءة وكان يوم الجمعة، فدلّ على أنّ المسافر لا يصلّي الجمعة، ثم أقام، فصلّى العصر ركعتين أيضاً، ومعه أهل مكّة، فصلّوا بصلاته قصراً وجمعاً، وفيه أوضح دليل على أنّ سفر القصر لا يتحدّد بمسافةٍ معلومةٍ(*1).
فلمّا فرغ من صلاته، ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصّخرات، واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدّعاء والتّضرّع والابتهال إلى غروب الشّمس، وأمر النّاس أن يرفعوا عن بطن عُرَنَةَ، وأخبر أنّ "عرفة كلّها موقف" ، وأرسل إلى النّاس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنّها من إرث أبيهم إبرهيم، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، وأخبرهم: "أنّ خير الدّعاء يوم عرفة".
وذكر من دعائه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الموقف: "اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مَآبي، ولك ربِّ تراثي، اللهم إنّي أعوذ بك من عذاب القبر،وسوسة الصّدر، وشتات الأمر، اللهم إنّي أعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح". ذَكَرَهُ التّرمذي.
ومما ذكر من دعائه هناك: "اللهم إنّك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرّي وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير مَن خضعت لك رقبتُهُ، وفاضت لك عيناه، وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك ربّ شقيّاً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين". ذكر الطّبراني.
وذكر أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه، كان أكثر دعاء النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يوم عرفة: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير".
وأسانيد هذه الأدعية فيها لين.
وهنا أنْزلت عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} ، [المائدة، من الآية: 3].
وهناك سقط رجل عن راحلته، فمات فأمرَ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيبٍ، وأن يغسل بماءٍ وسدرٍ، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أنّ الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبِّي.
وفيه اثنا عشر حكماً:
الأوّل: وجوب غسل الميّت.
ثّاني: أنّه لا ينجس بالموت؛ لأنّه لو تنجس، لم يزده غسله إلاّ نجاسة.
الثّالث: أنّ الميّت يغسل بماءٍ وسدرٍ.
الرّابع: أنّ تغير الماء بالطّاهرات لا يسلبُهُ طهوريته.
الخامس: إباحة الغسل للمحرم.
السّادس: أنّ المحرم غير ممنوع من الماء والسّدر.
السّابع: أنّ الكفن مقدّم على الميراث وعلى الدّين؛ لأنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه.
الثّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين.
التّاسع: أنّ المحرم ممنوع من الطّيب.
العاشر: أنّ المحرم ممنوع من تغطية رأسه.
الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه. وبإباحته، قال ستة من الصّحابة، واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء، وأجابوا عن قوله: "لا تخمّروا وجهه" بأنّ هذه اللّفظة غير محفوظة.
الثّاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت.
فلما غربت الشّمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة، أفاض من عرفة، وأردف أُسامة بن زيد خلفَهُ، وأفاض بالسّكينة وضمّ إليه زمام ناقته حتى إنّ رأسها ليضرب طرف رحله، وهو يقول: " أيّها النّاس عليكم السّكينة، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع". أي: بالإسراع.
وأفاض من طريق المأزمَيْنِ، ودخلَ عرفة من طريق ضبّ، وهكذا كانت عادته ـ صلوات الله وسلامُهُ عليه ـ في الأعياد أن يخالف الطّريق، ثم جعل يسير العَنَق وهو ضرب من المسير ليس بالسّريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة ـ وهو المتسع ـ نصّ سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوة من الرّبى أرخى للنّاقة زمامها قليلاً حتى تصعد.
وكان يلبِّي في مسيره ذلك لا يقطع التّلبية، فلمّا كان في أثناء الطّريق نزل، فبال وتوضّأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة: الصّلاة يا رسول الله. قال: "المصلّى أمامك ".
ثم سار حتى أتى مزدلفة فتوضأ وضوء الصّلاة، ثم أمرَ بالأذان، فأذن المؤذّن، ثم أقام، فصلّى المغرب قبل حطّ الرّحال، وتبريك الجمال، فلمّا حطّوا رحالهم أمرَ، فأقيمت الصّلاة، ثم صلّى العشاء بإقامةٍ بلا أذانٍ، ولم يصلّ بينهما شيئاً، ثم نام حتى أصبح.
ولم يحي تلك اللّيلة، ولا صحّ عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، وأذن في تلك اللّيلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشّمس.
وأمّا الحديث الذي فيه أنّ أمّ سلمة رمت قبل الفجر، فحديث منكر أنكره أحمد وغيره، ثم ذكر حديث سَوْدة، وأحاديث غيره، ثم قال:
"ثُمَّ تأملنا فإذا أنّه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فإنّه أمَر الصّبيان أن لا يرمُوا الجمرة حتى تطلع الشّمس، فإنّه لا عذر لهم في تقديم الرّمي، أمّا من قدمه من النّساء: فرمين قبل طلوع الشّمس للعُذر، والخوف عليهن من المزاحمة، وهذا الذي دلّت عليه السّنة: جواز الرّمي قبل طلوع الشّمس لعذرٍ من مرضٍ أو كبرٍ، وأمّا القادر الصّحيح فلا يجوز له ذلك. والذي دلّت عليه السّنة إنّما هو التّعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف اللّيل، وليس مع مَن حدّه بالنّصف دليل".
فلمّا طلع الفجر صلاّها في أوّل الوقت ـ لا قبله قطعاً ـ بأذانٍ وإقامةٍ،ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير والتّهليل والذّكر حتى أسفر جدّاً، ووقف ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في موقفه، وأعلم النّاس أنّ مزدلفة كلّها موقف، ثم سار مردفاً للفضل وهو يلبِّي في مسيره، وانطلق أُسامة على رجليه في سُبّاقِ قريش.
وفي طريقه ذلك أمر ابن عبّاس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسّرها من الجبل تلك اللّيلة، كما يفعله مَن لا علم عنده، ولا التقطها باللّيل، فالتقط له سبعاً من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفّه، ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا، وإيّاكم والغلوّ في الدّين، فإنّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوّ في الدّين". فلمّا أتى بطن محسِّر حرّك ناقته وأسرع السّير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، فإنّ هناك أصاب أصحاب الفيل ما قصّ الله، ولذلك سُمِّي وادي محسِّر؛ لأنّ الفيل حسّر فيه، أي: أعيي وانقطع عن الذّهاب إلى مكّة.
وكذلك فعل في سلوكه الْحجر. ومحسّر: برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه، وعُرَنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كلّ مشعرين برزخ ليس مهما، فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسّر من الحرم، وليس بمشعرٍ، ومزدلفة: حرم ومشعر، وعُرَنَة ليست مشعراً، وهي من الحلّ، وعرفة: حلّ ومشعر.
وسلك الطّريق الوسطي بين الطّريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكباً بعد طلوع الشّمس واحدةً بعد واحدةٍ، يكبّر مع كلّ حصاةٍ وحينئذٍ قطع التّلبية وبلال وأُسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلّه بثوبه من الحرّ.
وفيه جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه.
فصل
ثم رجع إلى منى، فخطب خطبةً بليغةً أعلمهم فيها بحرمة يوم النّحر وتحريمه وفضله، وحرمة مكّة على جميع البلاد، وأمر بالسّمع والطّاعة لِمَن قادهم بكتاب الله، وأمر النّاس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: "لعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا" ، وعلّمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر النّاس أن لا يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعضٍ، وأمر بالتّبليغ عنه، وأخبر أنّه "رُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ" ، وقال في خطبته: "لا يجني جانٍ إلا على نفسه". وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والنّاس حولهم، وفتح الله له أسماع النّاس حتى سمعه أهل منى في منازلهم، وقال في خطبته تلك: "أعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربّكم" . وودع حينئذٍ النّاس، فقالوا: حجة الوداع.
ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، وكان عددها عدد سني عمره، ثم أمسك، وأمر عليّاً أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدّق بجلالها وجلودها ولحومها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئاً منها، وقال: " نحن نعطيه من عندنا" ، وقال: "مَن شاء اقتطع".
فإن قيل ففي (الصّحيحين) عن أنس في حجّته: ونحر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بيده سبع بُدُن قياماً؟
قيل: يخرج على أحد وجوه ثلاثة:
حدها: أنّه لم ينحر بيده أكثر من سبع بُدُنٍ، وأنّه أمر مَن نحر إلى تمام ثلاث وستّين، ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليّاً، فنحر ما بقي.
الثّاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلاّ السّبع، وشاهد جابر تمام النّحر.
الثّالث: أنّه نحر بيده منفرداً سبعاً، ثم أخذ هو وعليّ الحربة معاً فنحرا كذلك تمام ثلاث وستّين، كما قال غُرْفَة بن الحارث الكندي1: أنّه شاهد النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يومئذٍ قد أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليّاً فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البُدْن، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة. والله أعلم.
ولم ينقل أحد أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو ضحاياهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، وأمّا قول عائشة: ضحّى عن نسائه بالبقر، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، فإنّهن كن متمتّعات، وعليهن الهدي، وهو الذي نحره عنهن، لكن في قصّة نحر البقرة عنهن وَهُنَّ تسع إشكال، وهو: إجزاء البقرة عن أكثر من سبعةٍ، وهذا الحديث جاء بثلاثة ألفاظ:
أحدها: بقرة واحدة بينهن.
الثّاني: أنّه ضحّى عنهن يومئذٍ بالبقر.
الثّالث: دُخِل علينا يوم النّحر بلحم بقرٍ، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن أزواجه.
وقد اختلف في عدد مَن تجزئ عنه البدنة والبقرة.
فقيل: سبعة. وقيل: عشرة. وهو قول إسحاق، ثم ذكر أحاديث. ثم قال: وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثةٍ: إمّا أن يقال: أحاديث السّبعة أكثر وأصحّ، وإمّا أن يقال: عدد البعير بعشر من الغنم في الغنائم، لأجل تعديل القسمة، وأمّا في الهدايا والضّحايا، فهو تقدير شرعي، وإمّا أن يقال: ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل. والله أعلم.
ونحر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بمنحره بمنى، وأعلمهم أنّ "منى كلّها منحر "، وأن "فجاج مكّة طريق ومنحر".
وفيه دليل على أنّ النّحر لا يختصّ بمنى، بل حيث نحر من فجاج مكّة أجزأه، لقوله: "وقفت ها هنا وعرفة كلّها موقف" .
وسئل أن يُبْنَى له بمنى مظلّة من الحرّ، فقال: "لا. مِنى مناخ مَن سبق".
وفيه دليل على اشتراك المسلمين فيها، وأنّ مَن سبق إلى مكانٍ، فهو أحقّ به حتى يرتحل عنه، ولا يملك بذلك.
فلمّا أكمل نحره، استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، وقال: "يا معمر أمكنك رسول الله من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى" . فقال: أمّا والله يا رسول الله إنّ ذلك لمن نعمة الله عليَّ ومنّه. قال: "أجل". ذكره أحمد. وقال له: "خذ". وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم قسمه بين مَن يليه، ثم أشار إليه، فحلق الأيسر، ثم قال: "ها هنا أبو طلحة؟ " فدفعه إليه.
ودعا للمحلّين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصّرين مرّة، وهو دليل على أنّ الحلق نسكٌ ليس بإطلاق من محظور.
فصل
ثم أفاض إلى مكّة قبل الظّهر راكباً، فطاف طواف الإفاضة، ولم يطف غيره، ولم يسع معه، هذا هو الصّواب، ولم يرمل فيه، ولا في طواف الوداع، وإنّما رمل في طواف القدوم.
ثم أتى زمزم وهم يسقون، فقال: "لولا أن يغلبكم النّاس لنَزلت فسقيت معكم" ، ثم ناولوه الدلوّ، فشرب وهو قائم، قيل: لأنّ النَّهي عن الشّرب قائماً على وجه الاختيار، وقيل: للحاجة وهو أظهر.
وفي (الصّحيح) عن ابن عبّاس: طاف رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حجّة الوداع على بعيرٍ يستلم الرّكن بمحجن، وفيه مثله من حديث جابر، وفيه: لأن يراه النّاس، وليشرف، وليسألوه، فإنّ النّاس غشوه. وهذا ليس بطواف الوداع، فإنّه طافه ليلاً، ولا طواف القدوم، فإنّه رمل فيه، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، ثم رجع إلى منى.
واختلف هل صلّى الظّهر بها أو بمكّة؟وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافاً واحداً، وسعت سعياً واحداً أجزأها عن حجّها وعمرتها.
وطافت صفية ذلك اليوم، ثم حاضت فأجزأها ذلك عن طواف الوداع، فاستقرّت سنته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا حاضت المرأة قبل الطّواف أن تقرن وتكتفي بطوافٍ واحدٍ، وسعيٍ واحدٍ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع.
ثم رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلمّا أصبح انتظر زوال الشّمس، فلمّا زالت مشى إلى الجمرة ولم يركب فبدأ لجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصياتٍ واحدة بعد واحدةٍ يقول مع كلّ حصاةٍ: الله أكبر، ثم تقدّم عن الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورة البقرة، ثم أتى الوسطى، فرماها كذلك.
ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو قريباً من وقوفه الأوّل، ثم أتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي وجعل البيت عن يساره، فرماها بسبع حصيات كذلك، ثم رجع، ولم يقف عندها.
فقيل: لضيق المكان، وقيل: ـ وهو أصّح ـ إنّ دعاءه كان في نفس العبادة، فلمّا رماها، فرغ الرّمي، والدّعاء في صلب العبادة أفضل.
ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل الصّلاة أو بعدها، والذي يغلب على الظّنّ أنّه قبلها؛ لأنّ جابراً وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشّمس.
صل
فقد تضمنت حجته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ستّ وقفاتٍ للدّعاء: على الصّفا، وعلى المروة، وبعرفة، وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثّانية.
وخطب بمنى خطبتين، يوم النّحر وتقدمت، والثّانية في أوسط أيام التّشريق، واستأذنه العبّاس أن يبيت بمكّة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل، فأرخص لهم أن يرموا يوم النّحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعده يرمونه في أحدهما.
قال مالك: "ظننتُ أنّه قال: في أوّل يومٍ منهما، ثم يرمون يوم النّفر".
وقال ابن عيينة في هذا الحديث: "رخص للرّعاء أن يرموا يوماً، ويَدَعُوا يوماً، فيجوز للطّائفتين بالسّنة ترك المبيت بمنى".
وأمّا الرّمي، فإنّهم لا يتركونه، بل لهم أن يؤخرّوه إلى اللّيل، ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يومٍ.
ومَن له مالٌ يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا يمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النّصّ على هؤلاء.
ولم يتعجل في يومين، بل تأخّر حتى أكمل الرّمي في الأيام الثّلاثة، وأفاض يوم الثّلاثاء بعد الظّهر إلى المحصب، وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافعٍ قد ضرب قبّته هناك، وكان على ثقله توفيقاً من الله ـ عزّ وجلّ ـ دون أن يأمره به رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فصلّى به الظّهر والعصر، والمغرب والعشاء، ورقد رقدةً، ثم نهض إلى مكّة، فطاف للوّداع ليلاً سحراً.
رغبت إليه عائشة تلك اللّيلة أن يعمرها عمرةً مفردةً، فأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبالصّفا والمروة قد أجزأها عن حجّها وعمرتها، فأبت إلاّ أن تعتمر عمرةً مفردةً، فأمر أخاها أن يعمرها من التّنعيم، ففرغت من عمرتها ليلاً، ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف اللّيل، فقال: "فرغتما؟"، قالت: نعم. فنادى بالرّحيل، فارتحل النّاس.
وفي حديث الأسود في (الصّحيح) عنها: فلقيني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو مصعد من مكّة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها.
ففيه أنّهما تلاقيا، وفي الأوّل أنّه انتظرها في منْزله، فإن كان حديث الأسود محفوظاً، فصوابه: لقيني وأنا مصعدة من مكّة وهو منهبط إليها. فإنّها قضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكّة للوداع، وله وجه غير هذا. واختلف في التّحصيب هل هو سنة أو منْزل اتّفاق؟
ويرى كثير من النّاس أنّ دخول البيت من سنن الحجّ، اقتداءً بالنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، والذي تدلّ عليه سنته أنّه لم يدخله في حجّته، ولا في عمرته، وإنّما دخله عام الفتح، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنّه فعله يوم الفتح.
وأمّا ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه وبسطهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يفعله. فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد وغيره: يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع، وكان ابن عبّاس يلتزم ما بين الرّكن والباب.
وفي (صحيح البخاري) أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لما أراد الخروج، ولم تكن أمّ سلمة طافت بالبيت وهي شاكية، وأرادت الخروج، فقال لها: "إذا أقيمت صلاة الصّبح، فطوفي على بعيرك والنّاس يصلّون". ففعلت ولم تصلّ حتى خرجت، وهذا محال أن يكون يوم النّحر، فهو طواف الوداع بلا ريب، فظهر أنّه صلّى الصّبح يومئذٍ بمكّة، وسمعته أمّ سلمة يقرأ بـ: (الطّور) ثم ارتحل راجعاً إلى المدينة.
فلمّا كان بالرّوحاء لقي رَكْباً، فسلّم عليهم، وقال : "مَن القوم؟ "، فقالوا: المسلمون. قالوا: فمَن القوم؟ فقال: "رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ"، فرفعت إليه امرأة صبيّاً لها من محفةٍ، فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌّ؟ قال: "نعم، ولك أجر".
فلَمّا أتى ذا الحليفة، بات بها، فلمّا رأى المدينة كبّر ثلاث مرّات، وقال: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دخلها نهاراً من طريق المعرس وخرج من طريق الشّجرة.
________________________________________
1)إختلف العلماء في قصر المكي فمنهم من اجاز ومنهم من قال بأن أهل مكة أتموا ...ومن قال بالقصر إختلفوا في كون القصر للنسك أم للسفر..وما عليه ابن القيم وبن تيمية هو أن القصر للسفر..ويرى المالكية والشافعية أن القصر للنسك وكثير من المعاصرين من الحانبلة قالوا بأن القصر للنسك والخلاف في هذا الباب كبير وكل قول له دليله القوي .. فسر على نهج من تتبعه من فتاوى العلماء الذي تسير على فتواه.

محاضرة رحلة القلوب:
أجمل المحاضرات المسموعة حول الحج وفيها من الوقفات الممتعة...

الشيخ / عبدالمحسن الأحمد
رحلة القلوب
من هنا
موقع الشيخ عبدالمحسن الأحمد | رحلة القلوب
ــــــ
تم بحمد الله
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع