إعلانات المنتدى


معارك حدثت في رمضان ::: رضا الجنايني

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

رضا الجنايني

مزمار كرواني
6 يونيو 2008
2,850
27
0
الجنس
ذكر
غزوة بدر



أيها الأخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : حديثي إليكم اليوم عن غزوة بدر ، وسأستعرض في هذه الحلقة الوقائع والاحداث ثم أتحدث في حلقة قادمة عن الدروس والعبر المستفادة من هذه الغزوة غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، حدثت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية ، وسمى يوم الفرقان لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل وأظهر الحق وأهله على الباطل وحزبه وعلت كلمة الله وتوحيده وذل أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب ، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة فإن النبي r قدم المدينة في ربيع الأول في أول سنة من سني الهجرة ، ولم يفرض رمضان في ذلك العام ثم صام عاشوراء وفرض عليه رمضان في ثاني سنة ، فهو أول رمضان صامه وصامه المسلمون معه ، ثم خرج النبي r لطلب عير من قريش قدمت من الشام إلى المدينة في يوم السبت لإثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان وأفطر في خروجه إليها ، قال ابن المسيب : قال عمر : غزونا مع رسول الله r غزوتين في رمضان : يوم بدر ويوم الفتح وأفطرنا فيهما .
وكان سبب خروجه حاجة أصحابه خصوصاً المهاجرين قال تعالى { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } وكانت هذه العير معها أموال كثيرة لاعدائهم الكفار الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلماً وعدواناً كما قال الله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير % الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } الآية .
فقصد النبي r أن يأخذ أموال هؤلاء الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده فيردها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرجين من ديارهم وأموالهم ليتقووا بها على عبادة الله وطاعته وجهاد أعدائه ، وهذا مما أحله الله لهذه الأمة ، فإنه أحل لهم الغنائم ولم تحل لأحد قبلهم ، وكان عدة من معه ثلاثمائة وبضعة عشر وكانوا على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وما جازه معه إلا مؤمن وفي سنن أبي داود من حديث عبدالله بن عمرو قال: خرج رسول الله r يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله r حين خرجوا فقال : " اللهم إنهم حفاة فاحملهم وإنهم عراة فاكسهم وإنهم جياع فاشبعهم " ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا ، وكان أصحاب النبي r حين خرجوا على غاية من قلة الظهر والزاد فإنهم لم يخرجوا مستعدين لحرب ولا لقتال ، إنما خرجوا لطلب العير فكان معهم نحو سبعين بعيراً يعتقبونها بينهم كل ثلاثة على بعير وكان للنبي r زميلان فكانوا يعتقبون على بعير واحد فكان زميلاه يقولان له : اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك ، فيقول : " ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما " ، ولم يكن معهم إلا فرسان وقيل ثلاثة وقيل واحد للمقداد ، وبلغ المشركين خروج النبي r لطلب العير فأخذ أبو سفيان بالعير نحو الساحل وبعث إلى مكة يخبرهم الخبر ويطلب منهم أن ينفروا لحماية عيرهم فخرجوا مستصرخين وخرج أشرافهم ورؤساؤهم وساروا نحو بدر ، واستشار النبي r المسلمين في القتال فتكلم المهاجرون فسكت عنهم وإنما كان قصده الأنصار لأنه ظن أنهم لم يبايعوه إلا على نصرته على من قصده في ديارهم ، فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد -يعني الأنصار- والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا . وقال له المقداد : لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك . فسر النبي r بذلك وأجمع على القتال وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائماً يصلي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه ، وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال : لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله r تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ، وفيه عنه أيضاً قال : أصابنا طش من مطر - يعني ليلة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل بها من المطر ، وبات رسول الله r يدعو ربه ويقول : " إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عبادالله ، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف فصلى بنا رسول الله r وحث على القتال وأمد الله تعالى نبيه والمؤمنين بنصر من عنده وبجند من جنده كما قال تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين % وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله } الآية .
وفي صحيح البخاري أن جبريل قال للنبي r : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : " من أفضل المسلمين " أو كلمة نحوها ، قال : وكذلك من شهد بدراً من الملائكة . وقال الله تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } وقال { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، وروى أن النبي r لما رآهم قال : " اللهم ‘إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يكذبون رسولك فأنجز لي ما وعدتني " فأتاه جبريل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم وقال : " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شئ ، ثم كانت الهزيمة .
وقال حكيم بن حزام : سمعنا يوم بدر صوتاً طلع من السماء كأنه صوت حصاة على طست فرمى رسول الله r تلك الرمية فانهزمنا ، ولما قدم الخبر على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر : كيف حال الناس ؟ قال : لا شئ والله إن كان إلا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلونا ويأسرونا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ .
وقتل الله صناديد قريش يومئذ منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة وأبو جهل وغيرهم وأسروا منهم سبعين ، وقصة بدر يطول استقصاؤها وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها ، وإنما المقصود ههنا التنبيه على بعض مقاصدها ، وكان عدو الله ابليس قد جاء إلى المشركين في صورة سراقة بن مالك وكانت يده في يد الحارث بن هشام وجعل يشجعهم ويعدهم ويمنيهم فلما رأى الملائكة هرب وألقى نفسه في البحر ، وقد أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } وفي الموطأ حديث مرسل عن النبي r قال : " ما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة إلا ما رآى يوم بدر " قيل وما رآى يوم بدر ؟ قال : " رأى جبريل يزع الملائكة " .
مواقف من غزوة بدر :
وعدل رسول الله r صفوف المسلمين ، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب ، فقد كان في يده قدح يعدل به ، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح وقال : " استو يا سواد " ، فقال سواد : يا رسول الله أوجعتني فأقدني ، فكشف عن بطنه وقال : " استقد " ، فاعتنقه سواد وقبل بطنه ، فقال : " ما حملك على هذا يا سواد ؟ " ، قال : يا رسول الله قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله r بخير .
وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبدالأسد المخزومي - وكان رجلاً شرساً سيئ الخلق - خرج قائلاً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أولأموتن دونه . فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب رضى الله عنه ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن تبر يمينه ، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.
وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة ، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة ، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار ، عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وعبدالله بن رواحة ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار . قالوا : أكفاء كرام ، ما لنا بكم حاجة ، وإنما نريد بني عمنا . ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله r : " قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي " ، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا : من أنتم ؟ فأخبروهم ، فقالوا : أنتم أكفاء كرام . فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد ، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما ، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه ن ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة ، وقد قطعت رجله ، فلم يزل صمتا حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة ، وكان علي يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم
{ هذان خصمان اختصموا في ربهم } الآية .
وأغفى رسول الله r إغفاءة واحدة ، ثم رفع رأسه فقال : " أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع " ( أي الغبار ) ، وفي رواية إسحاق : قال رسول الله r : " أبشر يا أبابكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده ن على ثناياه النقع " .
عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله r ، فقال : " صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة " ، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبدالمطلب أسيراً فقال العباس : إن هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من احسن الناس وجهاً على فرس أبلق ، وما أراه في القوم فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : " اسكت فقد أيدك الله بملك كريم " .
وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال : " شدوا " ، وخصهم على القتال ، قائلاً : " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " ، وقال وهو يحضهم على القتال : " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض " ، وحينئذ قال عمير بن الحمام : بخ بخ ، فقال رسول الله r : " ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ " ، قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال : " فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل .
مصرع أبي جهل :
قال عبدالرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني ويساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه : ياعم ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، فما تصنع به ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله r قال : والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجبت لذلك . قال : وغمزني الآخر ، فقال لي مثلها ، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس ، فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه ، قال : فابتدراه سيفيهما فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول الله r ، فقال : " أيكما قتله ؟ " ، فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، قال : " هل مسحتما سيفيكما ؟ " ، فقالا : لا ، فنظر رسول الله r إلى السيفين فقال : كلاكما قتله ، وقضى رسول الله r بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، والرجلان معاذ بن عمرو ابن الجموح ومعاذ بن عفراء .
وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن الأسدي ، فأتى رسول الله r فأعطاه جذلاً من حطب ، فقال : " قاتل بهذا يا عكاشة " ، فلما أخذه من رسول الله r هزه ، فعاد سيفاً في يده طويل القامة ، شديد المتن أبيض الحديد ، فقاتل به حتى فتح الله تعالى للمسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العون ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد ، حتى قتل في حروب الردة وهو عنده .
وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري ، بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين ، مر به وأحد الأنصار يشد يده ، فقال مصعب للأنصاري : شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب : أهذه وصاتك بي ؟ فقال مصعب : إنه - أي الأنصاري - أخي دونك .

المرجع برنامج القرآن الكريم والدعوة بهيئة الإغاثة الإسلامية بمكة المكرمة
 

رضا الجنايني

مزمار كرواني
6 يونيو 2008
2,850
27
0
الجنس
ذكر
رد: معارك حدثت في رمضان ::: رضا الجنايني

غزوة فتح مكة​



الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن نزعات الشيطان وتوهيمه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلاالله وحده لاشريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ... وبعد :
أيها الأخوة ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من حلقات هذا البرنامج المبارك ( قطوف رمضانية ) وحديثي إليكم اليوم عن غزوة فتح مكة .
قال ابن القيم : هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه المؤمنين واستنقذ بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين ، من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً ، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً .
وسبب الغزوة أن قريشاً نقضت العهد مع رسول الله r واعانت بني بكر على بني خزاعة ونقضت صلح الحديبية ، وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي ، فخرج حتى قدم على رسول الله r عليه وسلم المدينة ، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس . فقال :
يا رب إني ناشد محمــدا حلفنا وحلف أبيه الأتلـــــدا
فانصر هداك الله نصرا مؤيدا وادع عباد الله يأتوا مـــــدداً
إن قريشاً أخلفوك الموعـدا ونقضوا ميثاقك المؤكــــــداً
وجعلوا في في كداء رصداً وزعموا أن لست أدعو أحـــداً
وهم أذل وأقل عــدداً هم بيتونا بالوتير هجـــــداً
وقتلــــونا ركعـــاً وسجـــــــداً
فقال رسول الله r : " نصرت يا عمرو بن سالم " ، ثم عرضت له سحابة من السماء فقال : " إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب " ، وقد أحست قريش بغدرها وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة ، فعقدت مجلساً استشارياً ، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح . وقد أخبر رسول الله r أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم قال : " كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ، ويزيد في المدة .
وقدم أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله r طوته عنه ، فقال : يا بنية ، أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ قالت : بل هو فراش رسول الله r ، وأنت رجل مشرك نجس . فقال : والله لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج حتى أتى رسول الله r فكلمه ، فلم يرد عليه شيئاً ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله r ، فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال : أ أنا أشفع لكم إلى رسول الله r ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره وانطلق .
فأمر رسول الله r أصحابه بالجهاز ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله r إليهم ، ثم أعطاه امرأة ، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً فجعلته في قرون رأسها ، ثم خرجت به ، وأتى رسول الله r الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث علياً والمقداد ، فقال : انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش ، فانطلقا تعادى بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان ، فاستنزلاها ، وقالا : معك كتاب ؟ فقالت : ما معي كتاب ، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئاً ، فقال لها علي : أحلف بالله ، ما كذب رسول الله r ولا كذبنا ، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك . فلما رأت الجد منه قالت : أعرض ، فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليهما ، فأتيا به رسول الله r ، فإذا فيه : ( من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ) يخبرهم بمسير رسول الله r ، فدعا رسول الله r حاطباً ، فقال : " ما هذا يا حاطب ؟ " فقال : لا تعجل على يا رسول الله ، والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، وما ارتددت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأً ملصقاً في قريش لست من أنفسهم ، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد ، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ، وكان معك لهم قرابات يحمونهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي . فقال عمر بن الخطاب : دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فإنه قد خان الله ورسوله ، وقد نافق . فقال رسول الله r : " إنه قد شهد بدراً ، وما يدرك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ، فذرفت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم . وهكذا أخذ الله العيون فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئتهم للزحف والقتال .
ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك سنة 8هـ غادر رسول الله r المدينة متجهاً إلى مكة ، في عشرة آلاف من الصحابة رضي الله عنهم واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري . ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبدالمطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً ، ثم لما كان رسول الله r بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبدالله بن أبي أمية فأعرض عنهما لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو ، فقالت له أم سلمة : لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك . وقال علي لأبي سفيان بن الحارث : ائت رسول الله r من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً . ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول الله r { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } .
وواصل رسول الله r وهو صائم ، والناس صيام ، حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - فأفطر وأفطر الناس معه . ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران - وادي فاطمة - نزله عشاء ، فأمر الجيش فأوقدوا النيران ، فأوقدت عشرة آلاف نار ، وجعل رسول الله r على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار ، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وأخذ العباس أبا سفيان إلى رسول الله r ليستأمن له ، فقال رسول الله r : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به " فذهبت ، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله r فلما رآه قال : " ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لاإله إلاالله ؟ " قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ؟ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد . قال : " ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ، قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ؟ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شئ . فقال العباس : ويحك أسلم ، واشهد أن لاإله إلاالله وأن محمداً رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك . فأسلم وشهد شهادة الحق .
قال العباس : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً . قال r :
" نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن " .
وفي هذا الصباح - صباح يوم الأربعاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8هـ - غادر رسول الله r مر الظهران إلى مكة ، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ، ففعل ، حتى مر به رسول الله r في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان الله يا عباس من هؤلاء ؟ قال : هذا رسول r في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة . ثم قال : والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً . قال العباس : يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال : فنعم إذن .
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي سفيان قال له : اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً . فلما حاذى رسول الله r أبا سفيان قال : يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد ؟ قال : " وما قال ؟ " فقال : كذا وكذا . فقال عثمان وعبدالرحمن بن عوف : يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول الله r : " بل اليوم يوم تعظم في الكعبة ، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً ، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس .
فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة ، وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . فتفرق الناس إلى دورهم والى المسجد ، فتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين ، وكان فيهم رجل من بني بكر - حماس بن قيس - كان يعد قبل ذلك سلاحاً . فقالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ، قالت : والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شئ . قال : إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ، فلما انهزم حماس بن قيس دخل بيته ، وقال لامرأته : أغلقي على بابي . فقالت : وأين ما كنت تقول ؟ فقال :
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة
ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت خلفنا وهمهمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
أما رسول الله r فمضى حتى انتهى إلى ذي طوى - وكان يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل . وهناك وزع جيشه وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى ، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل العرب ، فأمره أن يدخل مكة من أسفلها ، وقال : " إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً " ، حتى توافوني على الصفا . وكان الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى وكان معه راية رسول الله r ، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها - من كداء - وأن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه . وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر - وهم الذين لاسلاح معهم - فأمره أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله r .
ثم نهض رسول الله r ، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله ، حتى دخل المسجد ، فأقبل إلى الحجر الأسود ، فاستلمه ، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها بالقوس ، ويقول { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } ، { جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد } والأصنام تتساقط على وجوهها ، وكان طوافه على راحلته ، ولم يكن محرماً يومئذ ، فاقتصر على الطواف ، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، فأمر بها ففتحت فدخلها ، فرأى فيها الصور ، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يستقسمان بالأزلام ، فقال : " قاتلهم الله ، والله ما استقسما بها قط " ، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان ، فكسرها بيده وأمر بالصور فمحيت . ثم صلى هناك ، ثم دار في البيت ، وكبر في نواحيه ووحد الله ثم فتح الباب ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع ؟ فأخذ بعضادتي الباب ، وهم تحته ، فقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب " ، ثم تلا هذه الآية { يا أيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } ، ثم قال : " يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم " ، قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم } اذهبوا فأنتم الطلقاء " .
ثم جلس رسول الله r في المسجد فقام إليه علي رضي الله عنه ، ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول الله ، اجمع لنا الحجابة مع السقابة ، صلى الله عليك - وفي رواية - أن الذي قال ذلك هو العباس ، فقال رسول الله r : " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعى له ، فقال له : " هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء - وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قال له حين دفع المفتاح إليه - خذوها خالدة تالدة ، لا ينزعها منكم إلا ظالم ، ياعثمان إن الله استأمنكم على بيته ، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف " .
وحانت الصلاة فأمر رسول الله r بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة ، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد ، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب : لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه ، فقال الحارث : أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته ، فقال أبو سفيان : أما والله لا أقول شيئاً ، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء ، فخرج عليهم النبي r فقال لهم : " قد علمت الذي قلتم " ثم ذكر ذلك لهم . فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول الله ، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول : أخبرك .
ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله r في الناس خطيباً ، وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال : " أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله r فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما حلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب " .


المرجع برنامج القرآن الكريم والدعوة بهيئة الإغاثة الإسلامية بمكة المكرمة


 

رضا الجنايني

مزمار كرواني
6 يونيو 2008
2,850
27
0
الجنس
ذكر
رد: معارك حدثت في رمضان ::: رضا الجنايني

عين جالوت



أيها الأخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من حلقات هذا البرنامج المبارك ( قطوف رمضانية ) وحديثي إليكم اليوم عن معركة عين جالوت
هذه المعركة العظيمة التي أيد الله بها جنده ونصر أولياءه على التتار أعداء الإسلام والمسلمين حدثت هذه المعركة سنة ثمان وخمسين وستمائة من الهجرة النبوية وبعد عين جالوت كان هناك جهاد آخر مع النصارى لإخراجهم من بلاد المسلمين من فلسطين وهي معركة حطين وفتح بين المقدس والتي تمت في السنة الثالثة والثمانين والخمسمائة من الهجرة النبوية . بعد ذلك توالت الحملات الصليبية الثالثة والرابعة حتى استعادت النصارى القدس مرة أخرى عام سبعة وعشرين وستمائة من الهجرة النبوية .
ثم بعد ذلك أرسل الفرنج إلى التتار ليحرضوهم على قتال المسلمين حيث أرادوا التعاون معاً كي يطبق التتار من جهة الشرق والنصارى من جهة الغرب على العدو المشترك وهم المسلمين ، فحرضوهم عامين كاملين ، حتى يقضوا على المسلمين قضاءً تاماً . من سنة ثلاث وأربعين وستمائة إلى سنة خمس وأربعين وستمائة .
ثم جاء التتار بهمجية ووحشية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً حتى سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية سنة ست وخمسين وستمائة من الهجرة النبوية وكان يوماً مشهوداً والعياذ بالله بتدمير الخلافة العباسية وفعل التتار أفعالهم العجيبة العظيمة في بغداد ، عثر أحد المغول في شارع جانبي على أربعين طفلاً حديثي الولادة وقد ماتت أمهاتهم فأجهز عليهم .
وقد هلك في بغداد في أربعين يوماً نحواً من 80 الفاً من سكان بغداد ، قتلوا ثمانين ألفاً من المسلمين في أربعين يوماً ! بل إن الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول : وبقي السيف في بغداد بضعة وثلاثين يوماً ما تركوا إنساناً إلا وقتلوه فأقل ما قيل قتل بها ثمانمائة الف نفس وأكثر ما قيل بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف - أي مليون وثمانمائة الف - وجرت السيول من الدماء - إنالله وإنا إليه راجعون .
وكان آخر خليفة من خلفاء الدولة العباسية هو المستعصم بالله ، وهذا المستعصم أمره عجب ، كان رجلاً خيراً ديناً فاضلاً يحفظ كتاب الله وكان من خيرة الناس صوتاً وقراءة لكتاب الله ، لكنه والعياذ بالله استصحب وزيراً سيئاً خبيثاً رافضياً شيعياً هو ابن العلقمي ، وإذا أراد الله بالأمير خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إذا نسى ذكره وإذا ذكر أعانه .
لنقرأ سيرة هذا المستعصم بالله من سير أعلام النبلاء كما حكاها الذهبي قال : هو الخليفة الشهيد لأنه قتل ، قتله المغول - بعد ذلك - أبو أحمد عبدالله المستنصر بالله المنصور ابن الظاهري محمد ابن الناصر أحمد ابن المستضئ الهاشمي العباسي البغدادي ، كان فاضلاً تالياً لكتاب الله مليح الكتابة ، وكان كريماً حليماً ديناً سليم الباطن حسن الهيئة كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ، ولكنه لم يكن في حزم أبيه وتيقظه وعلو همته وإقدامه فإنه أستوزر المؤيد ابن العلقمي ، الرافضي فأهلك الحرث والنسل وحسن له جمع الأموال وأن يقتصر على بعض العساكر ) ، وكان يلعب بالحمام وفيه حصر وتواني .
من هو ابن العلقمي ، لنقرأ ماذا يقول عنه الذهبي : ( هو الوزير الكبير المدبر المبير - يعني الهالك - مؤيد الدين ، ما أيد الله به الدين وإنما أيد به المذهب الشيعي الرافضي ، محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي وزير المستعصم ، كانت دولته أربعة عشر سنة فأفشى الرفض فعارضه أهل السنة وأكبت فتنمر ) ، رأى أن هولاكو على قصد العراق فكاتبه وجسره وقوى عزمه على قصد العراق وفتح له الأبواب ليتخذ عنده يداً وليتمكن من أغراضه وحتى يفتح له هولاكو المجال لينشر مذهبه الرافضي الذي ما مكنه أهل السنة من نشره ولكن وكما يقولون : من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ، حفر للأمة قليباً فأوقع فيه قريباً وذاق الهوان ، فذبحه هولاكو شر ذبحه فمات غبناً وغماً وفي الآخرة أشد خزياً وأشد تنكيلاً إذ أنه بعد ذهاب البلد ومن فيه وبعد ذهاب العراق وبغداد ومن فيها نودي بالأمان وانعكس على الوزير مرامه وذاق ذلاً وويلاً وما أمهله الله ] ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار[ .
عين جالوت أيها الأخوة كما ذكرت وقعت في رمضان قيل في الخامس والعشرين من شهر رمضان وقيل في الخامس عشر من شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وستمائة وأراد الله عز وجل وله الحكمة البالغة في ذلك أن يصادف وقوعها يوم الجمعة .
كانت المعركة يوم الجمعة كما كانت غزوة بدر يوم الجمعة قال ابن كثير في البداية والنهاية وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة وهذه بشارة عظيمة فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان وكان فيها نصر الإسلام .
بعد أن دخل هولاكو بغداد توجه إلى دمشق وحلب ودخلت تحته إمرة الشام فاستولى على جزء كبير من فلسطين ولم يبق للإسلام والمسلمين إلا دولة المماليك بمصر ولو سقطت دولة المماليك بمصر لسقط الإسلام ولكن أراد الله عز وجل أن يكتب النصر على دولة المماليك ومن بقي منهم ليحفظ الله هذا الدين .
أرسل هولاكو رسالة تهديد ووعيد للقائد قطز حاكم مصر بعد أن استولى على بغداد ودمشق وبلاد الشام وجزء كبير من أراضي فلسطين حيث قال فيها : ( أسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف فتندموا ويعود عليكم الخطأ ، نحن ما نرحم من بكا ، ولا نرق لمن شكا ، فأي أرض تؤويكم ، وأي طريق تنجيكم ، وأي بلاد تحميكم ، فما لكم من سيوفنا خلاص ، ولا من مهابتنا مناص فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتالنا لا ترد ودعاؤكم علينا لا يستجاب)
أما قطر فهو الملك المظفر القائد قطز ابن عبدالله التركي كان مولاً من الموالي هو صاحب هذه المعركة التي نصر الله فيها الإسلام والمسلمين ، لم يتأثر بما جاء في الرسالة وإنما صمم على قتال هولاكو ، بل وخرج بنفسه لملاقاته ، جمع الجند والأمراء وحثهم على الجهاد في سبيل الله ونصرة دين الله عز وجل .
وخرج الجند من مصر ومن بقي من عساكر الشام وتحركت الجيوش حتى التقى الجيشان في عين جالوت ( وعين جالوت بلدة صغيرة واقعة بين بيسان ونابلس في فلسطين ) وفي البداية كانت هناك خطة عسكرية محكمة عملها القائد قطز بمساعدة أحد قواده وأبرز جنوده الظاهر بيبرس وللأسف أشتهر عند بعض الناس أن هذه الغزوة للظاهر بيبرس وهي ليست له وإنما للقائد المظفر قطز إنما الظاهر بيبرس كان أحد جنود القائد قطز وكان أمهر قواده ، عمل خطة حربية محكمة ، ولما سمع هولاكو أرسل أحب الناس إليه وأقرب الناس منه رجل اسمه كتبغه المغولي ، وكان من أدرى الناس بالحروب وأرسل معه جيشاً عظيماً جداً ، فجاء الظاهر بيبرس وتقدم الجبال وتقدم التلال في مكان مكشوف وكان معه جزء صغير قليل من الجند يبلغ ثلث الجيش فلما رآهم كتبغه القائد المغولي قال : هؤلاء سيقاوموننا ما هي إلا لحظات ونقضي عليهم ، وكان القائد قطز ومن بقى معه من الجنود مختبئين خلف التلال وخلف الجبال ، وأمر الظاهر بيبرس أن يتظاهر بالهزيمة ، في بداية المعركة وهجم المغول والتتار على الظاهر بيبرس فتظاهر بالهزيمة والرجوع وصار يجري خلفهم ولا يحتاط حتى وقع بين التلال وإذا بالألوف المؤلفة من المسلمين تهجم عليهم من كل جانب وتحاصرهم ووقعت مذبحة عظيمة للتتار .
ويروى أن القائد قطز ما أمر بالقتال إلا بعد أن صلى الناس صلاة الجمعة ، فقال : لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفئ الظلال وتهب الرياح ، ويدعو لنا الخطباء في صلاتهم ، ويروى عنه أنه دعا وقال : اللهم انصر دينك وعبدك قطز على التتار ، ونادى في المعركة ( وآ إسلاماه ) ، وفي بعض المواطن يذكرون أن خيله أصيب فقتل فنزل على الأرض وبقى مثبتاً في مكانه فجاء إليه أحد الأمراء وترجل عن فرسه وقال : اركب ، فقال : ما كنت لأحرم المسلمين خيرك ، ثم لما جاءت الحاشية بخيل آخر ركبه ، فلما انتهت المعركة لامه بعض الناس وقالوا له : لم لم تركب الفرس فلو أن بعض الأعداء رآك فقتلك لهلك الإسلام بسببك ، فقال : أما أنا فكنت أروح إلى الجنة وأما الإسلام فللإسلام رب لا يضيعه قد قتل فلان وفلان - حتى عد خلقاً من الملوك - فأقام الله للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضع الإسلام . ويروى أنه لما انتهت المعركة نزل عن فرسه وسجد شكراً لله وصلى ركعتين شكراً لله .
من أهمية المعركة :
1. أنها هزمت وقهرت الجيش الذي انتقل من نصر إلى نصر على امتداد أربعة الاف ميل .
2. انقذت الإسلام من أخطر تهديد تعرض له .
3. دخول المغول والتتار بعد ذلك في الإسلام .
4. عجلت هذه المعركة بزوال الإمارات الصليبية .

ماذا قال الأئمة عن القائد قطز :
قال الإمام الذهبي : ( هو السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبدالله كان أنبل مماليك المعز ثم صار نائباً للسلطنة لولده المنصور ، وكان فارساً شجاعاً محبباً إلى الرعية هزم التتار وطهر الشام منهم يوم عين جالوت . وكانت مدة حكمه سنة واحدة ولكن الله خلد ذكره إلى قيام الساعة ، قتل شاباً ، وله اليد البيضاء في قتال التتار فعوض الله شبابه الخير ورضى عنه ، يذكر عنه يوم جالوت وقد رآى انكشافاً في المسلمين رمى عن رأسه الخوذة ونزل وصاح - وآ إسلاماه - حتى ثبت الجند ونزل النصر من الله ، كان شاباً أشقر وافر اللحية تام الشكل ، قتل في 16 ذي القعدة سنة 856هـ ولم يكمل سنة في السلطنة ) .
قال ابن كثير : ( وقد كان شجاعاً بطلاً كثير الخير ناصحاً للإسلام وأهله وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً ) .

 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع