- 17 مارس 2009
- 1,579
- 6
- 0
- الجنس
- ذكر
السلام عليكم ورحمة الله
سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ــ
من يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى ؟ وماذا يشترط على الذى يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط ؟ وهل يدخل ترك السلام فى الهجران أم لا ؟ وإذا بدأ المهجور الهجر بالسلام هل يجب الرد عليه أم لا ؟ وهل تستمر البغضة والهجران لله عز وجل حتى يتحقق زوال الصفة التى أبغضه وهجره عليها ؟
أم يكون ذلك لمدة معلومة فما حدها ؟أفتونا مأجورين .....
فأجاب رحمه الله : ــ
الهجر الشرعى نوعان:
ـ أحدهما : بمعنى الترك لأهل المنكرات .
ـ والثانى : بمعنى العقوبة عليها .
-فالأول : هو المذكور فى قوله تعالى :{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }.
وقوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا.{
فهذا يراد به أنه لايشهد المنكرات لغير حاجة ، مثل قوم يشربون الخمر لا يجلس عندهم ، وقوم دعو إلى وليمة فيها خمور وزمر لا تُجَب دعوتهم وأمثال ذلك ؛ بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم ، أو حضر بغير اختياره ، ولهذا يقال "حاضر المنكر كفاعله " وفى الحديث : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر)حديث حسن
وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال النبى ): :
: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ( بخارى .ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر و الفسوق إلى دار الإسلام والإيمان ؛ فإنه هجرٌ للمُقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما امر الله به ، ومن هذا قوله تعالى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ {
-النوع الثانى : الهجر على وجه التأديب ، وهو هجر من يظهر المنكرات ، يهجر حتى يتوب منها ، كما هجر النبى :
:والمسلمون : الثلاثة الذين خُلِّفوا ، حتى أنزل الله توبتهم ، حين ظهر منهم ترك الجهاد المُتَعَيَّنِ عليهم بغير عذر ومن أظهر الخير وإن كان منافقا . فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير .والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات ، وفعل المحرمات ؛ كتارك الصلاة والزكاة والمتظاهر بالمظالم والفواحش والداعى إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة التى ظهر أنها بدع .
وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة : إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ، ولا يؤخذ عنهم العلم ، ولايناكحون ، فهذا عقوبة لهم حتى ينتهو ، ولهذا يفرقون بين الدَّاعية وغير الدَّاعية ، لأن الدَّاعية أظهر المنكرات ، فاستحق العقوبة ، بخلاف الكاتم ، فإنه ليس شرَّا من المنافقين الذين كان يقبل منهم النبى:
:علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله ، مع علمه بحال كثير منهم .
ولهذا جاء فى الحديث : ( إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرَّت العامة ( الحديث جاء قريبا من هذا اللفظ عند البيقى وغيره ولكن بهذا اللفظ لا فمعناه ثابت فى غير ما موضع
وذلك لأن النبى:
:قال ( إن الناس إذا رأو المنكر فلم يغيِّروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه).أبو داوود والترمذىفالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها ، بخلاف المنكرات الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصَّة .
وهذا الهجر يختلف باختلاف المهاجرين فى قوَّتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ، وباختلاف المهجورين فى قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم ، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامَّة عن مثل حاله . فإن كانت مصلحة ذلك راجحة بحيث يفضى هجره إلى ضعف الشر وَخِفَّتِه كان مشروعا ؛ وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ، بل يزيد الشَّرُّ والمهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر ؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر ، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ، ولهذا كان النبى:
:يتألف أقواما ويهجر آخرين .وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشرُّ حالا فى الدين من المهجورين كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرا من كثير من المؤلفة قلوبهم ، لمكان أولئك ؛ كانوا سادة مطاعون فى عشائرهم ، فكانت المصلحة الدينيَّة فى تأليف قلوبهم ، وهؤلاء كانوا مؤمنين ، والمؤمنون سواهم كثير فكان فى هجرهم عزُّ الدين ، وتطهيرهم من ذنوبهم وهذا كما أن المشروع فى العدو القتال تارة ، والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة ، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.
وجواب الأئمة كأحمد وغيره فى هذا الباب مبنى على هذا الأصل ، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التى كثرت فيها البدع ، كما كثر القدر فى البصرة والتجهم بخراسان والتشيع بالكوفة ، وبين ما ليس كذلك : ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم وإذا عرف مقصود الشريعة سُلك فى حصوله أَوصل الطرق إليه .
وإذا عُرف هذا ، فالهجرة الشرعية هى من الأعمال التى أمر الله بها ورسوله . فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صوابا . فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به : كان خارجا عن هذا ، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله .
والهجر لأجل حظ الإنسان لايجوز أكثر من ثلاث كما جاء فى الصحيحين عن النبى :
:أنه قال : ( لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ) .فلم يرخص فى هذا الهجر أكثر من ثلاث ، كما لم يرخص فى إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث .
وفى الصحيحين عنه :
:أنه قال : ( تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس ، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال : أَنظروا هذين حتى يصطلحا ) فهذا الهجر لحق الإنسان حرام ، وإنما رُخصفى بعضه ، كما رخص للزوج ، أن يهجر امرأته فى المضجع إذا نشزت وكما رُخص فى هجر الثلاث . فينبغى أن يفرق بين الهجر لحق الله ، وبين الهجر لحق نفسه فـ الأول مأمور به ، والثانى منهى عنه ؛ لأن المؤمنين إخوة ، وقد قال النبى :
:فى الحديث الصحيح : ( لا تقاطعوا ، ولاتدابروا ، ولا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ) وقال :
:فى الحديث الذى فى السنن : ( ألا أنبئكم بأفضلَ من درجة الصلاة والصيام والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؟ قالوا بلى يارسول الله ! قال : صلاح ذات البين هى الحالقة ، لاأقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ) وقال فى الحديث الصحيح: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحداذا اشتكى تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) .وهذا لأن الهجر هو من باب العقوبات الشرعية ، فهو من جنس الجهاد فى سبيل الله ، وهذا لأن تكون كلمة الله هى العليا ، ويكون الدين كله لله ، والمؤمن عليه أن يعادى فى الله ويوالى فى الله ، فإن كان هناك منؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه ، فإن الظلم لايقطع الموالاة الإيمانية ، قال تعالى : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }فجعلهم أخوة مع وجود الإقتتال والبغى وأمر بالإصلاح بينهم . فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين ، فما أكثر ما يتلبس أحدهما بالآخر ، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك ، واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك ، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب له ولأوليائه والبغض لأعدائه ، والإكرام لوليائة والإهانة لأعدائه ، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه . وإذا اجتمع فى الرجل الواحد خير وشر ، وبر وفجور ، وطاعة ومعصية ، وسنة وبدعة : استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب فيه من الشر ، فيجمع فى الشخص الواحد موجبات الإكراه والإهانة فيجمع له من هذا وهذا ، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته . هذا هو الأصل الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه ، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للخلود فى العقاب فقط وأهل السنة يقولون : إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له فى الشفاعة ، وبفضل رحمته كما استفاضت بذلك السنن عن النبى :
:والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

