إعلانات المنتدى


مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن أنس رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى متفق عليه وفي رواية لمسلم تبكي على صبي لها


الشَّرْحُ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات وكانت تحبه حباً شديداً فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده فلما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر .
قال لها: اتقي الله واصبري فقالت له إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي إليك عني أي أبعد عني .
وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها .
ثم قيل لها إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بابه وليس على الباب بوابون أي ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه فأخبرته وقالت إنني لم أعرفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر أول ما تصيبه المصيبة هذا هو الصبر أما الصبر بعد ذلك فإن هذا ربما يكون تسلياً كما تتسلى البهائم فالصبر حقيقة أن الإنسان إذا صدم أول ما يصدم ويصبر ويحتسب ويحسن أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها .
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً :حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام ودعوته إلى الحق وإلى الخير فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر .
ولما قالت إليك عني لم ينتقم لنفسه ولم يضربها ولم يقمها بالقوة لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها ولهذا خرجت من بيتها لتبكي على هذا القبر فإن قال قائل أليست زيارة القبور حراماً على النساء قلنا بلى هي حرام على النساء بل هي من كبائر الذنوب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج لكن هذه لم تخرج للزيارة وإنما خرجت لما في قلبها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد لم تملك نفسها أن تأتي ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة ولم يجبرها أن ترجع إلى بيتها .
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان يعذر بالجهل سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال فإن هذه المرأة قالت للرسول صلى الله عليه وسلم إليك عني وقد أمرها بالخير والتقوى والصبر ولكنها لم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا عذرها الرسول عليه الصلاة والسلام .
ومنها أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكن أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر فلهذا لا بأس به .
وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر كما في الحديث وإلا من أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء .
ومن فوائده أن الصبر الذي يحمد فاعله الصبر عند الصدمة الأولى يصبر الإنسان ويحتسب ويعلم أن لله ما أخذ وله ما أعطى وأن كل شيء عنده بأجل مسمى .
ومنها أن البكاء عند القبر ينافي الصبر ولهذا قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم اتقي الله واصبري .
ويوجد من الناس من يبتلى فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده وهذا ينافي الصبر بل نقول إن شئت أن تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك ولا حاجة أن تتردد على القبر لأنه يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائماً في ذهنه ولا يغيب عنه وحينئذ لا ينسى المصيبة أبداً مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسى المصيبة بقدر ما يستطيع والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري .


الشَّرْحُ
هذا الحديث يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ويسمي العلماء - رحمهم الله - هذا القسم من الحديث، الحديث القدسي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رواه عن الله .
والصفي من يصطفيه الإنسان ويختاره من ولد، وأخ أو عم أو أب أو أم أو صديق المهم أن ما يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو صلة منه قوية إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان، فليس له جزاء إلا الجنة .
ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب يجازيه الجنة .
وفيه دليل على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه على عباده فإن الملك ملكه والأمر أمره وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل ومع ذلك إذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب فإن له هذا الجزاء العظيم .
وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد الإشارة إلى أفعال الله من قوله إذا قبضت صفيه ولا شك أن الله سبحانه فعال لما يريد ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله كله خير لا ينسب الشر إلى الله أبداً والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل .
فمثلاًَ إذا قدر الله على الإنسان ما يكره فلا شك أن ما يكره الإنسان بالنسبة إليه شر لكن الشر في هذا القدر لا في تقدير الله لأن الله لا يقدره إلا لحكمة عظيمة إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق .
أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه وأحياناً في الخلق على سبيل العموم .
المقدر عليه إذا قدر الله عليه شراً وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، إذا قدر الله عليه شراً ورجع إلى ربه بسبب هذا الأمر لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسى شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلى الله فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى ويكون في ذلك فائدة عظيمة له .
أما بالنسبة للآخرين فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون .
ولنضرب لذلك مثلاً برجل عنده بيت من الطين فأرسل الله مطراً غزيراً دائماً فإن صاحب هذا البيت يتضرر لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها .
صار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي إذ أنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل لا ملجأ إلا إليه فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة .
المهم أن المؤلف ذكر هذا الحديث في باب الصبر لأن فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه أنه ليس له جزاء إلا الجنة والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد رواه البخاري
- وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه رواه البخاري .


الشَّرْحُ
نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أما حديث عائشة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الطاعون رجس أي عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده .
والطاعون قيل إنه وباء معين وقيل إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه .
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجس عذاب أرسله الله عز وجل ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له فإن الله يكتب له مثل أجر الشهيد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه إذا وقع الطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً .
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله .
خرجوا من ديارهم وهم ألوف - قال بعض العلماء في تفسير الآية إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الصبر والاحتساب وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به كتب الله له مثل أجر الشهيد .
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان سوف يهرب يخاف من الطاعون فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد وهذا من نعمة الله عز وجل .
أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن ربه تبارك وتعالى إنه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلا عوضه الله بهما الجنة لأن العين محبوبة للإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإن الله يعوضه بهما الجنة .
والجنة تساوي كل الدنيا بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها أي مقدار متر لأن ما في الآخرة باق لا يفنى ولا يزول والدنيا كلها فانية زائلة فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها .
واعلم أن الله سبحانه إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها .
فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة - سيارة الأجرة - يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة تيامن تياسر حتى يوقفه عند بابه لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي أن نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه .

الشَّرْحُ
هذا الحديث يحكي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً مما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأنبياء كلفهم الله بالرسالة لأنهم أهل لها كما قال الله تعالى {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك .
وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون بالقول والفعل وربما بلغ الأمر إلى قتلهم وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية } أي إن استطعت أن تفعل ذلك فافعل { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك حتى يتبين الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة { فلا تكونن من الجاهلين } حكى نبينا صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
هذا غاية ما يكون من الصبر لأن الإنسان لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً وانتقم ممن ضربه وهذا يدعوا إلى الله ولا يتخذ على دعوته أجراً مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وهذا الذي حدثنا به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثا أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ به عبرة نسير عليها كما قال سبحانه { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } العبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلى الله وأن نقول متمثلين
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقال فينا بسبب الدعوة إلى الله وأن نرى أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا فعسى أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها فيكون هذا الأذى الذي نسمع يكون كفارة لما وقع منا لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً إلا أن يشاء الله فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلى الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته وليحتسب ولا ينكص على عقبيه لا يقول لست بملزم أنا أصابني الأذى أنا تعبت بل الواجب الصبر الدنيا ليست طويلة أيام ثم تزول فاصبر حتى يأتي الله بأمره وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لنا فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث وهو أمر شائع عند جميع الناس يقول كأني أنظر إلى فلان وهو يقول كذا وكذا أي إني ضبطت القصة فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنه والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه متفق عليه و الوصب المرض
- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك أن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها متفق عليه و الوعك مغث الحمى وقيل الحمى .

الشَّرْحُ
في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين فيه دليل على أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى يبتلي سبحانه وتعالى عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقى مسروراً دائما بل هو يوم يسر ويوم يحزن ويوم يأتيه شيء ويوم لا يأتيه فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله ولا تحصى المصائب التي تصيب الإنسان ولكن المؤمن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة لا تظن أنه يذهب سدى بل ستعوض عنه خيراً منه ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها وهذا من نعمة الله .
وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر الاحتساب أي احتساب الأجر كان له مع هذا أجر فالمصائب تكون على وجهين:
1 - تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله فيكون فيها فائدتان تكفير الذنوب وزيادة الحسنات .
2 - وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره ويغفل عن نية الاحتساب والأجر على الله فيكون في ذلك تكفير لسيئاته إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر لأنه لم ينو شيئاً ولم يصبر ولم يحتسب الأجر وإما أن يربح شيئين كما تقدم .
ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته فالحمد لله رب العالمين .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون رواه البخاري .
وفي رواية وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة

الشَّرْحُ
حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ثم يؤتى بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، وأيضا يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة .
ثم أقسم عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر يعني سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون أي فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم عليه الصلاة والسلام ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطابقاً لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام .
وآية من آيات النبي عليه الصلاة والسلام حيث صدقه الله بما أخبر به وهذه شهادة له من الله بالرسالة كما قال الله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً وفيه أيضاً دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين وإذا صبر الإنسان ظفر فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة .
قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذنهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء .
اليهود من بني إسرائيل قتلوا الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر بل يبقى راسيا كالصخرة والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين .
فإذا صبر وثابر وسلك الطرق توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطا ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم .
أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا فإنه قد يفوتهم شيء كثير وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا إن كانوا قد بنوا شيئاً .
لكن المؤمن يصبر ويتئد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطاً منظماً يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير .
فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه اصبروا فالمؤمن فيمن قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان فاصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين .
فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل فالدرب طويل لا سيما إذا كنت أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فاقطع عليهم السبيل وكن أطول منهم نفساً وأشد منهم مكراً فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر فقلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً متفق عليه .
وقوله كالصرف هو بكسر الصاد المهملة وهو صبغ أحمر .

الشَّرْحُ
قوله لما كان غزوة حنين وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة غزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل وغنم ودراهم ودنانير ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل بالجعرانة وهي محل عند منتهى الحرم من جهة الطائف .
نزل بها وصار يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم - أي في زعماء القبائل يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيراً حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل .
فقال رجل من القوم والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله نعوذ بالله .
يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة .
هذه الكلمة كلمة كفر أن ينسب الله ورسوله إلى عدم العدل وإلى أن النبي لم يرد بها وجه الله .
ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بها وجه الله أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا ولكن الجهل والعياذ بالله يوقع صاحبه في الهلكة .
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بها ورفعها إليه أخبره بأن هذا الرجل يقول كذا وكذا فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف - أي كالذهب - من صفرته وتغيره .
ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام إذا كانت قسمة الله ليست عدلاً وقسمة رسوله ليست عدلاً فمن يعدل إذا ثم قال: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر والشاهد هذه الكلمة هي أن الأنبياء يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته يعني ليس في أول الدعوة بل بعدما مكن الله له وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم مع ذلك يقال هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله .
فإذا كان هذا قول رجل في صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء إن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا في العلماء .
لأنهم إذا قدحوا في العلماء وسقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله بل تقودهم الشياطين وحزب الشيطان ولذلك كان غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله لأن العلماء حملة لواء الإسلام فإذا سقطت الثقة بأقوالهم، سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية .
فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة فإن لحوم العلماء لحوم ميتة مسمومة لما فيه من الضرر العظيم .
فأقول: لا تستغرب إذا سمعت أحداً يسب العلماء وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل فاصبر واحتسب الأجر من الله عز وجل واعلم أن العاقبة للتقوى .
ما دام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له .
كذلك يوجد بعض الناس يكن له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم في خطيئة واحدة .
على هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر وأن يعلم أن الأنبياء قد سبوا وأوذوا وكذبوا وقيل إنهم مجانين وإنهم شعراء وإنهم كهنة وإنهم سحرة فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا هكذا يقول الله عز وجل .
ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا كان في هذا مصلحة للإسلام .
ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، لا إذا رأى في هذا مصلحة للإسلام وزاد في العطاء فإن هذا إليه وهو مسؤول أمام الله ولا يحل لأحد أن يعترض عليه فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه .
وفيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر بمن مضى من الرسل ولهذا قال لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر لأن الله يقول: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ويقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فأمر الله نبيه أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله .
وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الصبر على الأذى وأن نحتسب الأجر على الله وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب وتكفير لسيئاتنا والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط رواه الترمذي وقال حديث حسن .


الشَّرْحُ
الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته لأن الله يقول عن نفسه فعال لما يريد ويقول { إن الله يفعل ما يشاء } فكل الأمور بيد الله والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .
المهم أن تعجل له العقوبة، لأن العقوبات تكفر السيئات فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد فإن يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .
لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ويفرح فرحاً مذموما بما أنعم الله به عليه .
وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة نسأل الله العافية فإذا رأيت شخصاً يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم فاعلم أن الله إنما أراد به شراً لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة .
ثم ذكر في هذا الحديث أن عظم الجزاء من عظم البلاء يعني أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء فالبلاء السهل له أجر يسير والبلاء الشديد له أجر كبير لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير وإذا هانت المصائب هان الأجر .
وإن الله إذا أحب قوم ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط وهذه بشرى للمؤمن إذا ابتلي بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد يبتليه سبحانه بالمصائب فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى وإن سخط فله السخط .
وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه .
و الصرعة بضم الصاد وفتح الراء وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً
- وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم متفق عليه


الشَّرْحُ
هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيستشيط غضباً ويحتمي جسده وتنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويتكلم بكلام لا يعقله أحياناً ويتصرف تصرفاً لا يعقله أيضاً ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب .
وبين النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن الشديد ليس بالصرعة فقال ليس الشديد بالصرعة أي ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم .
هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس هذا هو الشديد حقيقة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أي القوى الحقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها لأن هذه هي القوة الحقيقية .
قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب .
ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب وأن لا يسترسل فيه لأنه يندم بعده كثيراً ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة .
كثيراً ما يغضب الإنسان فيتلف ماله إما بالحرق أو بالتكسير، كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه وربما مات بضربه وكذلك يغضب على زوجته مثلاً فيضربها ضرباً مبرحاً وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان وقت الغضب ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق .
وكذلك ذكر المؤلف رحمه الله حديث لسليمان بن صرد رضي الله عنه في رجلين استبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله أي اعتصم به .
من الشيطان الرجيم لأن ما أصابه من الشيطان .
وعلى هذا فنقول المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يتوضأ فإن الوضوء يطفئ الغضب .
وإن كان قائماً فليقعد وإن كان قاعداً فليضطجع وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

- وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب رواه البخاري .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

الشَّرْحُ
هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر .
أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة الحديث .
الغيظ هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ لأن من لا يستطيع لا يغضب لكنه يحزن ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن لأن الحزن نقص والغضب في محله كمال فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء .
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله أوصني قال لا تغضب فردد مراراً فقال لا تغضب فقد سبق الكلام عليه .
والحديث الثالث دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته إذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة .
ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ولكن هذا إذا صبر .
أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

باب الصدق
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً متفق عليه .

الشَّرْحُ
قوله عليكم بالصدق أي ألزموا الصدق والصدق مطابقة الخبر للواقع وقد سبق في حديث كعب وصاحبيه ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته وأن الصادق هو الذي له العاقبة والكاذب هو الذي يكون عمله هباء لهذا يذكر أن بعض العامة قال إن الكذب ينجي فقال له أخوه الصدق أنجى وأنجى هذا صحيح واعلم أن الكذب يكون باللسان ويكون بالأركان .
أما باللسان فهو القول وأما بالأركان فهو الفعل ولكن يكون الكذب بالفعل إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله فالمنافق مثلاً كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن يصلي مع الناس ويصوم مع الناس ويتصدق ولكنه بخيل وربما يحج فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عما في الباطن فهي كذب .
ولهذا نقول الصدق يكون باللسان وبالأركان فمتى طابق الخبر الواقع فهو صدق وهذا باللسان ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صدق وهذا صدق بالأقوال .
ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام عندما أمر بالصدق بين عاقبتهم فقال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة .
البر كثرة الخير ومنه من أسماء الله البر أي كثير البر والإحسان عز وجل .
والبر من نتائج الصدق وقوله وإن البر يهدي إلى الجنة فصاحب البر نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منه يهديه بره إلى الجنة والجنة غاية كل مطلب .
ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاح الغرور وقوله إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وفي رواية: ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً .
الصديق في المرتبة الثانية من الخلق من الذين أنعم الله عليهم كما قال الله سبحانه { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فالرجل الذي يتحرى الصدق يكتب عند الله صديقاً ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس .
وتكون في الرجال وتكون في النساء قال الله تعالى { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } وأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة الذي استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام ولم يحصل عنده أي تردد وأي توقف بمجرد ما دعاه الرسول إلى الإسلام أسلم، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه، وصدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة ثم تقول إنك صعدت إلى السماء هذا لا يمكن .
ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له أما تسمع ما يقول صاحبك ؟ قال ماذا قال ؟ قالوا إنه قال كذا وكذا قال إن كان قد قال ذلك فقد صدق فمنذ ذلك اليوم سمى الصديق رضي الله عنه .
وأما الكذب فإنه قال وإياكم والكذب .
إياكم التحذير أي احذروا الكذب وهو الإخبار بما يخالف الواقع سواء كان بالقول أو بالفعل .
فإذا قال قائل ما اليوم فقلت اليوم يوم الخميس أو يوم الثلاثاء فكذب لأنه لا يطابق الواقع لأن اليوم الأربعاء .
والمنافق كاذب لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر فهو كاذب بفعله .
وقوله وإن الكذب يهدي إلى الفجور يعني الخروج عن طاعة الله لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته وأعظم الفجور الكفر .
فإن الكفرة فجرة كما قال الله تعالى { أولئك هم الكفرة الفجرة } وقال تعالى { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين } وقال تعالى { وإن الفجار لفي جحيم } فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار .
وقوله وإن الرجل ليكذب وفي لفظ: لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا والكذب من الأمور المحرمة بل قال بعض العلماء إنه من كبائر الذنوب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعده بأنه يكتب عند الله كذاباً .
ومن أعظم الكذب ما يفعله الناس اليوم يأتي بالمقالة كذبا لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له وهذا وعيد على أمر سهل عند كثير من الناس .
فالكذب كله حرام وكله يهدي إلى الفجور ولا يستثنى منه شيء ورد في الحديث أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث المرأة زوجها وحديثه إياها .
ولكن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح وقال التورية قد تسمى كذبا كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين فيهن في ذات الله تعالى قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة الحديث وهو لم يكذب إنما ورى تورية هو فيها صادق .
وسواء كان هذا أو هذا فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاث على رأي كثير من أهل العلم .
وأشد شيء في الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل مثل أن يدعي عليه بحق ثابت فينكر ويقول والله مالك على حق أو يدعي ما ليس له فيقول لي عندك كذا وكذا وهو كاذب فهذا إذا حلف على دعواه وكذب فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار والعياذ بالله .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين صبر هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فالحاصل أن الكذب حرام ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقا إلا على المسائل الثلاث على الخلاف السابق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة رواه الترمذي وقال حديث صحيح قوله يريبك هو بفتح الياء وضمها ومعناه اترك ما تشك في حله واعدل إلى ما لا تشك فيه .


الشَّرْحُ
قوله دع أي اترك ما يريبك بفتح الياء أي تشك فيه ولا تطمئن إليه إلى ما لا يريبك أي إلى الشيء الذي لا ريب فيه .
وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية وهو حديث جامع مهم وهو باب عظيم من أبواب الورع والاحتياط .
وقد سلك أهل العلم رحمهم الله في أبواب الفقه هذا المسلك وهو الأخذ بجانب الاحتياط وذكروا لذلك أشياء كثيرة .
منها إنسان أصاب ثوبه نجاسة ولا يدري هل هي في مقدم الثوب أو في مؤخره إن غسل المقدم صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخر الثوب وإن غسل المؤخر صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مقدم الثوب فما هو الاحتياط ؟ ومنها لو شك الإنسان في صلاته هل صلى ركعتين أو ثلاث ركعات ولم يترجح عنده شيء فهنا إن أخذ بركعتين صار عنده ريبة فلعله نقص وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبة فلعله لم ينقص لكن يبقى قلقا فهنا يعمل بما لا ريبة فيه فيعمل بالأقل فإذا شك هل هي ثلاث أو أربع فليجعلها ثلاثاً وهكذا .
فهذا الحديث أصل من أصول الفقه أن الشيء الذي تشك فيه اتركه إلى شيء لا شك فيه ثم إن فيه تربية نفسية وهي أن الإنسان يكون في طمأنينة ليس في قلق لأن كثيراً من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك .
قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصدق طمأنينة وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب فالصدق طمأنينة لا يندم صاحبه أبداً ولا يقول ليتني وليت لأن الصدق منجاة والصادقون ينجيهم الله بصدقهم وتجد الصادق دائماً مطمئناً لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو يحصل في المستقبل لأنه قد صدق ومن صدق نجا .
أما الكذب فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه ريبة ولهذا تجد أول من يرتاب في الكاذب نفسه فيرتاب هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه .
ولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف بالله صدق لئلا يرتاب في خبره مع أنه محل ريبة .
تجد المنافقين مثلا يحلفون بالله ما قالوا ولكنهم في ريبة قال الله ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا فالكذب لا شك أنه ريبة وقلق للإنسان ويرتاب الإنسان هل علم الناس بكذبه أم لم يعلموا فلا يزال في شك واضطراب .
إذا نأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق لأن الكذب ريبة والصدق طمأنينة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والله الموفق .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل قال هرقل فماذا يأمركم يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان قلت يقول اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة .
متفق عليه

الشَّرْحُ
قال المؤلف - رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي سفيان بن حرب، وكان أبو سفيان مشركاً لم يسلم إلا متأخرا وفيما بين صلح الحديبية وفتح مكة وصلح الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة وفتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة .
قدم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة وكان ملكاً ذكيا فلما سمع بهم أي بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم وجعل يسألهم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وعن نسبه وعن أصحابه وعن توقيرهم له عن وفائه صلى الله عليه وسلم وكلما ذكر شيئاً أخبروه عرف أنه النبي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه والعياذ بالله شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله عز وجل .
لكن سأل أبا سفيان عما كان يأمرهم به صلى الله عليه وسلم فأخبر بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً فلا يعبدوا غير الله لا ملكاً ولا رسوله ولا شجراً ولا حجراً، ولا شمساً ولا قمراً ولا غير ذلك فالعبادة لله وحده وهذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءت به الرسل كلهم قال الله وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال الله تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي اعبدوا الله واجتنبوا الشرك .
هذه دعوة الرسل فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله .
ويقول اتركوا ما كان عليه آباؤكم انظر كيف الصدق بالحق كل ما كان عليه آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه وأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة فإنه لم يأمرهم بتركه كما قال الله تعالى { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } فالحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أمته الذين باشر دعوتهم أن يدعو ما كان عليه آباؤهم من الإشراك بالله .
وقوله وكان يأمرنا بالصلاة الصلاة صلة بين العبد وبين ربه وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبها يتميز المؤمن من الكافر فهي العهد التي بيننا وبين المشركين والكافرين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر أي كفر كفراً مخرجاً عن الملة .
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فهذا حد فاصل بين المؤمنين وبين الكافرين .
ولقد أبعد النجعة من قال من العلماء أن المراد بالكفر هنا الكفر الأصغر كالذي في قوله صلى الله عليه وسلم اثنتان في الناس هما بهما كفر لأنه من تدبر الحديث علم أن هذا تأويل خاطئ وأن الصواب المتعين أن المراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج عن الملة لأن الفاصل بين الإيمان والكفر لابد أن يميز أحدهما الآخر وإلا لما صح أن يكون فاصلاً .
الحدود التي بين أرضين إحداهما لزيد والأخرى لعمرو فإن هذه الحدود فاصلة لا تدخل أرض أحدهما في الأخرى وكذلك الصلاة حد فاصل من كان خارجا منها فليس داخلا فيما وراءها .
إذا الصلاة بين سائر الأعمال إذا تركها الإنسان فهو كافر لو ترك الإنسان صيام رمضان وصار يأكل ويشرب بالنهار ولا يبالي لم نقل إنه كافر .
لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ولو ترك الزكاة وصار لا يزكي لم نقل إنه كافر لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ولو لم يحج مع قدرته على الحج لم نقل إنه كافر لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر .
قال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من المشهورين من التابعين كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .
إذا الصلاة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بها إذا تركها الإنسان فهو كما لو ترك التوحيد أي يكون كافراً مشركاً والعياذ بالله وإلى هذا يشير حديث جابر الذي رواه مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وقوله وكان يأمرنا بالصدق وهذا هو الشاهد من الحديث وهذا كقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } والصدق قسمان صدق مع الله وصدق مع عباد الله وضد الصدق الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع وهو من أخلاق المنافقين كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام آية المنافق ثلاث وذكر منها إذا حدث كذب وبعض الناس والعياذ بالله مبتلي بهذا المرض فلا يستأنس صدره إلا بالكذب .
إن حدثك بحديث إذا هو كاذب إن جلس في مجلس جعل يفتعل الأفاعيل ليضحك بها الناس .
وقوله العفاف أي العفة والعفة نوعان عفة عن شهوة الفرج وعفة عن شهوة البطن أما العفة الأولى فهي أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنا ووسائله وذرائعه لأن الله عز وجل يقول { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } .
وأوجب على الزاني أن يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد سنة كاملة إن كان لم يتزوج من قبل أما إذا كان قد تزوج وجامع زوجته وزنى بعد ذلك فإنه يرجم رجماً بالحجارة حتى يموت كل هذا ردعا للناس عن أن يقعوا في هذه الفاحشة لأنها تفسد الأخلاق والأديان والأنساب وتوجد أمراضاً عظيمة ظهرت آثارها في هذا الزمن لما كثرت فاحشة الزنى والعياذ بالله .
ومنع الله كل ما يوصل إليه ويكون ذريعة له فمنع المرأة أن تخرج متبرجة فقال { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } فأفضل مكان للمرأة أن تبقى في بيتها ولا تخرج إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك فلتخرج كما أخبرها الرسول عليه الصلاة والسلام تفلة أي غير متطيبة ولا متبرجة .
كذلك أمر باحتجاب المرأة إذا خرجت عن كل ليس من محارمها والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة وأهمه الوجه فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم ولا عبرة بقول من يقول إنه يجوز كشف الوجه لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض .
كيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى أن تكشف المرأة وجهها أو قدميها ؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف عن وجهها .
نسأل الله العافية ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبداً وعليه أن يتفقدهم سواء كانت الزوجة أو البنت أو الأخت أو الأم أو غير ذلك .
أما النوع الثاني من العفاف فهو العفاف عن شهوة البطن أي عن ما في أيدي الناس كما قال الله تعالى { يحسبهم الجاهل أغنياء عن التعفف } أي من التعفف عن سؤال الناس بحيث لا يسأل الإنسان أحداً شيئاً لأن السؤال مذلة والسائل يده دنيا سفلى والمعطي يده عليا فلا يجوز أن تسأل أحداً أي إلا ما لابد منه كما لو كان الإنسان مضطراً أو محتاجاً حاجة شبه ضرورية فحينئذ لا بأس أن يسأل .
أما بدون حاجة ملحة أو ضرورة فإن السؤال محرم، وقد وردت أحاديث في التحذير منه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن السائل يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم قد ظهر منه العظم أمام الناس في هذا المقام العظيم المشهود .
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يسألوا الناس شيئاً حتى يكون سوط أحدهم يسقط من على راحلته ولا يقول لأحد ناولني السوط بل ينزل ويأخذ السوط .
والإنسان الذي أكرمه الله بالغنى والتعفف لا يعرف قدر السؤال إلا إذا ذل أمام المخلوق كيف تمد يدك إلى مخلوق وتقول له أعطني وأنت مثله وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقوله الصلة هذا هو الخامس .
والصلة أن تصل ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى وأعلاهم الوالدان فإن صلة الوالدين بر وصلة والأقارب لهم من الصلة بقدر ما لهم من القرب فأخوك أوكد صلة من عمك وعمك أشد صلة من عم أبيك وعلى هذا فقس .
والصلة جاءت في الكتاب والسنة وغير مقيدة وكل ما جاء في الكتاب والسنة غير مقيد فإنه يحمل على العرف فما جرى العرف على أنه صلة فهو صلة .
وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والأماكن مثلاً إذا كان قريبك مستغنياً عنك وصحيح البدن وتسمع عنه أنه لا يحتاج إلى شيء فهذا صلته لو تحددت بشهر أو شهر ونصف وما أشبه ذلك فإن هذه صلة بعرفنا .
وذلك لأن الناس والحمد لله قد استغنى بعضهم عن بعض وكل واحد منهم لا يشره على الآخر لكن لو كان هذا الرجل قريبا جداً كالأب والأم والأخ والعم فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وكذلك لو كان فقيراً فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وكذلك لو مرض فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وهكذا .
المهم أن الصلة عندما جاءت في القرآن غير مقيدة فإنه يتبع في ذلك العرف ويختلف هذا باختلاف الأمور التي ذكرنا .
وقد وردت النصوص الكثيرة في الترغيب في وصلها والترهيب من قطعها .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أبي ثابت وقيل أبي سعيد وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف وهو بدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه رواه مسلم

الشَّرْحُ
هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصدق والشاهد منه قوله من سأل الله تعالى الشهادة بصدق والشهادة مرتبة عليا بعد الصديقية كما قال الله سبحانه ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين منها الشهادة بأحكام الله عز وجل على عباد الله وهذه شهادة العلماء التي قال الله فيها { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } والشهادة أنواع كثيرة .
وقد ذهب كثير من العلماء في تفسير قوله { والشهداء } إلى أنهم العلماء ولا شك أن العلماء شهداء، فيشهدون بأن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ويشهدون على الأمة بأنها بلغت شريعة الله ويشهدون في أحكام الله هذا حلال وهذا حرام وهذا واجب وهذا مستحب وهذا مكروه ولا يعرف هذا إلا أهل العلم لذلك كانوا شهداء ومن الشهداء أيضاً من يصاب بالطعن والبطن والحرق والغرق وما أشبههم .
ومن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله .
ومن الشهداء الذين يقتلون دون أموالهم ودون أنفسهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله رجل وقال أرأيت يا رسول إن جاءني شخص يطلب مالي أي عنوة - قال لا تعطه قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال قاتله قال أرأيت إن قتلته ؟ قال هو في النار - لأنه معتد ظالم - قال أرأيت إن قتلني قال إن قتلك فأنت شهيد وقال الرسول عليه الصلاة والسلام من قتل دون ماله وأهل فهو شهيد ومن الشهداء أيضاً من قتلوا ظلماً كأن يعتدي عليه إنسان فيقتله غلية ظلماً فهذا أيضاً شهيد .
ولكن أعلى الشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله كما قال الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } وهؤلاء هم الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا فما قاتلوا لحظوظ أنفسهم، وما قاتلوا لأموالهم وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا كما قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله هذا ميزان عدل وضعه النبي صلى الله عليه وسلم يزن الإنسان به عمله .
فمن قاتل لهذه الكلمة فهو في سبيل الله إن قتلت فأنت شهيد وإن غنمت فأنت سعيد كما قال الله سبحانه { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } إما الشهادة وإما الظفر والنصر { نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } أي إما أن الله يعذبكم ويقينا شركم كما فعل الله تعالى بالأحزاب الذين تجمعوا على المدينة يريدون قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً وألقى في قلوبهم الرعب .
وقوله { أو بأيدينا } كما حصل في بدر، فإن الله عذب المشركين بأيدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
فإذا سأل الإنسان ربه قال اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك ولا تكون الشهادة إلا بالقتال لتكون كلمة الله هي العليا فإن الله تعالى إذا علم منه صدق القول والنية أنزله منازل الشهداء وإن مات على فراشه .
بقي علينا الذي يقاتل دفاعاً عن بلده هل هو في سبيل الله أو لا ؟ نقول إن كنت تقاتل عن بلدك لأنها بلد إسلامي فتريد أن تحميها من أجل أنها بلد إسلامي فهذا في سبيل الله لأنك قاتلت لتكون كلمة الله هي العليا .
أما إذا قاتلت لأجل أنها وطن فقط فهذا فقط ليس في سبيل الله لأن الميزان الذي وضعه النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطبق عليه وقد تقدم الكلام على هذه المسألة والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذباً وكتما محقت بركة بيعهما متفق عليه


الشَّرْحُ
البيعان البائع والمشتري وأطلق عليهما اسم البيع من باب التغليب كما يقال القمران للشمس والقمر والعمران لأبي بكر وعمر .
وقوله بالخيار أي كل منهما يختار ما يريد ما لم يتفرقا أي ما داما في مكان العقد لم يتفرقا فإنهما بالخيار .
ومثاله رجل باع على آخر سيارة بعشرة آلاف فما داما في مكان العقد ولم يتفرقا فهما بالخيار إن شاء البائع فسخ البيع وإن شاء المشتري فسخ البيع وذلك من نعمة الله سبحانه وتعالى وتوسيعه على العباد لأن الإنسان إذا كانت السلعة عند غيره صارت غالية في نفسه يحب أن يحصل عليها بكل وسيلة فإذا حصلت له فربما تزول رغبتة عنها لأنه أدركها فجعل الشارع له الخيار لأجل أن يتروى ويتزود بالتأني والنظر .
فمادام الرجلان لم يتفرقا فهما بالخيار وإن طال الوقت لعموم قوله ما لم يتفرقا وفي حديث ابن عمر أو يخير أحدهما الآخر أي أو يقول أحدهما للآخر الخيار لك وحدك فحينئذ الخيار له وحده، والثاني لا خيار له، أو يقولا جميعاً لا خيار بيننا .
فالصور أربع:
1 - إما أن يلبث الخيار لهما وذلك عند البيع المطلق الذي ليس فيه شرط .
2 - وإما أن يتبايعا على أن لا يكون الخيار لواحد منهما وحينئذ يلزم البيع لمجرد العقد ولا خيار لأحد .
3 - وإما أن يتبايعا أن الخيار للبائع وحده دون المشتري وهنا يكون الخيار للبائع والمشتري لا خيار له .
4 - وإما أن يتبايعا على أن الخيار للمشتري والبائع لا خيار له وحينئذ يكون الخيار للمشتري وليس للبائع خيار وذلك لأن الخيار حق للبائع والمشتري فإذا رضينا بإسقاطه أو رضى أحدهما دون الآخر فالحق لهما لا يعدوهما، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً وقول النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يتفرقا لم يبين التفرق ولكن المراد التفرق بالبدن فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب لأن الباب باب الصدق .
قوله فإن صدقا وبينا إن صدقا فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة وبينا فيما يصفان به السلعة من الصفات المكروهة فمثلا لو باع عليه هذه السيارة وقال هذه السيارة جديدة موديلها كذا ونظيفة ويمدحها بما ليس فيها نقول هذا كذب فيما قال وإذا باعه السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب نقول هذا كتم ولم يبين والبركة في الصدق والبيان فالفرق بين الصدق والبيان أن الصدق فيما يكون مرغوباً من الصفات والبيان فيما يكون مكروهاً من الصفات فكتمان العيب هذا ضد البيان ووصفه السلعة بما ليس فيها هذا ضد الصدق .
ومثال آخر باع عليه شاة وفيها مرض غير بين لكنه كتمه نقول هذا لم يبين وإذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق .
ومنه ما يفعله بعض الناس الآن نسأل الله العافية يجعل الطيب من المال فوق والرديء أسفل فهذا لم يبين ولم يصدق لم يبين لأنه ما بين التمر المعيب ولم يصدق لأنه أظهر التمر بمظهر طيب وليس كذلك .
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

باب المراقبة
قال الله تعالى { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } وقال الله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } وقال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وقال تعالى { إن ربك لبالمرصاد } وقال تعالى { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } والآيات في الباب كثيرة معلومة .

الشَّرْحُ
لما ذكر المؤلف رحمه الله باب الصدق وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أعقب هذا باب المراقبة والمراقبة لها وجهان: الوجه الأول أن تراقب الله عز وجل .
والوجه الثاني: أن الله تعالى رقيب عليك كما قال الله وكان الله على كل شيء رقيباً أما مراقبتك لله أن تعلم أن الله تعالى يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات .
كما قال الله تعالى { وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } يراك حين تقوم أي في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد فالله سبحانه يراه حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلك ظلمة فإن الله يراه .
وقوله { وتقلبك في الساجدين } أي وأنت تتقلب في الذين يسجدون لله في هذه الساعة يعني تقلبك فيهم أي معهم فإن الله سبحانه يرى الإنسان حين قيامه وحين سجوده .
وذكر القيام والسجود لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره والسجود أفضل من القيام بهيئته .
أما كون القيام أفضل من السجود بذكره فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن والقرآن أفضل الكلام .
أما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه عز وجل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولهذا أمرنا أن نكثر من الدعاء في السجود كذلك من مراقبتك لله أن تعلم أن الله يسمعك بأي قول قلت كما قال الله { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } ومع هذا فإن الذي تتكلم به خيراً أم شراً معلناً أم مسراً فإنه يكتب لك أو عليك كما قال الله تبارك وتعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } فاعلم هذا وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة .
اجعل دائماً لسانك يقول الحق أو ليصمت كما قال النبي عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وراقب الله في سرك وفي قلبك .
انظر ماذا في قلبك ؟ من الشرك بالله والرياء وانحرافات والحقد على المؤمنين وبغضاء وكراهية ومحبة للكافرين وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله عز وجل .
راقب قلبك فإن الله يقول { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسك } قبل أن ينطق به .
فراقب الله في هذه المواضع الثلاثة في فعلك وفي قولك وفي قلبك حتى يتم لك المراقبة ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك اعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأى عين فإن لم تكن تراه فانزل إلى المرتبة الثانية فإنه يراك فالأول عبادة رغبة وطمع والثاني عبادة رهبة وخوف ولهذا قال فإن لم تكن تراه فإنه يراك فلابد أن يراقب الإنسان ربه وأن تعلم أن الله رقيب عليك أي شيء تقوله أو تفعله أو تضمره في سرك فالله تعالى عليم به وقد ذكر المؤلف من الآيات ما يدل على هذا فبدأ بالآية التي ذكرناها وهي قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم } وقال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } شيء نكرة في سياق النفي في قوله { ولا يخفى } فتعم كل شيء فكل شيء لا يخفى على الله في الأرض ولا في السماء وقد فصل الله هذا في قوله تبارك وتعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } قال العلماء إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها فهو بها أعلم عز وجل .
أما قوله { ولا حبة في ظلمات الأرض } حبة نكرة في سياق النفي في قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة } فهي نكرة في سياق النفي المؤكد إذا يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة .
ولنفرض أن حبة صغيرة في ظلمات الأرض وظلمات الأرض خمسة أنواع لنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر فهي في خمس ظلمات .:
الظلمة الأولى ظلمة الطين المنغمسة فيه .
الثانية ظلمة الماء في البحر .
الثالثة ظلمة الليل .
الرابعة ظلمة السحاب المتراكم .
الخامسة ظلمة المطر النازل .

خمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة والله عز وجل يعلمها .
وقوله { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } مكتوب مبين ظاهر معلوم عند رب العالمين عز وجل .
إذا من كان هذا سعة علمه فعلى المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالى وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية بل الموفق الذي يجعل خشية الله في السر أعظم وأقوى من خشيته في العلانية لأن خشية الله في السر أقوى في الإخلاص لأنه ليس عندك أحد لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس .
فاحرص يا أخي المسلم على مراقبة الله عز وجل وان تقوم بطاعته امتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه ونسأل الله العون على ذلك لأن الله إذا لم يعنا فإننا مخذولون كما قال تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } فإذا وفق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه { إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم } لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم وإلا كانت ضررا على العبد .
فهذه ثلاثة أمور، هي منهج الذين أنعم الله عليهم وقوله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } الضمير { هو } يعود على الله أي الله سبحانه مع عباده أينما كانوا في بر أو بحر أو جو أو في ظلمة أو في ضياء وفي أي حال هو معكم أينما كنتم .
وهذا يدل على كمال إحاطته عز وجل بنا علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك .
ولا يعني أنه سبحانه وتعالى معنا في نفس المكان الذي نحن فيه لأن الله فوق كل شيء كما قال الله { الرحمن على العرش استوى } وقال { وهو القاهر فوق عباده } وقال { أأمنتم من في السماء } وقال { وهو العلي العظيم } وقال { سبح اسم ربك الأعلى } إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء لكنه عز وجل ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته هو علي في دنوه قريب في علوه جل وعلا كما قال الله تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض لأننا لو توهمنا هذا لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالى وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته { وسع كرسيه السماوات والأرض } الكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها والكرسي هو موضع قدمي الرحمن عز وجل والعرش أعظم وأعظم كما جاء في الحديث إن السماوات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض حلقة كحلقة المغفر صغيرة ألقيت في فلاة من الأرض أي مكان متسع نسبة هذه الحلقة إلى الأرض الفلاة ليس بشيء .
قال وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة فما بالك بالخالق جل وعلا .
الخالق لا يمكن أن يكون في الأرض لأنه سبحانه أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته واعلم أن المعية التي أضافها الله إلى نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك مثل هذه الآية: { وهو معكم أين ما كنتم } ومثل قوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } وتارة يكون المراد بها التهديد والإنذار كما في قوله { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً } فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يبتوا ما لا يرضى من القول يكتمونه عن الناس يظنون أن الله لا يعلم والله سبحانه عليم بكل شيء .
وتارة يراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه مثل قوله تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ومثل قوله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } والآيات في هذا كثيرة .
وهذا القسم الثالث من أقسام المعية تارة يضاف إلى المخلوق بالوصف وتارة يضاف إلى المخلوق بالعين .
فقوله: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } هذا مضاف إلى المخلوق بالوصف فأي إنسان يكون كذلك فالله معه .
وتارة يكون مضافا إلى المخلوق بعين الشخص مثل قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } هذا مضاف إلى الشخص بعينه .
هذه معية للرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر رضي الله عنه وهما في الغار لما قال أبو بكر للرسول يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا لأن قريشا كانت تطلب الرسول صلى الله عليه وسلم بكل جد .
ما من جبل إلا صعدت عليه وما من واد إلا هبطت فيه وما من فلاة إلا بحثت وجعلت لمن يأتي بالرسول وأبي بكر مائتا بعير مئتي للرسول ومائة لأبي بكر ونقب الناس وهم يطلبونهما ولكن الله معهما، حتى وقفوا على الغار يقول أبو بكر لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا فما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ والله ظننا أن لا يغلبهما أحد وإلا يقدر عليهما أحد وفعلا هذا الذي حصل ما رأوهما مع عدم المانع ما كان عش كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار ولا شجرة نبتت على فم الغار، ما كان إلا عناية الله عز وجل لأن الله معهما .
وكما في قوله سبحانه لموسى وهارون لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } الله أكبر { إنني معكما أسمع وأرى } إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده ؟ لا يمكن هذه معية خاصة مقيدة بالعين { إنني معكما أسمع وأرى } إلخ ..
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله مع الخلق لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته ولا يدانيه أحد في صفاته ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء ؟ نقول الله عز وجل لا يقاس بخلقه مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق فول سألنا سائل أين موضع القمر ؟ جـ قلنا في السماء كما قال الله { وجعل القمر فيهن نورا } وإذا قال أين موضع النجم ؟ جـ - قلنا في السماء واللغة العربية يقول المتكلمون فيها مازلنا نسير والقمر معنا ومازلنا نسير والنجم معنا مع أن القمر في السماء والنجم في السماء لكن هو معنا لأنه ما غاب عنا فالله معنا وهو على عرشه سبحانه فوق جميع الخلق .
ما الذي تقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنجهي ؟ جـ: تقتضي هذه الآية بأنك إذا آمنت بأن الله معك فإنك تتقيه وتراقبه لأنه لا يخفى عليه عز وجل حالك مهما كنت لو كنت في بيت مظلم وما فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك لكن ليس في نفس المكان لكنه محيط بك عز وجل لا يخفى عليه شيء من أمرك فتراقب الله وتخاف الله وتقوم بطاعته وتترك مناهيه والله الموفق قوله { إن ربك لبالمرصاد } وهذه الآية ختم الله بها ما ذكره من عقوبة عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد } فبين عز وجل أنه بالمرصاد لكل طاغية وأن كل طاغية فإن الله يقصم ظهره ويبيده ولا يبقى له باقية .
فعاد إرم ذات العماد أي ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية أعطاهم الله قوة شديدة فاستكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة ؟ إلى هذا الحد فقال الله عز وجل { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } فبين الله أنه هو أشد منهم قوة واستدل لذلك بدليل عقلي وهو أن الله هو الذي خلقهم ولهذا قال { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم } ولم يقل أو لم يروا أن الله هو أشد منهم قوة لأنه من المعلوم بالعقل علما ضرورياً أن الخالق أقوى من المخلوق فالذي خلقهم هو أشد منهم قوة { كانوا بآياتنا يجحدون } فأصابهم الله عز وجل فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام أقبلت الريح ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم .
{ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } حكمة من الله عز وجل لم تأتهم الريح هكذا بل جاءتهم وهم يؤملون أنها غيث ليكون وقعها أشد .
فكون العذاب يأتي في حال يتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم مثل ما لو منيت شخصاً بدراهم ثم سحبتها منه صار أشد وأعظم: { فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به } لأنهم كانوا يتحدون نبيهم إن كان عندك عذاب فأت به إن كنت صادقاً .
{ ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } والعياذ بالله هاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسوما متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسما حتى أنها تحمل الواحد منهم إلى عنان السماء ثم ترمي به فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية أي مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم والعياذ بالله كهيئة السجود لأنهم يريدون أن يتخلصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض ولكن لم ينفعهم هذا .
قال الله تعالى { فأرسلنا عليهم ريحا صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } والعياذ بالله .
أما ثمود الذين جابوا الصخر بالواد هم أيضاً نفس الشيء عندهم عتو وطغيان وتحد لنبيهم حتى قالوا له { قد كنت فينا مرجواً قبل هذا } أي كنا نرجوك ونظنك عاقلاً، أما الآن فأنت سفيه لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه ساحر أو مجنون كما قال الله { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } .
فأنظرهم ثلاثة أيام { فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } فلما تمت الثلاثة والعياذ بالله ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم فأصبحوا كهشيم المحتظر أي مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم .
أما فرعون وما أدراك ما فرعون فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر الذي طغى وأنكر الله عز وجل وقال لموسى ما رب العالمين وقال قومه ما لكم من إله غيري .
نعوذ بالله وقال لهامان وزيره { ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى } يقوله تهكماً والعياذ بالله { وإني لأظنه كاذباً } وكذب في قوله وإني لأظنه كاذباً لأنه يعلم أنه صادق كما قال الله تعالى في مناظرته مع موسى قال له موسى { لقد علمت } التاء للخطاب فهي مفتوحة { لقد علمت } يا فرعون { ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } وما قال ما علمت بل سكت في مقام التحدي والمناظرة ذلك يدل على الانقطاع وعدم الجواب .
وقال الله عنه وعن قومه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا } فرعون وجنوده يعلمون أن موسى صادق لكنهم مستكبرون جاحدون ماذا حصل لهم ؟ حصل لهم هزائم أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة .
جمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى عليه الصلاة والسلام وموسى هو الذي عين الموعد أمام فرعون مع أن موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفاً لولا أن الله نصره وأيده قال لهم موسى { موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } يوم الزينة يوم العيد لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة وقوله { وأن يحشر } يجمع { الناس ضحى } لا في الليل في الخلفاء .
جمع فرعون جميع من عنده من السحرة من عظمائهم وكبرائهم واجتمعوا بموسى عليه الصلاة والسلام وألقوا حبالهم وعصيهم في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين حيات تمشي أرهبت الناس كلهم حتى موسى أوجف في نفسه خيفة فأيده الله وقال له { لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك } ألقى ما في يمنيه وهي العصا فإذا هي تلقف ما يأفكون كل الحبال والعصى وأكلتها هذه العصا سبحان الله العظيم وأنت تعجب أين ذهبت العصا ؟ ليست كبيرة حتى تأكل هذه الدنيا لكن الله عز وجل على كل شيء قدير التهمت الحبال والعصى وكان السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك يعرفون أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر وأنه آية من آيات الله عز وجل { فألقي السحرة سجداً } وانظر إلى كلمة { فألقي } كأن هذا السجود جاء اندفاعا بلا شعور ما قال سجدوا ألقوا ساجدين كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا من غير شعور ولا اختيار حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } توعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم قال { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم سبحان الله لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل قال { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى { ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } ما الذي قالوا له { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات أنت كذاب لست برب الرب رب موسى وهارون { على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض } انظر إلى الإيمان إذا دخل القلوب رخصت عليهم الدنيا كلها { فاقض ما أنت قاض } أي افعل ما تريد إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا { وما أكرهتنا عليه من السحر } لأنه قد أكرهم لكي يأتوا ويقابلوا موسى { والله خير وأبقى } اللهم اجعلنا من المؤمنين الموقنين الإيمان إذا دخل القلب واليقين إذا دخل القلب لا يفتنه شيء وإلا في السحرة جنود فرعون كانوا في أول النهار سحرة كفرة وفي آخر النهار مؤمنين برزة يتحدون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان هذه هزيمة نكراء لفرعون لكن مع ذلك مازال في طغيانه وفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فخرج موسى في قومه هربا منه متجها بأمر الله إلى البحر الأحمر ويسمى بحر القلزم متجها إليه مشرقا تكون مصر خلفه غربا لما وصل إلى البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا أي نفر { قال كلا إن معي ربي سيهدين } هكذا يقين الرسل عليهم الصلاة والسلام في المقامات الحرجة الصعبة تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير بل الذي يظن أنه متعذر أمرا يسيرا سهلا فأوحى إليه أن أضرب بعصاك البحر الأحمر فضرب البحر بعصاه ضربة واحدة فانفلق البحر أثنى عشر طريقا لأن بني إسرائيل كانوا أثنى عشرة قبيلة ( سبطا ) والسبط بمعنى القبيلة عند العرب لا إله إلا الله هذا البحر صار أثنى عشر طريقا وكم بقى من مدة لكي ييبس بلحظة يبس { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } فعبر موسى بقومه في أمن وأمان الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف وأنتم تعلمون أن الماء جوهر سيال لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال حتى إن بعض العلماء قال إن الله سبحانه وتعالى جعل في كل طود من هذه المياه جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا فلما انتهى موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون في نفوسهم أن فرعون لم يغرق فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء قال { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } حتى يشاهدوا بأعينهم ويطمئنوا أن الرجل قد هلك فتأمل يا أخي هؤلاء الأمم الثلاثة الذين هم في غاية الطغيان كيف أخذهم الله عز وجل وكان لهم بالمرصاد قوم عاد قالوا من أشد منا قوة فأهلكوا بالريح وهي أصلا لطيفة وسهلة قوم صالح أهلكوا بالرجفة والصيحة فرعون أهلك بالماء والغرق وكان يفتخر بالماء لقوله { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } يعني موسى { ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين } فأغرقه الله تعالى بالماء فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة { إن ربك لبالمرصاد } وقوله عن الله عز وجل يقوله عن نفسه { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } يعلم يعني الله عز وجل وخائنة الأعين خيانتها فالخائنة مصدر كالعاقبة وما أشبهها ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون فيكون من باب إضافة الصفة إلى موصوفها على كل حال هذه مسألة ما تهم هنا المهم أن للأعين خيانة وذلك أن الإنسان ينظر إلى الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظرا محرما ولكن الله عز وجل يعلم أنه ينظر نظرا محرما كذلك ينظر إلى الشخص نظر كراهية والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية ولكن الله يعلم أنه ينظر نظر كراهية كذلك ينظر الشخص إلى شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يرى هذا الناظر لا يدري أنه ينظر إلى الشيء نظر إنكار أو نظر رضا ولكن الله سبحانه هو الذي علم ذلك فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين ويعلم أيضا ما تخفي الصدور أي القلوب لأن القلوب في الصدور والقلوب هي التي يكون بها العقل ويكون بها الفهم ويكون بها التدبير كما قال الله { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وقال { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } سبحان الله كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم بل حال الناس في القديم يعني هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب ؟ هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب وأن القلب في الصدر { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وقال { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ولم يقل القلوب التي في الأدمغة فالأمر فيه واضح جدا أن العقل يكون في القلب ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فما بالك بأمر شهد به كتاب الله والله هو الخالق العالم بكل شيء وشهدت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا وأن لا نرفع به رأسا إذا القلب هو محل العقل ولا شك ولكن الدماغ محل التصور ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلى القلب ثم القلب يأمر أو ينهي فكأن الدماغ سكرتير يجهز الأشياء ثم يدفعها إلى القلب ثم القلب يأمر أو ينهي وهذا ليس بغريب { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول وأيضا قلنا هذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلحت صلح الجسد فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد وإذا فسد فسد الجسد كله إذا فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل فهذا مرتبط بهذا لكن العقل المدبر في القلب والقلب في الصدر { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث عمر بن الخطاب هذا الحديث العظيم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في آخره أتدرون من السائل ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم إذا ديننا في هذا الحديث لأنه مشتمل على كل الدين على الإسلام والإيمان والإحسان قال المؤلف رحمه الله
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ
هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف رحمه الله وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة الوصية الأولى قال اتق الله حيثما كنت وتقوى الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر هذه هي التقوى أن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تترك ما نهى الله عنه امتثالا لنهي الله عز وجل وتنزها عن محارم الله مثاله تقوم بما أوجب الله عليك في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة فتأتي بها كلمة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات فمن أخل بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها فإنه لم يتق الله بل نقص من تقواه ما نقص من المأمور في الزكاة تقوى الله فيها أن تحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتخرج زكاتك طيبة بها نفسك من غير بخل ولا تقتير ولا تأخير فمن لم يفعل فإنه لم يتق الله في الصيام تأتي بالصوم كما أمرت مجتنبا فيه اللغو والرفث والصخب والغيبة والنميمة وغير ذلك مما ينقص الصوم ويزيل روح الصوم ومعناه الحقيقي وهو الصوم عما حرم الله عز وجل وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعة لله وامتثالا لأمره وإخلاصا له واتباعا لرسوله وكذلك في المنهيات تترك ما نهى الله عنه امتثالا لنهي الله عز وجل حيث نهاك فانتهي الوصية الثانية أتبع السيئة الحسنة تمحها أي إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة فإن الحسنات يذهبن السيئات ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوب إلى الله من السيئات فإن التوبة من أفضل الحسنات كما قال الله عز وجل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات كما ما قال النبي عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وقال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما فالحسنات يذهبن السيئات الوصية الثالثة خالق الناس بخلق حسن والوصيتان الأوليان في معاملة الخالق والثالثة في معاملة الخلق أن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه ولا تذم فيه وذلك بطلاقة الوجه وصدق القول وحسن المخاطبة وغير ذلك من الأخلاق الحسنة وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وأخبر أن أولى الناس به صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه منزلة يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس هي فيها أجر عظيم يناله الإنسان في يوم القيامة فاحفظ هذه الوصايا الثلاث من النبي صلى الله عليه وسلم والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا

الشَّرْحُ
قوله كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم أي راكبا معه قوله فقال لي يا غلام احفظ الله يحفظك قال له يا غلام لأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرا فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفى وقد ناهز الاحتلام يعني من الخامسة عشرة إلى السادسة عشرة أو أقل فكان راكبا خلف الرسول صلى الله عليه وسلم فوجه إليه هذا النداء يا غلام احفظ الله يحفظك كلمة جليلة عظيمة احفظ الله وذلك بحفظ شرعه ودينه بأن تمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه وكذلك بأن تتعلم من دينه ما تقوم به عبادتك ومعاملاتك وتدعو به إلى الله عز وجل لأن كل هذا من حفظ الله الله سبحانه وتعالى نفسه ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظه ولكن المراد حفظ دينه وشريعته كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم وليس المعنى تنصرون ذات الله لأن الله سبحانه وتعالى غني عن كل أحد ولهذا قال في آية أخرى { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } ولا يعجزونه { وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض } إذا احفظ الله يحفظك جملة تدل على أن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله ولكن حفظه في ماذا ؟ جـ: حفظه في بدنه وحفظه في ماله وأهله وفي دينه وهذا أهم الأشياء وهو أن يسلمك من الزيغ والضلال لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله هدى { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } وكلما ضل والعياذ بالله فإنه يزداد ضلالا كما جاء في الحديث إن الإنسان إذا أذنب صار في قلبه نكتة سوداء فإن تاب محيت وإن أذنب ثانية انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة حتى يطبع على قلبه نسأل الله العافية إذا يحفظك في دينك وفي بدنك ومالك وأهلك وقوله احفظ الله تجده تجاهك وفي لفظ آخر تجده أمامك احفظ الله أيضا بحفظ شريعته بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهك وأمامك ومعناهما واحد يعين تجد الله أمامك يدلك على كل خير ويذود عنك كل شر ولاسيما إذا حفظت الله بالاستعانة به فإن الإنسان إذا استعان بالله وتوكل على الله كان الله حسبه وكافيه ومن كان الله حسبه فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله قال الله { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } أي وحسب من اتبعك من المؤمنين { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله } فإذا كان الله حسب الإنسان أي كافيه فإنه لن يناله سوء ولهذا قال احفظ الله تجده تجاهك أو تجده أمامك ثم قال له إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله أي لا تعتمد على أحد مخلوق مثلا إنسان فقير ليس عنده مال يسأل الله يقول اللهم ارزقني اللهم هيء لي رزقا فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب لكن لو سأل الناس فربما يعطونه أو يمنعونه ولهذا جاء في الحديث لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ثم يبيعه لكان خيرا له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه فكذلك أنت إذا سألت فاسأل الله قل اللهم ارزقني اللهم أغنني بفضل عمن سواك وما أشبهه من الكلمات التي تتجه بها إلى الله عز وجل وكذلك أيضا إذا استعنت فاستعن بالله الاستعانة طلب العون فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا لا ركنا تعتمد عليه اجعل الركن الأصيل هو الله عز وجل وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقص التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله ولهذا تكره المسألة لغير الله عز وجل في قليل أو كثير والله سبحانه إذا أراد عونك يسر لك العون سواء كان أسباب معلومة أو غير معلومة قد يعينك الله بسبب غير معلوم لك فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لأحد به وقد يعينك الله على يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلله لك حتى يعينك ولكن مع ذلك لا يجوز لك إذا أعانك الله على يد أحد أن تنسى المسبب وهو الله عز وجل كما يفعله بعض الجهلة الآن لما استعانت الدولة بالكفار وما علموا أنهم أعداء لهم سواء أعانوهم أم لا هم أعداء لكم إلى يوم القيامة ولا يجوز لأحد أن يواليهم أو يناصرهم أو يدعو لهم كما سمعنا من بعض العامة الجهال يقول سوف نضحي لفلان وفلان من الكفرة والعياذ بالله ونسمي أبناءنا بأسمائهم نسأل الله العافية وندعو لهم هم لولا أن الله سخرهم وذللهم لكم ما نفعوكم بشيء النافع الضار هو الله وهو الذي يسرهم وسخرهم ليعينوكم ويدافعوا عنكم وهو من تسخير الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين أن يسخر لهم كفارا يذودون عنهم كما جاء في الحديث إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فيجب علينا أن لا ننسى فضل الله الذي سخرهم لنا ويجب علينا أن ننبه العامة إذا سمعنا أحدا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة وهم الأول والآخر فيجب علينا أن نبين لهم أن هذا خلل في التوحيد والله أعلم وقوله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الجملة أن الأمة لو اجتمعت كلها على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم أنه من الله لأنه هو الذي كتبه فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بل قال لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان فالفضل لله فيه أولا عز وجل هو الذي سخر لك من ينفعك ويحسن إليك ويزيل كربتك وكذلك بالعكس لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك والإيمان بهذا يستلزم أن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتكلا عليه لا يهتم بأحد لأنه يعلم أنه لو اجتمع كل الخلق على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه وحينئذ يعلق رجاءه بالله ويعتصم به ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } ثم قال عليه الصلاة والسلام رفعت الأقلام وجفت الصحف يعني أن ما كتبه الله فقد انتهى ورفع والصحف جفت من المداد ولم يبق مراجعة فما أصابك لم يكن ليخطئك كما في اللفظ الثاني وما أخطأك لم يكن ليصيبك وفي اللفظ الثاني قال واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا يعني اعلم علم يقين أن النصر مع الصبر فإذا صبرت وفعلت ما أمرك الله به من وسائل النصر فإن الله تعالى ينصرك والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيستحسر ويدع الجهاد وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه فهذا أيضا يجب أن يصبر عليه قال الله { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } وقال تعالى { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما } فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه ينصره وقوله واعلم أن الفرج مع الكرب كلما اكتربت الأمور وضاقت فإن الفرج قريب لأن الله عز وجل يقول في كتابه { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وقوله { وإن مع العسر يسرا } فكل عسر فبعده يسر بل أن العسر محفوف بيسرين يسر سابق ويسر لاحق قال الله تعالى { ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا } وقال ابن عباس رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين فهذا الحديث الذي أوصى به عبد الله بن عباس ينبغي للإنسان أن يكون على ذكر له دائما وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

عن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري وقال الموبقات المهلكات
-عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه متفق عليه والغيرة بفتح الغين وأصلها الأنفة

الشَّرْحُ
أنس بن مالك من المعمرين فبقى بعد النبي صلى الله عليه وسلم حوالي تسعين سنة فتغيرت الأمور في عهده رضي الله عنه واختلفت أحوال الناس وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم مثل صلاة الجماعة فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتخلف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا على ما كان عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط فلا يصلون أو يصلون ويتركون أو يؤخرون الصلاة عن وقتها كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانت تعد من الموبقات كذلك أيضا الغش في عهد الصلاة والسلام قال من غش فليس مني لكن انظر إلى الناس اليوم تجد أن الغش عندهم أهون من كثير من الأشياء بل إن بعضهم والعياذ بالله يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود ويرى أن هذا من باب الحذق والذكاء نسأل الله العافية مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من الإنسان الذي يغش الناس ومن ذلك الكذب وهو من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم فيرونه من الموبقات لكنه عند كثير من الناس يعده أمرا هينا فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وربما يكذب في أمور أخطر فيجحد ما عليه للناس أو يدعي ما ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف على ذلك فيكون والعياذ بالله ممن يلقى الله وهو عليه غضبان إلى غير ذلك من المسائل التي يعدها الصحابة من المهلكات ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر وذلك أنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبال لأنه ضعيف الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله قوله محارمه أي محارم الله الغيرة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل ولكنها ليست كغيرتنا بل هي أعظم وأجل والله سبحانه بحكمته أوجب على العباد أشياء وحرم عليهم أشياء وأحل لهم أشياء فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم وفي حاضرهم ومستقبلهم وما حرمه عليهم فإنه شر لهم في دينهم ودنياهم وحاضرهم ومستقبلهم فإذا حرم الله على عباده أشياء فإنه عز وجل يغار أن يأتي الإنسان محارمه وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله إنما حرمها من أجل مصلحة العبد أما الله فلا يضره أن يعصي الإنسان ربه لكن يغار كيف يعلم الإنسان أن الله سبحانه حكيم ورحيم ولا يحرم على عباده شيئا بخلا منه عليهم به ولكن من أجل مصلحتهم ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصى الله عز وجل ولاسيما في الزنى فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتهلأن الزنى فاحشة والزنى طريق سافل جدا ومن ثم حرم الله على عباده الزنى وجميع وسائل الزنى كما قال الله سبحانه ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فإذا زنا العبد والعياذ بالله فإن الله يغار غيرة أشد وأعظم من غيرته على ما دونه من المحارم ومن باب أولى وأشد اللواط وهو إتيان الذكر الذكر فإن هذا أعظم وأعظم ولهذا جعله الله تعالى أشد في الفحش من الزنى فقال لوط لقومه { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قال هنا { الفاحشة } وفي الزنى قال { الفاحشة } أي فاحشة من الفواحش أما اللواط فجعله الفاحشة العظمى نسأل الله العافية وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها لكن بعض المحارم تكون أشد غيرة من بعض حسب الجرم والمضار التي تترتب على ذلك وفي هذا الحديث إثبات الغيرة لله تعالى وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من أحاديث الصفات وآيات الصفات أنهم يثبتونها لله سبحانه على الوجه اللائق به يقولون إن الله يغار لكن ليست كغيرة المخلوق وإن الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق وإن الله له من الصفات الكاملة ما يليق به ولا تشبهه صفات المخلوقين والله الموفق
 

ابو اميمة محمد74

مزمار كرواني
25 مارس 2008
2,079
13
0
الجنس
ذكر
رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العثيمين رحمه الله/متجدد

باب التقوى
التقوى :اسم مأخوذ من الوقاية وهو أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله والذي يقيك من عذاب الله فعل أوامر لله واجتناب نواهيه فإن هذا هو الذي يقي من عذاب الله عز وجل واعلم أن التقوى أحيانا تقترن بالبر فيقال بر وتقوى كما في قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } وتارة تذكر وحدها فإن قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر والتقوى ترك النواهي وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين فأهل التقوى هم أهل الجنة ـ جعلنا الله وإياكم منهم ـ ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل امتثالا لأمره وطلبا لثوابه والنجاة من عقابه ثم ذكر المؤلف آيات متعددة فقال رحمه الله:
قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } وقال تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى وقال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } وقال تعالى { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } والآيات في الباب كثيرة معلومة

الشَّرْحُ
قوله يا أيها الذين آمنوا اتقو الله حق تقاته فوجه الأمر إلى المؤمنين لأن المؤمن يحمله إيمانه على تقوى الله وقوله { اتقوا الله حق تقاته } وحق التقوى مفسرا بما عقبه المؤلف من قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } بعد هذه الآية أي: أن معنى قوله { حق تقاته } أن تتقي الله ما استطعت لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهذه الآية ليست آية يقصد بها التهاون بتقوى الله بل يقصد بها الحث على التقوى على قدر المستطاع أي: لا تدخر وسعا في تقوى الله ولكن الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه ويستفاد من قوله { فاتقوا الله ما استطعتم } أن الإنسان إذا لم يستطع أن يقوم بأمر الله على وجه الكمال فإنه يأتي منه على قدر عليه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فرتب الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة بحسب الاستطاعة وبأن يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن بم يستطع فعلى جنب وهكذا بقية الأوامر ومثله الصوم إذا لم يستطع الإنسان أن يصوم في رمضان فإنه يؤخره { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } وفي الحج { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك وجب عليك أن تقيم من يحج ويعتمر عنك فالحاصل أن التقوى كغيرها منوطة بالاستطاعة فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فإنه يعد إلى ما يستطيع ومن اضطره إلى شيء من محارم الله حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة لقوله تعالى { وقد فصل لك ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير أو أكل الحمار أو غيره من المحرمات فإنه يجوز له أن يأكل منه ما تندفع منه ضرورته وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبك } فأمر الله بأمرين يتقوى الله وأن يقول الإنسان قولا سديدا أي: صوابا وقد سبق الكلام على التقوى أما القول السديد فهو القول الصواب وهو يشتمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله أو من طلب العلم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من الكلام الحسن الذي يستحلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم أو غير ذلك يجمعه قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وضد ذلك القول غير السديد وهو القول الذي ليس بصواب بل خطأ إما في موضوعه وإما في محله أما في موضوعه بأن يكون كلاما فاحشا يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبهه أو في محله أي: أن يكون هذا القول في نفسه هر خير لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير لأن لكل مقام مقالا ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديدا بل خطأ وإن كان ليس حراما بذاته فمثلا لو فرض أن شخصا رأى إنسانا على منكر ونهاه عن المنكر لكن نهاه في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا أو أغلظ له في القول أو ما أشبهه لعد هذا قولا غير سديد فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا حصل على فائدتين { يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } فبالتقوى صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وعلم من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا فإنه حري بأن لا يصلح الله له أعماله ولا يغفر له ذنبه ففيه الحث على تقوى الله وبيان فوائدها قال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } يتق الله بأن يفعل ما أمر الله به ويترك ما نهى عنه يجعل له مخرجا من كل ضيق فكلما ضاق عليه الشيء وهو متقي الله عز وجل جعل له مخرجا سواء كان في معيشة أو في أموال أو في أولاد أو في مجتمع أو غير ذلك إذا كنت متقي الله فثق أن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق واعتمد ذلك لأنه قول من يقول للشيء كن فيكون وما أكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا من ذلك قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فنزلت صخرة على باب الغار فسدته فأرادوا أن يزيحوها فعجزوا فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله إلى الله عز وجل ففرج الله عز وجل عنهم وزالت الصخرة والأمثلة على هذه كثيرة وقوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب } هذا أيضا فائدة عظيمة أن الله يرزقك من حيث لا تحتسب فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال من طريق محرم كطريق الغش أو الربا وما أشبهه ونصح في هذا وتركه لله فإن الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولكن لا تتعجل ولا تظن أن الأمر إذا تأخر فلن يكون ولكن قد يبتلي الله العبد فيؤخر عنه الثواب ليختبره هل يرجع إلى الذنب أم لا فمثلا إذا كنت تتعامل بالربا ووعظك من يعظك من الناس وتركت ذلك ولكنك بقيت شهرا أو شهرين ما وجدت ربحا فلا تيأس وتقول: أين الرزق من حيث لا أحتسب ؟ بل انتظر وثق بوعد الله وصدق به وستجده ولا تتعجل ولهذا جاء في الحديث يستجاب لأحدكم ـ أي إذا دعا ـ ما لم يعجل يقول: دعوت ثم دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي اصبر واترك ما حرم الله عليك وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب وقوله تعالى { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } هذه ثلاث فوائد عظيمة الفائدة الأولى: { يجعل لكم فرقانا } أي: يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتحها لغيره فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى وزيادة العلم وزيادة الحفظ ولهذا يذكر عن الشافعي ـ رحمه الله ـ أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ...فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ...ونور الله لا يؤتاه عاصي
ولاشك أن الإنسان كلما ازداد علما ازداد معرفة وفرقانا بين الحق والباطل والضار والنافع وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم لأن التقوى سبب لقوة الفهم وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم فإنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام ويستطيع الآخر أن يستخرج أكثر من هذا بحسب ما آتاه الله من الفهم فالتقوى سبب لزيادة الفهم ويدخل في ذلك أيضا الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس فبمجرد أن يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم علي الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئا بسبب ما أعطاه الله من الفراسة ويدخل في ذلك أيضا: ما يحصل للمتقين من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم ومن ذلك مما حصل لكثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم يخطب على المنبر في المدينة فسمعوه يقول في أثناء الخطبة: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فتعجبوا من يخاطب وكيف يقول هذا الكلام في أثناء الخطبة فإذا الله سبحانه وتعالى قد كشف له عن سرية في العراق كان قائدها سارية بن زنيم وكان العدو قد حصرهم فكشف الله لعمر عن هذه السرية كأنما يشاهدها رأى عين فقال لقائدها يا سارية الجبل أي تحصن بالجبل فسمعه سارية وهو القائد وهو في العراق ثم اعتصم بالجبل هذه من التقوى لأن كرامات الأولياء كلها جزاء لهم على تقواهم لله عز وجل فالمهم أن من آثار التقوى أن الله يجعل للمتقين فرقانا يفرق به بين أشياء كثيرة لا تحصل إلا للمتقي الفائدة الثانية: { ويكفر عنكم سيئاتكم } وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة فإن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنب الكبائر وقال الرسول صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة وهذا يعني أن الإنسان إذا اتقى الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه الفائدة الثالثة: قوله { ويغفر لكم } بأن ييسركم للاستغفار والتوبة فإن هذا من نعمة الله على العبد أن ييسره للاستغفار والتوبة ومن البلاء للعبد أن يظن أن ما كان عليه من الذنوب ليس بذنب فيصر عليه والعياذ بالله كما قال الله تعالى { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } فكثير من الناس لا يقلع عن الذنب لأنه زين له والعياذ بالله فألفه وصعب عليه أن ينتشل نفسه لكن إذا كان متقيا لله عز وجل سهل الله ما له الإقلاع عن الذنوب حتى يغفر له وربما يغفر الله له بسبب تقواه فتكون تقواه مكفرة لسيئاته كما حصل لأهل بدر رضي الله عنهم فإن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فتقع الذنوب منهم وغفورة لما حصل لهم فيها أي: في الغزوة من الأجر العظيم وقوله { والله ذو الفضل العظيم } أي: صاحب الفضل العظيم الذي لا يعدله شيء ولا يوازيه شيء فإن كان الله موصوفا بهذه الصفة فاطلب الفضل منه سبحانه وتعالى وذلك بتقواه والرجوع إليه والله أعلم
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع