- 22 يوليو 2008
- 16,039
- 146
- 63
- الجنس
- أنثى
- علم البلد
-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:183].
رأى العلماءُ أنّ في الصوم وقايةً وعلاجاً من أمراضٍ كثيرةٍ.. فبعض الأمراض المستعصية قد يكون علاجها في الصوم؛ كالتهاب المعدة الحادّ، وإقياءِ الحملِ العنيد، وبعض أنواع داء السكري، وارتفاع التوتر الشريانيّ، والقصور الكلويّ الحابس للملح، وخُنّاق الصدر، والالتهابات الهضمية المزمنة، وحصيات المرارة، وبعض الأمراض الجلدية.
الصومُ علاجٌ لبعض الأمراض، ولكنه إذا طُبّق كما شرعهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو وقايةٌ من أمراض كثيرةٍ.
ثم إن في الصيام -كما يُقرِّرُ الأطباءُ- صحةً نفسيةً، وإن في الصيام رفعاً لمستوى النفس، وتعويداً لها على الحرية من كل قيدٍ، وكلّ عادةٍ، وأفضلُ عادةٍ ألا يتعود الإنسانُ أيّ عادةٍ.. هذا الذي يُدمنُ التدخين، كيف استطاع أنْ يقلع عنه في رمضان، إذاً في الإمكان أن يقلع عنه، وأكبر شاهدٍ على ذلك شهرُ الصيام.
إذاً الإنسانُ يقوّي إرادته بالصيام، والإنسان بالصيام يُنمّي إخلاصه.. إن الصيام عبادة الإخلاص، وإن الصيام أيضاً ينمي مشاعر الإنسان؛ فقد يكون الطعام والشرابُ متوفّراً، ولا يستطيع الإنسانُ أن يأكل أو يشرب منه شيئاً.
من الفوائد المادية للصوم أن المعدة والجهاز الهضميّ تأخذ إجازة في رمضان، ويستريح جهاز الدوران والقلب، والكليتان والتصفية، هذه الأجهزة الخطيرة التي إذا أصابها العطب انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم، فإذا توقفت الكليتان توقفاً مفاجئاً، فإنه شيءٌ لا يحتمل، وإذا أصيب القلب بالضعف، وضاقت الشرايين وتصلَّبت، واحتشى القلب فالأمر عسيرٌ.. هناك أمراضٌ تصيب القلب لا تعدُّ ولا تحصى، هناك أمراضٌ متفشِّيةٌ تصيب الأوعية، هناك أمراضٌ كثيرةٌ تصيب المعدة والأمعاء، وأمراضٌ تصيب الكبد، وأمراضٌ تصيب جهاز البول؛ هذه الأجهزة الخطيرة من جهاز دورانٍ وهضمٍ، وجهاز طرح الفضلات، هذه الأجهزة يكون الصيام وقايةً لها.. لا نقول: إن الصيام علاجٌ فحسب، ولكنه وقايةٌ.
تقول مقالةٌ عن أمراض القلب: "إن عمل القلب وسلامته منوط بحجم الطعام في المعدة ونوعيته"! فالقلب وسلامته وانتظامه، والشرايين ومرونتها؛ هذه الأشياء متعلقةٌ بنوع الطعام وحجمه في المعدة؛ لذلك أمرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في الطعام والشراب، والله سبحانه أمرنا بذلك أيضاً فقال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31].
فمن تجاوز الحد في الطعام والشراب أتاه شهر الصيام ليصلح ذلك الخطأ والإعوجاج والتعفنات التي في جهاز الهضم، وليصلح الوزن الذي زاد على حده الطبيعي، وإن الأغلاط التي يرتكبها الإنسان في السَّنَةِ يأتي الصيام ليضع لها حدّاً، أمّا إذا كان الإنسان مطبّقاً للسُّنَّة النبويّة فشهر رمضان يزيده صحّة ونشاطاً، وفي كتاب "إحياء علوم الدين" عقد الغزالي فصلاً أو باباً كبيراً عن فضائل الجوع، فقال: "الخير كله مجموعٌ في خزائن الجوع، وليس المقصود به الجوع الشديد، ولكنّه الاعتدال في الطعام والشراب؛ لأنّ البطنة تذهب الفطنة، وإن كثرة الطعام، وإدخال الطعام على الطعام، وإكثار الوجبات؛ هذه تصيب الإنسان بالكسل، والخمول، والركود، والأمعاء بالتعفن، والقلب بالإرهاق". حينها يأتي شهر الصيام ليُجدّد الصحة، فجسمك مطيّتك في هذه الدنيا، لنا عُمُرٌ محدودٌ، ولكن إما أن نمضيه واقفين نشيطين، وإما أن نمضيه مستلقين على أسرَّتنا، وشتان بين الحالتين!
وقد رُوي: "صوموا تصحوا" (الفردوس بمأثور الخطاب (3745)، وانظر كشف الخفاء (1455)، وفيه ضعف).
الصّيام دورةٌ وقائيةٌ وعلاجيةٌ
ومعنى الصحة هنا الوقايةُ من الأمراض؛ إنك إذا أديت صيام هذا الشهر على التمام والكمال فقد وقيت جسمك من الأمراض الوبيلة التي لا قِبَل لك بها، ولكن هذا الذي يمتنع عن الطعام والشراب في النهار، فإذا جلس إلى المائدة أكل أكل الجِمال، هذا لم يحقق الهدف من الصيام، فلا بد من الاعتدال في الطعام والشراب في أيام الصيام.
أما إذا جعلت الوجبات الثلاث النهارية في رمضان ليليةً!! فماذا حققت؟! إن وجبة دسمة مع الإفطار تجعله يقعد فلا يقوم، وعند منتصف الليل وجبةٌ أخرى، وعند السحور وجبةٌ أخرى؛ فهذا قلب وجبات النهار إلى وجباتٍ ليليةٍ، وما فعل شيئاً، فقد بقيت الأمراض والإرهاقات كما هي.
قال بعضُ العلماء: "إن الصيام دورةٌ وقائيةٌ سنويةٌ، تقي الإنسان من الأمراض الكثيرة، فهو سلوكٌ وقائيٌّ من أجل سلامة هذه العضوية، ودورةٌ علاجيةٌ بالنسبة لبعض الأمراض، فالصيام يقي المسلم المتبع لسننه المعتدلة في تناول الطعام في أثناء الصيام من أمراض الشيخوخة".
إن أمراض الشيخوخة تظهر في الكِبَر، ولكن مسبّباتها تبدأ في الشباب، يأتي الصيام ليقيم توازناً بين استهلاك العضوية ووقاية الأجهزة؛ فلذلك معظم أمراض الشيخوخة تنجم عن الإفراط في إرهاق العضوية طوال الحياة بالطعام والشراب وبسائر الملذات، وبالعمل، والتعب، وبذل الجهد؛ فيأتي الصيام ليريح هذه العضوية، وليصحّح الأخطاء التي ارتكبت في بقية أشهر العام، فيعود الجسد من دورة رمضان وقد صانه صاحبه، وجدّد نشاطه به.
فالصيام كما يقول العلماء: "هو إلى الطبّ الوقائيّ أقرب منه إلى الطب العلاجي"، بدليل أن المريض يُرخَّصُ له في أن يفطر، وبعض حِكمه أن الصيام يخفّف العبء عن جهاز الدوران؛ القلب والأوعية؛ حيث تهبط نسبة الدسم وحموضة البول في هذا الشهر إلى أدنى درجةٍ، ومع انخفاض هذه النسبة يقي الإنسان نفسه من مرضٍ ذي خطورةٍ هو (تصلُّب الشرايين) الذي يُسبِّب إرهاق القلب، والذبحة الصدرية، ومع انخفاض نسبة حمض البول في الدم يقي الإنسان نفسه من مرضٍ آخر هو (التهاب المفاصل).
والصيام يريح الكِليتين بإقلال فضلات الاستقلاب، فتحوُّل الطعام إلى طاقةٍ عمليةٍ يسمّى (الاستقلاب)؛ ففي شهر الصيام ينخفض الاستقلاب إلى أدنى مستوى، هذا بشرط أن يصوم الإنسان كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن يأكل باعتدال، أما أن يجعل الطعام في الليل مكان النهار فليس هذا بالصيام المأمور به.
يقول العلماء: "إن سُكَّر الكبد (المخزون السكري) يتحرك في الصيام، ومع تحرُّك هذا المخزون يتجدّد نشاط الكبد". والإنسان لا يستطيع أن يعيش دون كبدٍ أكثر من ثلاث ساعاتٍ، وإن الصيام يدعو سكر الكبد إلى التحرك، ويتحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد، وتتحرك معه البروتينات والغدد وخلايا الكبد، وإن الصيام كما قال بعض الأطباء يُبدِّل الأنسجة وينظّفها، وكأنه صيانةٌ سنويةٌ لأنسجة الجسم وأجهزته، هذا عن الناحية الوقائية، فماذا عن الناحية العلاجية؟
إن الصيام يُعدُّ علاجاً لبعض الأمراض منها: التهاب المعدة الحادّ، وإقياءات الحمل العنيدة، وارتفاع الضغط الشريانيّ، والداء السكريّ، وقصور الكلية المزمن، وبعض الأمراض الجلدية.
الصيامُ وآليةُ الهضم
قال بعض العلماء المتخصّصين في التغذية: "ليس علم الإنسان بوظائف الطعام هو الذي يدفعه إلى تناول الطعام، ولكنّ الإحساس بالجوع الضاغط، وشهوة الطعام الباعثة هما اللذان يحركان الإنسان إلى الطعام، أما حاسّة الجوع فتدعو الإنسان إلى ما يسدّ حاجته من الطعام ليبقى حيّاً، وأمّا شهوة الطعام الباعثة فهي وسيلةٌ وليست غايةً".
فمن نعم الله عز وجل أنّ هذا الطعام الذي هو سبب في بقاء حياتك طيّب المذاق؛ فهناك الحاجة إلى الطعام بدافع الإحساس بالجوع، وهناك لذّة الطعام؛ فقد يستكمل الإنسان حاجته إلى الطعام بسائل يُحقن في دمه، ولكن الله عز وجل تفضل علينا فجعل هذا الطعام ذا طعمٍ لذيذٍ، فشهوة الطعام وسيلة، فإذا جعلها الإنسان غايةً اضطرب الجسم، وثمة أناسٌ كثيرون عن سوء تقديرٍ منهم، أو عن ضعف في إرادتهم يجعلون شهوة الطعام غايةً، وإذا أصبحَ الطعام غاية يتعطّل ما يسمّيه العلماء (الجرس الخفيّ)، الذي يدقُّ حين الجوع فقط! فتتعطّل وظيفة هذا الجرس، فالمعدة كما قال عنها العلماء "تتمدّد مراتٍ عديدةً، فمن حجمٍ ابتدائيٍّ مئتين وخمسين سنتمتراً مكعباً، إلى ألفين وخمسمئة سنتمتر مكعب"، فحينما تتمدّد المعدة يصبح الطعام هدفاً، وعندها نعيش لنأكل!
وهناك حقيقةٌ عجيبةٌ جدّاً، ولكنّها ثابتةٌ على نحوٍ قاطعٍ، وهي أن آليات تعامل الأبدان مع الطعام تستوجب الصيام، فقد خلق المولى جل وعلا الأبدان على نحوٍ يهيئ التعامل مع مركبات الطعام وفقاً لآليةٍ تسير بانتظامٍ وتوافقٍ في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة هضم الطعام في المعدة والأمعاء، ثم الامتصاص والتمثيل، وتحويل الطعام إلى سكر يسري في الدّماء، إلى مواد أخرى مرمِّمةٍ يستخدمها الجسم لإطلاق الطاقة، وبناء الأنسجة.
المرحلة الثانية: مرحلة تخزين الفائض من الطاقة، التي تزيد على حاجة الجسم، فالسّكّر الفائض يخزّن في الكبد، والعضلات على نشاء حيواني، ويخزّنُ الفائض الدُّهني في معظم أنحاء الجسم.
فالأُولى: هضمٌ وامتصاصٌ واستهلاكٌ، والثانية: تخزينٌ.
والمرحلة الثالثة: هي مرحلة فتح مخازن الطاقة، وتحويل السكر والدّهون إلى سكرٍ وأحماضٍ دُهنيةٍ لإطلاق طاقتها في الجسم، وهذه المرحلة لها ميزةٌ خاصةٌ، وهي أنها لا تحدث مطلقاًَ إذا لم يمتنع الإنسان لفترةٍ زمنيةٍ محدّدةٍ عن تناول الطعام، فالمهمة الثالثة معطلةٌ إذا لم يمتنع الإنسان عن تناول الطعام!
قال العلماء: "يبدأ مستوى السكر في الدم من ثمانين إلى مئة وعشرين ميليغراماً في كل مئة سنتمترٍ مكعبٍ". هذه نسبة السكر في الدم، وبعد صيام ستّ ساعاتٍ تنخفض هذه النسبة، وهنا تتجلّى عجيبةٌ من عجائب الجسم البشريّ؛ مركزٌ بالدّماغ، يرسل إلى الغدد الصماء رسائل عاجلةً يطلب منها العون والمدد، فيفرزُ الكظرُ هرموناً يحث على تحويل النشاء الحيوانيّ في العضلات والكبد إلى سكرٍ بوساطة هرمون، والغدّة الدرقيّة تفعل مثل ذلك عن طريق إفراز هرمونها، فهي تحث سكّر الدم المخزّن في العضلات والكبد على أن يُطلق ويستهلك؛ لأن نسبة السكر في الدم انخفضت بعد ست ساعاتٍ من الصيام، والغدّة الأخرى هي البنكرياس، تفعل مثل ذلك عن طريق هرمونٍ يحث هذه المخزونات على الانطلاق كي تستهلك، فإذا استهلك الإنسان ما هو مخزونٌ عنده من السكر في عضلاته وكبده يتحوّل العمل إلى الدّهون المخزّنة فتهدمها وتحرّر طاقتها، وقد أكّدت الأبحاث العلميّة ازدياد احتراق الدّهون طوال ساعات الصيام، واستهلاك الدهون المتراكمة في مناطق ترسّبها على الجسم.
إنها حقيقةٌ عجيبةٌ، فكل كيلوغرام من الأنسجة الدهنية يحتاج إلى ثلاثة كيلومترات من الأوعية الشعريّة التي يسري خلالها الدمُ، وهذه عبءٌ على القلب، فلو أن الإنسان زاد وزنُه عشرة كيلوغراماتٍ فهذا دليلٌ على أنّ به ثلاثمئة كيلومتر من الأوعية الشعريّة الزائدة!
وقال العلماء: "إن فيزيولوجيّة خلق الأبدان تقتضي الامتناع عن تناول الطّعام". لماذا؟! لإراحة الوظيفة الأولى والثانية، ولإتاحة الفرصة لعمل الوظيفة الثالثة، فالصيام ترتاح به وظيفة هضم الطعام وامتصاصه، وترتاح الوظيفة الثانية وهي تخزينه، وتبقى الوظيفة الثالثة، وهي هدم المدّخرات الدهنيّة وإحراقها، واستهلاك المدّخرات الدهنيّة في العضلات والدم، فلكون الصّيام ضروريّاً لكل إنسان كانت هذه الفريضة على كل الأمم والشعوب. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:183].
ما قلناه في الجانب العلمي يعني شيئاً دقيقاً، وهو أنّ الصيام عبادةٌ، وقربٌ من الله، ومزيدٌ من الاتصال بالله، وكلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لله، وهو يجزي به؛ فالصّيام تقويةٌ لإرادة الإنسان، وحتى يشعر الإنسان بضعفه البشري.
ولا يعني البحث في الجانب العلمي في الصيام خدش مهمّة الصيام الأولى وهي العبادة والقرب، ولكن أمر الله متنوعٌ؛ فهو عبادةٌ، وهو قربٌ، وهو تحجيمٌ، وهو صلةٌ، وهو افتقارٌ، وهو إضافةً إلى كل هذا صحّةٌ.
مقال من مجلة الفرقان
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:183].
رأى العلماءُ أنّ في الصوم وقايةً وعلاجاً من أمراضٍ كثيرةٍ.. فبعض الأمراض المستعصية قد يكون علاجها في الصوم؛ كالتهاب المعدة الحادّ، وإقياءِ الحملِ العنيد، وبعض أنواع داء السكري، وارتفاع التوتر الشريانيّ، والقصور الكلويّ الحابس للملح، وخُنّاق الصدر، والالتهابات الهضمية المزمنة، وحصيات المرارة، وبعض الأمراض الجلدية.
الصومُ علاجٌ لبعض الأمراض، ولكنه إذا طُبّق كما شرعهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو وقايةٌ من أمراض كثيرةٍ.
ثم إن في الصيام -كما يُقرِّرُ الأطباءُ- صحةً نفسيةً، وإن في الصيام رفعاً لمستوى النفس، وتعويداً لها على الحرية من كل قيدٍ، وكلّ عادةٍ، وأفضلُ عادةٍ ألا يتعود الإنسانُ أيّ عادةٍ.. هذا الذي يُدمنُ التدخين، كيف استطاع أنْ يقلع عنه في رمضان، إذاً في الإمكان أن يقلع عنه، وأكبر شاهدٍ على ذلك شهرُ الصيام.
إذاً الإنسانُ يقوّي إرادته بالصيام، والإنسان بالصيام يُنمّي إخلاصه.. إن الصيام عبادة الإخلاص، وإن الصيام أيضاً ينمي مشاعر الإنسان؛ فقد يكون الطعام والشرابُ متوفّراً، ولا يستطيع الإنسانُ أن يأكل أو يشرب منه شيئاً.
من الفوائد المادية للصوم أن المعدة والجهاز الهضميّ تأخذ إجازة في رمضان، ويستريح جهاز الدوران والقلب، والكليتان والتصفية، هذه الأجهزة الخطيرة التي إذا أصابها العطب انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم، فإذا توقفت الكليتان توقفاً مفاجئاً، فإنه شيءٌ لا يحتمل، وإذا أصيب القلب بالضعف، وضاقت الشرايين وتصلَّبت، واحتشى القلب فالأمر عسيرٌ.. هناك أمراضٌ تصيب القلب لا تعدُّ ولا تحصى، هناك أمراضٌ متفشِّيةٌ تصيب الأوعية، هناك أمراضٌ كثيرةٌ تصيب المعدة والأمعاء، وأمراضٌ تصيب الكبد، وأمراضٌ تصيب جهاز البول؛ هذه الأجهزة الخطيرة من جهاز دورانٍ وهضمٍ، وجهاز طرح الفضلات، هذه الأجهزة يكون الصيام وقايةً لها.. لا نقول: إن الصيام علاجٌ فحسب، ولكنه وقايةٌ.
تقول مقالةٌ عن أمراض القلب: "إن عمل القلب وسلامته منوط بحجم الطعام في المعدة ونوعيته"! فالقلب وسلامته وانتظامه، والشرايين ومرونتها؛ هذه الأشياء متعلقةٌ بنوع الطعام وحجمه في المعدة؛ لذلك أمرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في الطعام والشراب، والله سبحانه أمرنا بذلك أيضاً فقال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31].
فمن تجاوز الحد في الطعام والشراب أتاه شهر الصيام ليصلح ذلك الخطأ والإعوجاج والتعفنات التي في جهاز الهضم، وليصلح الوزن الذي زاد على حده الطبيعي، وإن الأغلاط التي يرتكبها الإنسان في السَّنَةِ يأتي الصيام ليضع لها حدّاً، أمّا إذا كان الإنسان مطبّقاً للسُّنَّة النبويّة فشهر رمضان يزيده صحّة ونشاطاً، وفي كتاب "إحياء علوم الدين" عقد الغزالي فصلاً أو باباً كبيراً عن فضائل الجوع، فقال: "الخير كله مجموعٌ في خزائن الجوع، وليس المقصود به الجوع الشديد، ولكنّه الاعتدال في الطعام والشراب؛ لأنّ البطنة تذهب الفطنة، وإن كثرة الطعام، وإدخال الطعام على الطعام، وإكثار الوجبات؛ هذه تصيب الإنسان بالكسل، والخمول، والركود، والأمعاء بالتعفن، والقلب بالإرهاق". حينها يأتي شهر الصيام ليُجدّد الصحة، فجسمك مطيّتك في هذه الدنيا، لنا عُمُرٌ محدودٌ، ولكن إما أن نمضيه واقفين نشيطين، وإما أن نمضيه مستلقين على أسرَّتنا، وشتان بين الحالتين!
وقد رُوي: "صوموا تصحوا" (الفردوس بمأثور الخطاب (3745)، وانظر كشف الخفاء (1455)، وفيه ضعف).
الصّيام دورةٌ وقائيةٌ وعلاجيةٌ
ومعنى الصحة هنا الوقايةُ من الأمراض؛ إنك إذا أديت صيام هذا الشهر على التمام والكمال فقد وقيت جسمك من الأمراض الوبيلة التي لا قِبَل لك بها، ولكن هذا الذي يمتنع عن الطعام والشراب في النهار، فإذا جلس إلى المائدة أكل أكل الجِمال، هذا لم يحقق الهدف من الصيام، فلا بد من الاعتدال في الطعام والشراب في أيام الصيام.
أما إذا جعلت الوجبات الثلاث النهارية في رمضان ليليةً!! فماذا حققت؟! إن وجبة دسمة مع الإفطار تجعله يقعد فلا يقوم، وعند منتصف الليل وجبةٌ أخرى، وعند السحور وجبةٌ أخرى؛ فهذا قلب وجبات النهار إلى وجباتٍ ليليةٍ، وما فعل شيئاً، فقد بقيت الأمراض والإرهاقات كما هي.
قال بعضُ العلماء: "إن الصيام دورةٌ وقائيةٌ سنويةٌ، تقي الإنسان من الأمراض الكثيرة، فهو سلوكٌ وقائيٌّ من أجل سلامة هذه العضوية، ودورةٌ علاجيةٌ بالنسبة لبعض الأمراض، فالصيام يقي المسلم المتبع لسننه المعتدلة في تناول الطعام في أثناء الصيام من أمراض الشيخوخة".
إن أمراض الشيخوخة تظهر في الكِبَر، ولكن مسبّباتها تبدأ في الشباب، يأتي الصيام ليقيم توازناً بين استهلاك العضوية ووقاية الأجهزة؛ فلذلك معظم أمراض الشيخوخة تنجم عن الإفراط في إرهاق العضوية طوال الحياة بالطعام والشراب وبسائر الملذات، وبالعمل، والتعب، وبذل الجهد؛ فيأتي الصيام ليريح هذه العضوية، وليصحّح الأخطاء التي ارتكبت في بقية أشهر العام، فيعود الجسد من دورة رمضان وقد صانه صاحبه، وجدّد نشاطه به.
فالصيام كما يقول العلماء: "هو إلى الطبّ الوقائيّ أقرب منه إلى الطب العلاجي"، بدليل أن المريض يُرخَّصُ له في أن يفطر، وبعض حِكمه أن الصيام يخفّف العبء عن جهاز الدوران؛ القلب والأوعية؛ حيث تهبط نسبة الدسم وحموضة البول في هذا الشهر إلى أدنى درجةٍ، ومع انخفاض هذه النسبة يقي الإنسان نفسه من مرضٍ ذي خطورةٍ هو (تصلُّب الشرايين) الذي يُسبِّب إرهاق القلب، والذبحة الصدرية، ومع انخفاض نسبة حمض البول في الدم يقي الإنسان نفسه من مرضٍ آخر هو (التهاب المفاصل).
والصيام يريح الكِليتين بإقلال فضلات الاستقلاب، فتحوُّل الطعام إلى طاقةٍ عمليةٍ يسمّى (الاستقلاب)؛ ففي شهر الصيام ينخفض الاستقلاب إلى أدنى مستوى، هذا بشرط أن يصوم الإنسان كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن يأكل باعتدال، أما أن يجعل الطعام في الليل مكان النهار فليس هذا بالصيام المأمور به.
يقول العلماء: "إن سُكَّر الكبد (المخزون السكري) يتحرك في الصيام، ومع تحرُّك هذا المخزون يتجدّد نشاط الكبد". والإنسان لا يستطيع أن يعيش دون كبدٍ أكثر من ثلاث ساعاتٍ، وإن الصيام يدعو سكر الكبد إلى التحرك، ويتحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد، وتتحرك معه البروتينات والغدد وخلايا الكبد، وإن الصيام كما قال بعض الأطباء يُبدِّل الأنسجة وينظّفها، وكأنه صيانةٌ سنويةٌ لأنسجة الجسم وأجهزته، هذا عن الناحية الوقائية، فماذا عن الناحية العلاجية؟
إن الصيام يُعدُّ علاجاً لبعض الأمراض منها: التهاب المعدة الحادّ، وإقياءات الحمل العنيدة، وارتفاع الضغط الشريانيّ، والداء السكريّ، وقصور الكلية المزمن، وبعض الأمراض الجلدية.
الصيامُ وآليةُ الهضم
قال بعض العلماء المتخصّصين في التغذية: "ليس علم الإنسان بوظائف الطعام هو الذي يدفعه إلى تناول الطعام، ولكنّ الإحساس بالجوع الضاغط، وشهوة الطعام الباعثة هما اللذان يحركان الإنسان إلى الطعام، أما حاسّة الجوع فتدعو الإنسان إلى ما يسدّ حاجته من الطعام ليبقى حيّاً، وأمّا شهوة الطعام الباعثة فهي وسيلةٌ وليست غايةً".
فمن نعم الله عز وجل أنّ هذا الطعام الذي هو سبب في بقاء حياتك طيّب المذاق؛ فهناك الحاجة إلى الطعام بدافع الإحساس بالجوع، وهناك لذّة الطعام؛ فقد يستكمل الإنسان حاجته إلى الطعام بسائل يُحقن في دمه، ولكن الله عز وجل تفضل علينا فجعل هذا الطعام ذا طعمٍ لذيذٍ، فشهوة الطعام وسيلة، فإذا جعلها الإنسان غايةً اضطرب الجسم، وثمة أناسٌ كثيرون عن سوء تقديرٍ منهم، أو عن ضعف في إرادتهم يجعلون شهوة الطعام غايةً، وإذا أصبحَ الطعام غاية يتعطّل ما يسمّيه العلماء (الجرس الخفيّ)، الذي يدقُّ حين الجوع فقط! فتتعطّل وظيفة هذا الجرس، فالمعدة كما قال عنها العلماء "تتمدّد مراتٍ عديدةً، فمن حجمٍ ابتدائيٍّ مئتين وخمسين سنتمتراً مكعباً، إلى ألفين وخمسمئة سنتمتر مكعب"، فحينما تتمدّد المعدة يصبح الطعام هدفاً، وعندها نعيش لنأكل!
وهناك حقيقةٌ عجيبةٌ جدّاً، ولكنّها ثابتةٌ على نحوٍ قاطعٍ، وهي أن آليات تعامل الأبدان مع الطعام تستوجب الصيام، فقد خلق المولى جل وعلا الأبدان على نحوٍ يهيئ التعامل مع مركبات الطعام وفقاً لآليةٍ تسير بانتظامٍ وتوافقٍ في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة هضم الطعام في المعدة والأمعاء، ثم الامتصاص والتمثيل، وتحويل الطعام إلى سكر يسري في الدّماء، إلى مواد أخرى مرمِّمةٍ يستخدمها الجسم لإطلاق الطاقة، وبناء الأنسجة.
المرحلة الثانية: مرحلة تخزين الفائض من الطاقة، التي تزيد على حاجة الجسم، فالسّكّر الفائض يخزّن في الكبد، والعضلات على نشاء حيواني، ويخزّنُ الفائض الدُّهني في معظم أنحاء الجسم.
فالأُولى: هضمٌ وامتصاصٌ واستهلاكٌ، والثانية: تخزينٌ.
والمرحلة الثالثة: هي مرحلة فتح مخازن الطاقة، وتحويل السكر والدّهون إلى سكرٍ وأحماضٍ دُهنيةٍ لإطلاق طاقتها في الجسم، وهذه المرحلة لها ميزةٌ خاصةٌ، وهي أنها لا تحدث مطلقاًَ إذا لم يمتنع الإنسان لفترةٍ زمنيةٍ محدّدةٍ عن تناول الطعام، فالمهمة الثالثة معطلةٌ إذا لم يمتنع الإنسان عن تناول الطعام!
قال العلماء: "يبدأ مستوى السكر في الدم من ثمانين إلى مئة وعشرين ميليغراماً في كل مئة سنتمترٍ مكعبٍ". هذه نسبة السكر في الدم، وبعد صيام ستّ ساعاتٍ تنخفض هذه النسبة، وهنا تتجلّى عجيبةٌ من عجائب الجسم البشريّ؛ مركزٌ بالدّماغ، يرسل إلى الغدد الصماء رسائل عاجلةً يطلب منها العون والمدد، فيفرزُ الكظرُ هرموناً يحث على تحويل النشاء الحيوانيّ في العضلات والكبد إلى سكرٍ بوساطة هرمون، والغدّة الدرقيّة تفعل مثل ذلك عن طريق إفراز هرمونها، فهي تحث سكّر الدم المخزّن في العضلات والكبد على أن يُطلق ويستهلك؛ لأن نسبة السكر في الدم انخفضت بعد ست ساعاتٍ من الصيام، والغدّة الأخرى هي البنكرياس، تفعل مثل ذلك عن طريق هرمونٍ يحث هذه المخزونات على الانطلاق كي تستهلك، فإذا استهلك الإنسان ما هو مخزونٌ عنده من السكر في عضلاته وكبده يتحوّل العمل إلى الدّهون المخزّنة فتهدمها وتحرّر طاقتها، وقد أكّدت الأبحاث العلميّة ازدياد احتراق الدّهون طوال ساعات الصيام، واستهلاك الدهون المتراكمة في مناطق ترسّبها على الجسم.
إنها حقيقةٌ عجيبةٌ، فكل كيلوغرام من الأنسجة الدهنية يحتاج إلى ثلاثة كيلومترات من الأوعية الشعريّة التي يسري خلالها الدمُ، وهذه عبءٌ على القلب، فلو أن الإنسان زاد وزنُه عشرة كيلوغراماتٍ فهذا دليلٌ على أنّ به ثلاثمئة كيلومتر من الأوعية الشعريّة الزائدة!
وقال العلماء: "إن فيزيولوجيّة خلق الأبدان تقتضي الامتناع عن تناول الطّعام". لماذا؟! لإراحة الوظيفة الأولى والثانية، ولإتاحة الفرصة لعمل الوظيفة الثالثة، فالصيام ترتاح به وظيفة هضم الطعام وامتصاصه، وترتاح الوظيفة الثانية وهي تخزينه، وتبقى الوظيفة الثالثة، وهي هدم المدّخرات الدهنيّة وإحراقها، واستهلاك المدّخرات الدهنيّة في العضلات والدم، فلكون الصّيام ضروريّاً لكل إنسان كانت هذه الفريضة على كل الأمم والشعوب. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:183].
ما قلناه في الجانب العلمي يعني شيئاً دقيقاً، وهو أنّ الصيام عبادةٌ، وقربٌ من الله، ومزيدٌ من الاتصال بالله، وكلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لله، وهو يجزي به؛ فالصّيام تقويةٌ لإرادة الإنسان، وحتى يشعر الإنسان بضعفه البشري.
ولا يعني البحث في الجانب العلمي في الصيام خدش مهمّة الصيام الأولى وهي العبادة والقرب، ولكن أمر الله متنوعٌ؛ فهو عبادةٌ، وهو قربٌ، وهو تحجيمٌ، وهو صلةٌ، وهو افتقارٌ، وهو إضافةً إلى كل هذا صحّةٌ.
مقال من مجلة الفرقان


: