- 15 أكتوبر 2005
- 2,341
- 1
- 0
- الجنس
- ذكر
هذه قصة يفهمها................... العرب
.
.
.
.
دعا المأمون يوماً بأبي عباد، فدفع إليه كتاباً مختوماً، وأمره أن يأتي عمرو بن مسعدة،
فيناظره على ما فيه باباً، باباً، ويأخذ تحت كل باب خطه فيه، ويختمه بخاتمه، وخاتم
عمرو، ويحتفظ به إلى أن يسأله عنه، ولا يذكره ابتداءاً، وأكد على ذلك.
قال: فعلمت أنها وقيعة، وقد كنت شاركت عمراً في أشياء، فصارت إلينا منها أموال،
فخفت أن تكون مذكورة في الكتاب.
فقصدت عمراً، فوجدته في بستان أحمد بن يوسف، يلعب بالشطرنج مع بعض أصحابه،
فعرفته أني محتاج إلى الخلوة معه.
فقال: دعني الساعة، فقد استوى لي هذا الدست.
فضاق صدري، وقلبت الشطرنج، وقلت: قد سال السيل، وهلكنا وأنت غافل، إقرأ هذا
الكتاب، فقرأه، فطالبته أن يكتب خطه، تحت كل فصل منه، بحجته.
فضحك، وقال: ويحك، أما تستحي، تخدم رجلاً طول هذه المدة، ولا تعرف أخلاقه، ولا
مذهبه؟.
فقلت: يا هذا، أخبرني عنك، إن أقدمت على جحد ما في هذا الكتاب، لتعذر حجة ما
شاركتك فيه، أما أنا فوالله أجحد، ولكن أصبر لأمر الله تعالى.
قال: فتحب أن اطلعك على ما هو أشد عليك من هذا ؟.
قلت: وما هو ؟.
فقال: كتاب دفعه إلي أمير المؤمنين منذ سنة، وأمرني فيه بمثل ما أمرك في هذا، فعرفت
ضيق صدرك، فلم أذكره لك.
فكدت أموت إلى أن فرغ من كلامه، فقلت له: أرني اياه، فأحضره، وقرأته، وأنا أنتفض،
وعمرو يضحك.
فلما فرغت منه، قلت: عند الله أحتسب نفسي ونعمتي.
فقال: أنت والله مجنون.
فقلت: دعنا من هذا، ووقع تحت كل فصل.
فنظر إلى جملة ما نسب إليه في الكتاب، فوجده أربعين ألف ألف درهم، فوقع في آخره: لو
قصرت همتنا في هذا القدر وأضعافه، لوسعتنا منازلنا، وما يفي هذا، بدلجة في برد، أو روحة في حر، وأرجو أن يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، ويبلغنا فيه ما نؤمله به، وعلى يده.
وكان جملة ما رفع علي، سبعة وعشرون ألف ألف درهم.
فقال: يا هذا، إن صاحبنا ليس ببخيل، ولكنه رجل يكره أن يطوى معروفه، وإنما أراد أن
يعلمنا أنه قد علم بما صار إلينا، فأمسك عنه على علم.
ثم ختم الكتاب بخاتمه، وخاتمي، وانصرفت وأنا في الموت، فلم ألبث أن كتبت وصيتي،
وأحكمت أمري، وكنت سنة مغموماً، وذاب جسمي.
فقال لي المأمون يوماً: يا أبا عباد، قد أنكرت حالك، أتشكو علة ؟
فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكني منذ سنة، حي كميت، لأجل الكتاب الذي دفعه إلي
أمير المؤمنين، لأناظر عليه عمرو بن مسعدة.
فقال: أمسك عني، حتى أعيد عليك جميع ما جرى بينكما، فحدثني بجميع ما دار بيننا،
كأنه كان ثالثنا.
فقلت: لقد استقصى لك الذي وكلته بخبرنا، والله، ما خرم منه حرفاً.
فقال: والله، ما وكلت بكما أحداً، ولكن ظناً ظننته، وعلمت أنه لا يدور بينكما غيره،
ولقد عجبت من غير عجب، لأن عقول الرجال يدرك بعضها بعضاً، وهذا عمرو بن
مسعدة، أعرف بنا منك، وأوسع صدراً، وأبعد همة، وما أردت بما فعلت، إلا أن تعلما
أني قد عرفت ما صار إليكما، وتستكثرانه، فأحببت أن أزيل عنكما غم المساترة، وثقل
المراقبة، وأني لمتذمم لكما، خجل من ضعف أثري عليكما.
فسررت، وصرت كأني أطلقت من عقال، فشكرته ودعوت له.
ثم قلت: ما أصنع بذلك الكتاب ؟.
قال: خرقه إلى لعنة الله، وامض مصاحباً، آمناً، في ستر الله عز وجل.
.
.
.
.
دعا المأمون يوماً بأبي عباد، فدفع إليه كتاباً مختوماً، وأمره أن يأتي عمرو بن مسعدة،
فيناظره على ما فيه باباً، باباً، ويأخذ تحت كل باب خطه فيه، ويختمه بخاتمه، وخاتم
عمرو، ويحتفظ به إلى أن يسأله عنه، ولا يذكره ابتداءاً، وأكد على ذلك.
قال: فعلمت أنها وقيعة، وقد كنت شاركت عمراً في أشياء، فصارت إلينا منها أموال،
فخفت أن تكون مذكورة في الكتاب.
فقصدت عمراً، فوجدته في بستان أحمد بن يوسف، يلعب بالشطرنج مع بعض أصحابه،
فعرفته أني محتاج إلى الخلوة معه.
فقال: دعني الساعة، فقد استوى لي هذا الدست.
فضاق صدري، وقلبت الشطرنج، وقلت: قد سال السيل، وهلكنا وأنت غافل، إقرأ هذا
الكتاب، فقرأه، فطالبته أن يكتب خطه، تحت كل فصل منه، بحجته.
فضحك، وقال: ويحك، أما تستحي، تخدم رجلاً طول هذه المدة، ولا تعرف أخلاقه، ولا
مذهبه؟.
فقلت: يا هذا، أخبرني عنك، إن أقدمت على جحد ما في هذا الكتاب، لتعذر حجة ما
شاركتك فيه، أما أنا فوالله أجحد، ولكن أصبر لأمر الله تعالى.
قال: فتحب أن اطلعك على ما هو أشد عليك من هذا ؟.
قلت: وما هو ؟.
فقال: كتاب دفعه إلي أمير المؤمنين منذ سنة، وأمرني فيه بمثل ما أمرك في هذا، فعرفت
ضيق صدرك، فلم أذكره لك.
فكدت أموت إلى أن فرغ من كلامه، فقلت له: أرني اياه، فأحضره، وقرأته، وأنا أنتفض،
وعمرو يضحك.
فلما فرغت منه، قلت: عند الله أحتسب نفسي ونعمتي.
فقال: أنت والله مجنون.
فقلت: دعنا من هذا، ووقع تحت كل فصل.
فنظر إلى جملة ما نسب إليه في الكتاب، فوجده أربعين ألف ألف درهم، فوقع في آخره: لو
قصرت همتنا في هذا القدر وأضعافه، لوسعتنا منازلنا، وما يفي هذا، بدلجة في برد، أو روحة في حر، وأرجو أن يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، ويبلغنا فيه ما نؤمله به، وعلى يده.
وكان جملة ما رفع علي، سبعة وعشرون ألف ألف درهم.
فقال: يا هذا، إن صاحبنا ليس ببخيل، ولكنه رجل يكره أن يطوى معروفه، وإنما أراد أن
يعلمنا أنه قد علم بما صار إلينا، فأمسك عنه على علم.
ثم ختم الكتاب بخاتمه، وخاتمي، وانصرفت وأنا في الموت، فلم ألبث أن كتبت وصيتي،
وأحكمت أمري، وكنت سنة مغموماً، وذاب جسمي.
فقال لي المأمون يوماً: يا أبا عباد، قد أنكرت حالك، أتشكو علة ؟
فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكني منذ سنة، حي كميت، لأجل الكتاب الذي دفعه إلي
أمير المؤمنين، لأناظر عليه عمرو بن مسعدة.
فقال: أمسك عني، حتى أعيد عليك جميع ما جرى بينكما، فحدثني بجميع ما دار بيننا،
كأنه كان ثالثنا.
فقلت: لقد استقصى لك الذي وكلته بخبرنا، والله، ما خرم منه حرفاً.
فقال: والله، ما وكلت بكما أحداً، ولكن ظناً ظننته، وعلمت أنه لا يدور بينكما غيره،
ولقد عجبت من غير عجب، لأن عقول الرجال يدرك بعضها بعضاً، وهذا عمرو بن
مسعدة، أعرف بنا منك، وأوسع صدراً، وأبعد همة، وما أردت بما فعلت، إلا أن تعلما
أني قد عرفت ما صار إليكما، وتستكثرانه، فأحببت أن أزيل عنكما غم المساترة، وثقل
المراقبة، وأني لمتذمم لكما، خجل من ضعف أثري عليكما.
فسررت، وصرت كأني أطلقت من عقال، فشكرته ودعوت له.
ثم قلت: ما أصنع بذلك الكتاب ؟.
قال: خرقه إلى لعنة الله، وامض مصاحباً، آمناً، في ستر الله عز وجل.

