إعلانات المنتدى


البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

فهد العويد

مزمار داوُدي
28 يوليو 2009
3,344
6
0
الجنس
ذكر
بحث متكامل عن البدعة ومعناها

مما جعلني ابحث في هذا الموضوع هو ما نراه هذه الايام على المنتديات بشكل عام من قيام الكثير بنقل مواضيع دينية من المنتديات وهو لا يعرف صاحب الموضوع على الغالب او ما هي درجته العلمية وهل هو مؤهل للكتابة في اكثر المواضيح حساسية الا وهي الفتوى.

والادهى من ذلك ما ابتلينا به وهو ما اسميه انا ( شيخ جوجل) حيث نرى الشخص يبحث على جوجل وياخد دينه منه

ومن المعلوم ان العلم في صدور الرجال لا على الاوراق حتى قال احد علماء الاصول( الرجال وضعوا العلم في بطون الكتب ولكن مفاتيح العلوم في صدورهم) فمن الواجب شرعا تلقي العلم عن مصادره الاصلية.

ومن اكثر المواضيع حساسية هي مسئلة تبديع وتكفير المسلمين بورود حديث معين او دليل معين ويقوم الشخص بالنقل واعتقاد التبديع والتضليل دون علمه ببقية مصادر الشرع او معنى كلمة بدعة بحد ذاتها.

ومن هنا رأيت وبالله التوفيق ان اكتب هذا الموضوع عن البدعة ومعناها وما قال العلماء فيها ليعم المسلم ان اطلاق هذه الكلمة على مصراعيها ليس ما قال به العلماء وليس هذا منهج السلف من علماء الفقه والاصول
فارجو من الله القبول والتوفيق واستعنت ببحثي هذا ببعض كتب اهل العلم من الكبار نرجو لهم المغفرة والعفو

مقدمة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه ،كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون .

أما بعد ، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما )) . وروى في الباب ذاته عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما )) [ ] . وروى في صحيحه كذلك عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك )) [ ] .
فالمسلم الذي يرمي أخاه المسلم بالكفر أو الفسوق عليه أن يتقي الله تعالى ويحتاط لدينه ، فإن تلك الكلمة تنطلق إلى من قيلت فيه فإن كان كذلك فقد التقى الوصف بالموصوف ، لكن إن يكن كذلك فإنها ترجع إلى القائل ، إذ يكون بافترائه أحق بها وأهلها . ولا يفوتني هنا أن أذكر بملحوظة هامة ينبغي أن لا تغيب عن النظر ، وهي أن الذي يرمي غيره بالكفر فإنه يرجع إليه إن لم يكن صاحبه كذلك إذا لم يكن القائل متأولاً ، فإذا كان له تأويل بحيث لم يكن رميه لذلك المسلم بالكفر من باب تسمية الإيمان كفراً فلا يكون كافراً خارجاً من الملة ، لكن عليه إثم عظيم .
والسؤال الآن : ما حكم المسلم الذي يرمي أخاه المسلم بالابتداع والضلال ويصبح ويمسي ويقول له أنت مبتدع ضال ؟؟؟
لا يجوز التوقف في أن المرمي بهذه الكلمة إن كان مبتدعاً في عرف الشرع فقد أصابت محلها ، لكن إن لم يكن كذلك فإنها ترجع إلى القائل ، ويلحقه إثمها ووبالها ، وهذا يحتم علينا البحث في معنى البدعة والمراد بالبدعة المذمومة .
ولا خلاف بين أهل العلم في أن البدعة هي الأمر المستحدث الذي لم يسبق إليه ، وهذا لا داعي للتطويل فيه .

أذكر هنا قولاً لعالم كبير ، هو سلطان العلماء في زمانه العز ابن عبد السلام المتوفى سنة [660هـ] :
قال رحمه الله : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ، والطريق في معرفة ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة ، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة ، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة ، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة ، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة ، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة .
وضرب أمثلة لكل نوع من أنواع الأحكام الخمسة ، وجعل من البدع المحرمة مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة ، وجعل الرد على هؤلاء من البدع الواجبة ، ومن البدع المندوبة عنده إحداث المدارس وصلاة التراويح ، ومن المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف ، ومن المباحة المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر [ ] .
فهل لأصحاب هذا القول أدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على أن المستحدثات في الدين ليست محرمة بإطلاق ؟ هذا ما أحاول الجواب عنه بإذن الله تعالى .


الاستدلال بالكتاب والسنة

1 ـ قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعبدوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ ] .
وجه الاستدلال أن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بفعل الخير أمراً مطلقاً ، فالظاهر الإذن في فعل كل ما يظهر خيره وتتحقق مصلحته إلا إذا كان مندرجاً تحت نص من نصوص النهي .
لكن قد يقال : إن الآية الكريمة تحتمل هذا وتحتمل الأمر بفعل الخيرات والمبرات التي ثبت الإذن فيها شرعاً ، (( وإذا تردد اللفظ بين احتمالين لم يكن صرفه إلى أحدهما أولى من صرفه إلى الآخر )) [ ] .
ولذا فما أراه هو الاستدلال بالأدلة الواضحة الدلالة على المعنى المراد إثباته ، وعدم تحميل النصوص أكثر مما تحتمل .

2 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده )) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم (( كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ، وقد سبق بيان هذا ، وذكرنا هناك أن البدع خمسة أقسام [ ] .
أقول : لكن الاستدلال بهذا الحديث يدخله مثل ما يدخل الآية المتقدمة من الاحتمال .

3 ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( دعوني ما تركتم ، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما اسـتطعتم )) . وفي رواية (( بكثرة سؤالهم)) [ ] .
أقول وبالله تعالى التوفيق : في هذا الحديث دلالة قوية واضحة على أنه ليس كل مسكوت عنه محرماً ، لأنه قسم الواجب على المكلف إلى قسمين :
• أحدهما يجب فعله على قدر الاستطاعة وهو المأمور به .
• وثانيهما يجب اجتنابه وهو المنهي عنه .
ولو كان كل مسكوت عنه محرماً لقال فإذا نهيتكم عن شيء أو لم أقل فيه شيئاً فاجتنبوه ، فتأمل .

4 ـ عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فال : (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسـكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسـيان فلا تبحثوا عنها))[ ].

أقول : هذا الحديث نص في أن الله تعالى سكت عن أشياء رحمة للأمة ، ولعله كان من الحكمة أن لا يسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لئلا ينـزل فيها تحريم بسبب السؤال ، فإذا انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فليبحث المجتهدون في إلحاقها بما يناسبها ، فيكون للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد ، فيقع التفاوت في الأجر ، ولو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وبيّن حكمها لوجب امتثال حكمه ولما وقع ذلك التفاوت ، والله أعلم .

5 ـ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم (( الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً )) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من القائل كلمة كذا وكذا ؟ . قال رجل من القوم : أنا يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : (( عجبت لها ، فتحت لها أبواب السماء )) [ ] .

أقول : الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه ؟! .

6 ـ عن أبي سعيد الخدري قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فنزلنا بقوم ، فسألناهم القِرى ، فلم يَقْرونا ، فلدغ سيدهم ، فأتونا ، فقالوا : هل فيكم من يرقي من العقرب ؟ . قلت : نعم ، أنا ، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما . قال : فأنا أعطيكم ثلاثين شاة . فقبلنا فقرأت عليه الحمد لله سبع مرات ، فبرأ ، ... فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له الذي صنعت ، فقال : وما علمت أنها رقية ؟! اقبضوا الغنم واضربوا لي معكم بسهم [ ] .
أقول : لم يكن أبو سعيد الخدري يعلم أن الفاتحة رقية ، وأنها تُقرأ سبع مرات ، ولكن هكذا اجتهد وهكذا ألهمه الله عز وجل ، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اختيار سورة الفاتحة ولا اختيار العدد في الرقية .

7 ـ عن رفاعة بن رافع الزُرَقي رضي الله عنه أنه قال : كنا يومَ نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم , فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده ، قال رجل وراءه (( ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه )). فلمـا انصرف قال : من المتكلم ؟. قال : أنا . قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول [ ] .

وهذا إقرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي قال هذه الكلمات ، وقد يكون قائلها قد سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ، لكن الظاهر أنها ليست مما علمه أن يقوله في الصلاة ، وأنه قالها في ذلك الاعتدال اجتهادا منه بإلهام من الله تبارك وتعالى ، فتقبلها منه ، وأنزل بضعة وثلاثين ملكا يتسابقون أيهم يكتب قبل غيره ، لعظيم فضلها ورفعة شأنها .

8 ـ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية , وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ . فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، وأنا أحب أن أقرأ بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخبروه أن الله يحبه [ ] .
وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .

9 ـ روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك [ ] . وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مثل ذلك ، وزاد في آخره : لا يزيد على هؤلاء الكلمات [ ] .
وذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالتلبية ، بمثل حديث ابن عمر ، وقال : والناس يزيدون (( ذا المعارج )) ونحوه من الكلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئاً [ ] .
وكان عمر رضي الله عنه يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير في يديك لبيك ، والرغباء إليك والعمل . وكان ابن عمر يقول نحواً من هذه الكلمات كذلك [ ] . وربما كان عمر يزيد : لبيك مرغوبا ومرهوبا ً ، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن [ ] . بل جاء من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تلبيته : لبيك إله الخلق لبيك [ ] . فلعله قالها مرة بصوت غير رفيع فسمعها من يليه دون سائر الناس .
فظاهر من هذا أن للتلبية ألفاظاً كان النبي صلى الله عليه وسلم علمها الناس ، وكان يلتزم بها ، ورواها عنه جماعة من الصحابة ، لكنه كان يسمع بعض الناس يزيدون (( لبيك ذا المعارج )) ونحوها فلا يقول لهم شيئاً ، وربما زاد هو عليه الصلاة والسلام مرة (( لبيك إله الحق لبيك ))، وفي هذه السعة زاد عمر وابن عمر بعض الألفاظ في التلبية .
قد يقال : إن هذا لا دلالة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في الزيادة على ألفاظ التلبية . والجواب : هل استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزيادة ؟!! وقد كان جابر رضي الله عنه قريبا من رسول الله عليه الصلاة والسلام في تلك الرحلة المباركة ، يرصد أحوال المناسك ، فالظاهر أنه يذكر استئذان الناس في زيادة الألفاظ لو وقع ، وإذ لم يذكر ذلك فالظاهر عدم الوقوع .
وإذا كان كثير من الناس قد انطلقوا يلبون بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزيدون فيها فهذا يعني أنه قد استقر في أذهانهم _وهم في أواخر السنة العاشرة _ أن باب الأذكار فيه سعة ، وأن مثل تلك الزيادة تعبر عما في مكنون كثير من القلوب من مشاعر إيمانية وخضوع وتضرع وابتهال لله رب العالمين ، بينما يؤْثر آخرون الالتزام بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي علمها للناس والتزم هو بها ، وكل على خير.

الاستدلال بآثار الصحابة والتابعين

1_ قال زيد بن ثابت رضي الله عنه : أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبو بكر رضي الله عنه : إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!. قال عمر : هذا والله خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك , ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه. ... قلت : كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ؟!! . قال : هو والله خير . فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما [ ] .

أقول : لابد من وقفتين :
الأولى : عند قول أبي بكر وقول زيد بن ثابت كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!! وهذا يدل على أنهم كانوا يتوقفون عند الوهلة الأولى عن فعل أي شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثانية : عند قول عمر هو والله خير ، ثم قول أبي بكر وقول زيد بن ثابت فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، وهذا يعني أنهم ما كانوا يرون أن كل مستحدث في الدين هو بدعة ضلالة ، وأنه إذا تحققت خير يته - من حيث التوافق مع الكتاب والسنة وتحقيق مقاصدهما - فإنه إذ ذاك يكون حسناً .

2_ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد ، وصلى رجال بصلاته ،... فلما كانت الليلة الرابعة ... فتشهد ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يخفَ عليَّ مكانكم ، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها . فتوفي رسـول الله صلى الله عليه وسـلم والأمر على ذلك [ ] .
وعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ،... ثم عزم فجمعهم على أبيِّ بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون [ ] .
أقول : بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطاع الخشية من أن يفرض ما لم يكن بفرض؛ فإن عمر رضي الله عنه صار بإمكانه أن يجمع الناس على قيام رمضان ، كما حدث في الليالي الثلاث التي أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الناس .
وقد يُظن أن صلاة التراويح التي جمع عمر رضي الله عنه لها الناس هي امتداد للتي صلاها عليه الصلاة والسلام ، والواقع أنها تختلف عنها ، وذلك أن عمر دخل المسجد مرة بعد انقضاء صلاة العشاء ، فوجد الناس يصلون وهم أوزاع وأشتات متفرقون ، فرأى أن يجمعهم على قارئ واحد ، فجمعهم على أبيّ بن كعب ، وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في جوف الليل ، ثم إن عمر دخل المسجد مرة فرآهم يصلون مجتمعين ، ووجد ذلك خيراً من التفرق ، إلا أن انشغالهم بالصلاة في هذا الوقت عن القيام في الثلث الأخير ليس الأفضل ، ولذا فإنه قال : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون .
أي لو حرص الناس على القيام بالسنة تماما ً لناموا في هذا الوقت وقاموا في الثلث الأخير ، ولكن لو غلب على الظن أن معظمهم لن يتحقق له ذلك فالأولى أن يشغلوا الوقت بعد صلاة العشاء بالقيام ، وأن يجتمعوا ولا يكونوا متفرقين ، ومن ههنا يقول عمر رضي الله عنه عن الاجتماع للقيام في هذا الوقت إنه بدعة ، ولكن نعم البدعة هذه .
ويقول بعض الناس إن البدعة هنا لغوية لا شرعية ، فأقول : سمها ما شئت ، فليس الخلاف في التسمية ، ولكن هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس شيئا ًمن قيام رمضان بعد صلاة العشاء ؟!! فإن وجدت ذلك فهذا الذي فعله عمر سنة ، وإلا فقد استحدثه عمر لما يتحقق فيه من الخير ، وسماه بدعة ، وقال : نعم البدعة .
وقد كان كثير من السلف يفضلون التهجد في ليالي رمضان على صلاة التراويح . ومن هذا قول أشعث بن أبي الشعثاء : شهدت مكة في زمان ابن الزبير في رمضان والإمام يصلي يقوم على حدة والناس يصلون في نواحي المسجد . وقول أيوب السخستاني رحمه الله : رأيت عبد الله بن أبي مُليكة يصلي بالناس في رمضان خلف المقام بمن صلى خلفه والناس بعد في سائر المسجد من بين طائف بالبيت ومصلٍّ . وقول إبراهيم النخعي الكوفي رحمه الله : كان المتهجدون يصلون في جانب المسجد والإمام يصلي بالناس في شهر رمضان [ ] .

3 ـ قال السائب بن يزيد رضي الله عنه : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداءَ الثالث على الزوراء [ ] .
أقول : الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة والفوز بالفلاح ، والسنة في الأذان للجمعة أن يكون إذا جلس الإمام على المنبر ، فهل يجوز استحداث أذان قبل ذاك الأذان إذا كثر الناس واقتضت الحاجة إعلامهم ليتوجهوا إلى الصلاة ؟ هذا ما جعل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يأمر باستحداث ذلك الأذان .
لكن جاء عن بعض السلف أن الأذان الأول يوم الجمعة بدعة ، وهذا قول ابن عمر والحسن البصري [ ] . والظاهر أن المراد أنه لم يكن ، لا أنه بدعة مذمومة .

4ـ روي عن علي رضي الله عنه أنه خرج يوم عيد ، فوجد الناس يصلون قبل خروجه ، فقيل له : لو نهيتهم ! . فقال : ما أنا بالذي أنهى عبد اً إن صلاها [ ] . والسند ضعيف .
وعن رجل أنه قال : جاءنا ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد قبل خروج الإمام فصلوا ، وجاء ابن عمر فلم يصل . فقال الرجل لابن عمر في ذلك ، فقال ابن عمر : مالله تبارك وتعالى برادٍّ على عبد إحساناً أحسنه [ ] . وفي السند ذلك الرجل المبهم فهو ضعيف .
أقول : من الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبل صلاة العيد ولا بعدها شيئاً ، كما أخبر بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما [ ] . وكان ابن مسعود وحذيفة بن اليمان يتمسكان بذلك ، حتى إنهما كانا يجلّسان من رأياه يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد [ ] .
ومن جهة أخرى نجد روايات عن جماعة من السلف يرون أن لا حرج في الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها أو قبلها وبعدها ، منهم أنس وأبو هريرة والحسن البصري [ ] . وفي هذا السياق تأتي الكلمة المروي عن علي رضي الله عنه إذ وجد الناس يصلون قبل خروجه فأبى أن ينهاهم وقال : (( ما أنا بالذي أنهى عبد اً إن صلاها )) .
أقول : لا أرى بأساً بالاستئناس بها مع ضعف السند هنا ، للتوافق بينها وبين ماروي عن جماعة من السلف الآخرين ، والذي فيها هو الإشارة المعبرة عن ملحظ هؤلاء وهو أنها صلاة نافلة ، والنوافل مبناها على السعة ، فمن أحب أن يصلي فليصلّ ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عن فعلها ، ومن هنا فلا يصح تشبيهها بالصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، إذ شتان بين ما لم يفعله صلى الله عليه وسلم ولم ينه َ عنه وبين مانهى عنه .
وفي هذا السياق كذلك تأتي الكلمة المروية عن ابن عمر رضي الله عنهما ، فهو قد ثبت عنه أنه كان لا يصلي قبل العيدين ولا بعدهما شيئاً [ ] . وهذا ليس بمستغرب عنه لما عُلم من شدة تحريه في الاتباع ، ولكن وجه الاستئناس بقوله ((ما الله تبارك وتعالى برادٍّ على عبد إحساناً أحسنه )) إن ثبت عنه ؛ أنه مع كونه لا يرى التنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها فإنه لا ينهى من صلى من ذلك شيئاً ، ويرى أن الصلاة من الإحسان وأن الله تعالى لا يردها على عبده ، ولعل هذا الأثر عن ابن عمر يقوي الأثر الوارد عن علي رضي الله عنهم جمعيا ويتقوى به ، ويُعلم بهما وبالآثار الواردة الأخرى أن لهذا أصلاً من عمل السلف .

5 ـ قال عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي :كنا مع عبد الله بن مسعود بِجَمْع فلما دخل مسجد منى سأل كم صلى أمير المؤمنين ؟ . قالوا : أربعاً . فصلى أربعاً , فقلنا : ألم تحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وأبا بكر صلى ركعتين ؟! . فقال : بلى , وأنا أحدثكموه الآن , ولكن عثمان كـان إماماً فما أخالفه ، والخلاف شـر [ ] .
أقول : فرضي الله تعالى عن ابن مسعود ما أفقهه !! .
كان ابن مسعود يعلم أن السنة أن تصلى الصلوات الرباعية بمنى ركعتين ، وأن صلاته إياها أربعاً هي بخلاف ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان صدراً من خلافته ، ولكنه ما كان يراها بدعة ضلالة ، بل كأنه كان يراها خلاف الأَولى ، فإذا فعلها إمام المسلمين لأمر ما ـ ولا شك في أن له عذراً في ذلك ـ صار فعلها على وَفق ما صنع الإمام هو الأَولى .
ولو كان يراها بدعة ضلالة لما جاز له أن يحرص على موافقة المخلوق في معصية الخالق جل وعلا , فتأمل .

6 ـ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة الضحى : بدعة ، ونعمت البدعة . وقال : إنها محدثة ، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا .
وهذا ثابت عن ابن عمر ، وهو بخلاف قول من لا يفرقون بين درجات المحدثات.
وحيث إن موضوع صلاة الضحى قد اكتنفه شيء من الغموض فأرى أن أكتب شيئاً في توضيحه بإيجاز ، فأقول وأنا أبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي طالبا منه سبحانه الهداية والسداد :
صلاة الضحى سنة مؤكدة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله ، فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه : أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنَّ حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر [ ] . وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله [ ] . فصلاة الضحى سنة ، وليست بمحدثة ولا بدعة .
فما الذي جعل عدداً من الصحابة يقولون ما يفيد ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي صلاة الضحى ؟؟ .
حدث في خلافة عثمان رضي الله عنه أن كثيراً من الناس اعتادوا أن يمروا بالمسجد غقب خروج وقت الكراهة فيصلوا صلاة الضحى ، وشاع هذا الاستعمال على الألسنة حتى طغى هذا المصطلح الجديد ، وصار لا يفهم من قولك صلاة الضحى أو سبحة الضحى إلا أن تتوجه إلى المسجد بُعيد الشروق فتصليها فيه , بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على صلاتها اذا رمضت الفصال بالهجير.
ومن القرائن الدالة على ذلك قول ابن جريج رحمه الله : وقال ناس : أول من صلاها أهل البوادي ، يدخلون المسجد إذا فرغوا من أسواقهم . وقول طاووس : إن أول من صلاها الأعراب ، إذا باع أحدهم بضاعة يأتي المسجد فيكبر ويسجد [ ] . ويؤكد ذلك ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه , فقد قال مسروق بن الأجدع : كنا نقعد في المسجد فنثبّت الناس في القراءة بعد قيام ابن مسعود , ثم نقوم فنصلي الضحى , فبلغ ذلك ابنَ مسعود , فقال : عبادَ الله , لا نحمّلوا عباد الله ما لم يحملهم الله , إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم [ ] .
وفي ظل المصطلح الجديد ـ على ما يبدو ـ يأتي جواب ابن عمر عن سؤال مورّق العجلي ، قال مورق : قلت لابن عمر : أتصلي الضحى ؟ . قال : لا . قلت : فعمر ؟ . قال : لا . قلت : فأبو بكر ؟ . قال : لا . قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم ؟. قال : لا إخاله . وكذا قول عبد الرحمن بن أبي ليلى : ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ ، فإنها قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات [ ] . وكذا رواية نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين : يوم يقدم مكة ، فإنه كان يقدمها ضحى فيطوف بالبيت ثم يصلي ركعتين خلف المقام ، ويوم يأتي مسجد قباء ، فإنه كان يأتيه كل سبت ، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه [ ] . وكذا قول عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبّح سبحة الضحى ، وإني لأسبحها [ ] . وكذا جوابها لعبد الله بن شقيق حين سألها : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ . فقالت : لا , إلا أن يجيء من مغيبه [ ] .
إذا عُلم هذا فإن ابن عمر عندما كان يُسأل عن صلاة الضحى - وهذا يعني عندهم المعنى الذي صار متعارفا ً عليه - فإنه يقول إنها بدعة وإنها محدثة ، أي من حيث تخصيص العبادة بمكان و زمان لم يخصصهما لها الشرع .
هذا وقد روى أربعة من التابعين عن ابن عمر قوله في حكم صلاة الضحى :
فأما مجاهد فإنه دخل المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، فسأله عن صلاتهم ، فقال : بدعة [ ] . وجاء عنه عن ابن عمر أنه قال : إنها محدثة ، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا [ ].
وأما الحكم بن الأعرج فقد سأل ابن عمر عن صلاة الضحى وكان جوابه - حسب رواية أحد الراويين عنه - أنه قال : بدعة . وكان جوابه – حسب رواية الراوي الثاني عنه – أنه قال : بدعة ، ونعمت البدعة [ ] .
وأما سالم بن عبد الله بن عمر فقد روى عن أبيه أنه قال : لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها ، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إليّ [ ] .
وأما سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي فقد روي عنه أنه قال : أَتْبعني أبي عبدَ الله بن عمر لأتعلم منه ، فما رأيته يصلي السبحة ، وكان إذا رآهم يصلونها قال : من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه [ ] .
و كما أثنى ابن عمر على ما أحدثه الناس من صلاة الضحى فإن علياً رضي الله عنه كان يُذكر له هذه الصلاة التي أحدث الناسُ فيقول : صلوا ما استطعتم ، فإن الله لا يعذب على الصلاة [ ] .
وخلاصة الأمر أن الناس أحدثوا أمراً جديدا في صلاة الضحى ، وهو التزامهم بأداء هذه العبادة في أول وقتها في المسجد ، وأن ابن عمر يحكم على فعلهم هذا بأنه بدعة ومحدثة ، وأنه هو ما كان يصليها كما يصليها الناس ، ومع ذلك فقد أثنى على ما يفعلونه بأنه نعمت البدعة ، وأنه من أحسن ما أحدثوا . ولعل ذلك لما رأى من نشاط الناس لأداء هذه العبادة في المسجد ، ولتوقعه أن كثيراً منهم لو حُذِّروا من أدائها في المسـاجد وأُلزموا أن يفعلوها في البيوت لأصابهم الفتور ، ومن ههنا تحققت الخيرية لما ألزم الناس أنفسهم به .
7 - روي عن ابن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه ، وحججت مع عمر فلم يصمه ، وحججت مع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ، ولا آمر به ، ولا أنهى عنه [ ] . وفي السند راو مبهم فهو ضعيف .

ولو صح السند إلى ابن عمر لكان في هذه الرواية حجة لمن يرى أن الأمر قد يكون بدعة ولا يكون ضلالة ، حيث إن ابن عمر قال (( ولا أنهى عنه )). ولكن هذه الرواية يُستأنس بها ، حيث إنها تنسجم مع ما تقدم مما يبين طريقة ابن عمر , والله أعلم .
فإن قيل : لو كانت الزيادة على ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها خير لكان هو أولى بالسبق إليها و الدلالة عليها ، وقد قال صلى الله عليه و سلم : (( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم [ ] .
فالجواب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة ، ودل الأمة على خير ما يعلمه لهم ، وأنذرهم شر ما يعلمه لهم ، بنصوص تفصيلية في مواطن ، وبنصوص عامة في مواطن أخرى ، وترك لهم مساحة من المسكوت عنه ، ليقع الاجتهاد والتسابق في الخيرات والتفاوت في الأجر .
أما هو صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة رضي الله عنها ما تضمن الجواب عن ذلك ، قالت : إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيدع العمل وهو يحب أن يعمل به ، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم [ ] .
الاستئناس بأقوال العلماء

إن أقوال العلماء السابقين ليست بحجة بذاتها ، ولكن يحسن الاستشهاد والاستئناس بها ، وهأنذا أورد بعضاً منها :

ـ قال الإمام الشافعي رحمه الله : المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما ما أُحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً ، فهذه البدعة الضلالة ، والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، فهذه محدثة غير مذمومة ، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان نعمت البدعة هذه . وقال رحمه الله : البدعة بدعتان : بدعة محمودة ، وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم [ ] .
وقال الإمام الشافعي في صلاة الاستسقاء : ولا آمر بإخراج البهائم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرجها ، فإن أخرجت فلا بأس [ ] .

ـ وأما الإمام أبو عبد الله أحمد ابن حنبل رحمه الله فقد جاءت عنه عدة أقوال في هذا المعنى ، ومن ذلك ما ذكره ابن قدامة في المغني إذ قال : قال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة ؟ قال : أرجو أن لا يكون به بأس ، قد فعله غير واحد . وروى الأثرم عن الحسن أنه قال : أول من عرَّف بالبصرة ابن عباس . وقال أحمد : أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث . وقال : الحسن وبكر ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة . قال أحمد : لا بأس به ، إنما هو دعاء وذكر لله . فقيل له : تفعله أنت ؟ . قال : أما أنا فلا [ ] .
فانظر إلى دقة الإمام أحمد رحمه الله في الفقه ، وقف عند قوله (( لا بأس به إنما هو دعاء وذكر لله )) مع عدم فعله إياه ، فكأنه يرى أن لزوم المساجد عشية يوم عرفة بالأمصار لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدون ولا أحد من كبار الصحابة ، لكن فعله اثنان من صغار الصحابة وبعض التابعين ، فهو أمر مستحدث ، لكنه لا يعدوكونه دعاء وذكراً لله تعالى ، فهو لا بأس به عنده ، ويراه مع ذلك خلاف الأولى ، وإلا لفعله .
وقارن مع من يقول (( إن كثيراً من مجتهدي السلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة )) ، أي فهم مغفور لهم ذلك ومعذورون ، وأما من يفعل مثل ذلك الآن فهو مبتدع وضال ومن أهل النار !!! فتأمل .

ـ سأل عبد الله ابن الإمام أحمد أباه عن الرجل يقرأ على القبر ؟ فقال : هذه بدعة . وسئل مرة أخرى فقال : أرجو أن لا يكون به بأس [ ] .

ـ سأل عبد الله ابن الإمام أحمد أباه عن حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه )) ، فقال : لم يثبت عندي هذا ، ويعجبني أن يقوله [ ] .

ـ سئل الإمام أحمد عن رفع الأيدي في القنوت يمسح بهما وجهه ؟ فقال : الحسن يروى عنه أنه كان يمسح بهما وجهه في دعائه إذا دعا [ ] . وسأله ابنه عبد الله عن رفع الأيدي في القنوت ، فقال : لا بأس به . فقال لأبيه : يمسح بهما وجهه ؟ . فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . قال عبد الله : لم أر أبي يمسح بهما وجهه [ ] . أقول : فكأنه يراه خلاف الأولى .

ـ سأل عبد الله ابن الإمام أحمد أباه : ما يقال عند الذبيحة ؟ . فقال : يقال بسم الله والله أكبر . فقال لأبيه : هل يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبيحة ؟ . فقال : ما سمعت فيه بشيء [ ] . أقول : قارن مع منهج من يقول إنه بدعة ضلالة !! .

ـ قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج ، ثنتين راكباً وثلاثة ماشياً ، [ أو ثنتين ماشياً وثلاثة راكباً ] ، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشياً ، فجعلت أقول (( يا عباد الله دلونا على الطريق )) ، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق . أو كما قال أبي [ ] .

أقول : هذا على طريقة التبديعيين من البدع المكفرة ، إذ يتوهمون أنه يتعارض مع قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ ] ، وحقيقة الأمر بخلاف ذلك ، لأن من يدعو غير الله إذا اعتقد فيمن يدعوه أنه يقدر على شيء من ذاته من دون الله فهذا شرك أكبر ، لا مراء فيه ، وإذا اعتقد فيه أنه يقدر على أشياء بإقدار الله تعالى له عليها ، أي فالله تعالى هو الذي منحه تلك القدرة ، وهو الذي جعله سبباً في حصولها ، فهذا ليس من الشرك في شيء ، لكن هل هو صواب أو خطأ ؟؟ فالمسألة تخضع للإثبات بالدليل الشرعي الصحيح ، والله أعلم.

ـ قال ابن تيمية رحمه الله : فإن الزيادة على المأمور به قد يكون عدواناً محرماً، وقد يكون مباحاً مطلقاً ، وقد يكون مباحاً إلى غاية فالزيادة عليها عدوان [ ] .

ـ وقال ابن تيمية رحمه الله : وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين ، ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة [ ] .

أقول : أليس هذا النص يصرخ بأن البدع منها بدعة سيئة ومنها بدعة حسنة وأن هذه قد تكون واجبة أو مستحبة إذا قام دليل شرعي على ذلك ؟ ! فتأمل .

ـ قال الإمام الغزالي رحمه الله : فكم من محدث حسن ، كما قيل في إقامة الجماعات في التراويح إنها من محدثات عمر رضي الله عنه وإنها بدعة حسنة ، إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها [ ] .

ـ وقال الإمام الغزالي رحمه الله : فليس كلُ ما ابتُدع منهياً عنه ، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته [ ] .

ـ قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله : اعلموا ـ علمكم الله ـ أن المحدث على قسمين : محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة ، فهذا باطل قطعاً ، ومحدث بحمل النظير على النظير ، فهو سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء ، ... وإنما يُذم من البدعة ما خالف السنة ، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة [ ] .

ـ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله : والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة [ ] .

أقول : ينبغي أن يتيقظ من يتسرع ويظن قوله هذا مؤيداً للقول الأول ، والواقع هو أنه مؤيد للقول الثاني ، لأنه لم يشترط لإخراج المحدث من البدعة المذمومة أن يأتي دليل خاص على مشروعيته ، واكتفى بأن يكون له أصل في الشريعة يدل عليه ، فما كان مندرجاً تحت عمومات النصوص لا يقال ليس له أصل في الشرع ، فتنبه .

ـ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتُطلق في الشرع في مقابل السنة ، فتكون مذمومة ، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة ، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة [ ] .

مسائل مختلف فيها بين من يصفها بأنها بدعة
وبين من ينفي هذا الوصف عنها


ـ عن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك رضي الله عنه أن يُمَرَّ بها عليهن ، فمُرَّ به في المسجد ، فجعل يُوقف على الحُجَر فيصلين عليه ، ثم بلغ عائشة رضي الله عنها أن بعض الناس عاب ذلك وقال : هذه بدعة ، ما كانت الجنازة تُدخل المسجد . فقالت : ما أسرع الناسَ إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به ، وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد [ ] .

فأنت ترى أن بعض الناس في زمن عائشة رضي الله عنها وهم من الصحابة أو التابعين قد يقولون عن أمر ما إنه بدعة لأنهم لم يقفوا على دليله ، ولكن إذا ظهر الدليل حُسم الأمر وبطل الخلاف .

أخبر ربيعةُ بنُ عبد الله بنِ الهُدَير أنه رأى ابنَ عباس ـ وهو أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب ـ متجرداً على منبر البصرة ، فسأل الناسَ عنه ، فقالوا : إنه أمر بهَدْيه أن يُقلَّدَ ، فلذلك تجرد . قال ربيعة : فلقِيت ابن الزبير ، فذكرت ذلك له ، فقال : بدعة ورب الكعبة [ ] .

أقول : لا شك في أن من قلد هديه وبعث به فإنه لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم لحديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة ، فما حرم عليه شيء كان له حل [ ] .
ولكن يبدو أن بعض الصحابة ذهب إلى أن من قلد الهدي وبعث به فإنه يجتنب ما يحرم على المحرم ، إما وجوباً وإما استحباباً ، لأنه ما كان قد بلغهم حديث عائشة ، وإنما حكم ابن الزبير على ذلك بأنه بدعة ـ على ما يبدو ـ لأنه كان قد سمع الحديث ، وعائشة هي خالته ، رضي الله عنهم .

ـ قال طلحة بن مصّرف : زاد الربيع بن خُثيم في التشهد (( بركاته ومغفرته )) ، فقال علقمة : نقف حيث عُلّمنا (( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته )) [ ] . والربيع بن خثيم وعلقمة بن قيس النخعي كلاهما من كبار التابعين بالكوفة .

ـ ذكرت قبل قليل تحت عنوان (( الاستئناس بأقوال العلماء )) أن الإمام أحمد رحمه الله قال عن التعريف بالأمصار في المساجد عشية عرفة (( لا بأس به )) ، وأحب أن أذكر هنا إنكار الإمام مالك رحمه الله :
قال الطرطوشي : قال ابن وهب : وسمعت مالكاً يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعِهم للدعاء ، فقال : ليس هذا من أمر الناس ، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع . وقال مالك في مرة أخرى : ما نعرف هذا ، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه [ ] .

أقول : فقد اختلف في حكمه إمامان من كبار أئمة الفقه ، وهما مالك وأحمد ، فالمسألة اجتهادية ، وليست من بدع الضلالة ، ولا يخفى ما فيها من خير كبير .

ـ قال ابن المنذر : وأجمعوا أن السجود على الحجر جائز ، وانفرد مالك فقال بدعة [ ] .
ذكره في مسائل كتاب الحج ، والظاهر أن المراد به تمريغ الوجه على الحجر الأسود ، وقد كان مالك إذا رأى الناس أحدثوا أمراً لم يعهده ولم يبلغه عن السلف الماضين قال عنه بدعة ، ويبدو أن كثيراً من الأئمة الآخرين ينظرون إلى مدى قربه أو بعده عن الأمور المشروعة وعما يحقق للناس من خير ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبله ، وهو من شعائر الله ، وتعظيم شعائر الله مطلوب ، وتمريغ الوجه عليه يعبر عن شدة الشوق والشغف ببيت الله المعظم وبأكرم جزء فيه ، فلا جرم كان ذلك جائزاً عند الجمهور .

ـ قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سمعت أبي وذكر وضع الكتب فقال : أكرهها ، ... هذا أبو حنيفة وضع كتاباً ... مالك ...الشافعي ، وهذه الكتب وضعها بدعة , كلما جاء رجل وضع كتابا ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!. [ ] .

لعل من مذهب الإمام أحمد أنْ تُصرف عناية العلماء إلى تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين ، وكأنه يرى أنه ينبغي أن يكون التفقه شفوياً مع الرواية ، ولا داعي عنده بعد ذلك إلى وضع الكتب الفقهية !!! وكأنه كان يخشى أن تصرف العناية إلى كتب الفقه ويؤدي ذلك إلى إهمال الحديث والآثار .
أما سائر الفقهاء فما رأوا هذا الرأي ، ووضعت الكتب ، واستمر التأليف ، ونشطت الحركة العلمية ، وعلوم الشريعة كلها ـ بفضل الله تعالى ـ يهيئ الله تعالى لها من يقومون برعايتها وحفظها وخدمتها ، حتى إن فقهاء الحنابلة الذين أحجموا فترة من الزمن عن التأليف ما لبثوا أن دخلوا غمار الميدان وأسهموا إلى جانب سائر العلماء في إثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفاتهم في الفقه وغيره من علوم الشريعة . وما أظن أحداً اليوم يقول إن وضع الكتب الملتزمة بمناهج الكتاب والسنة بدعة .

ـ وأخيراً فمن العجائب الغرائب أن يختلف اثنان من أهل العلم المعاصرين اختلافاً كبيراً في إحدى هيئات الصلاة ، وكلاهما من أشد الناس دعوة إلى التمسك بالسنة ونبذ البدع ، وذلك في مسألة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة حالة الاعتدال بعد الركوع .
أما أحدهما فيرى أنه سنة ، دون أن يكون عنده نص واضح صريح في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من السلف ، غاية ما في الأمر أنه اعتمد على الإطلاق الذي جاء في بعض أقوال الصحابة في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه إذا كان قائماً في الصلاة يضع يده اليمنى على اليسرى ، ولو كان هذا يشمل ما قبل الركوع وبعده لكان الصحابة والتابعون يفعلونه ، ولو فعلوه لوصل إلى أئمة الفقه ولأخذت به بعض المذاهب الفقهية على الأقل ، فلما لم نجد ذلك عن أحد الأئمة الفقهاء كان ذلك قرينة على أن المراد في ذلك الإطلاق هو القيام للقراءة ، لا قيام الاعتدال من الركوع .
وأما الآخر فلما لم يجد دليلاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده اليمنى على اليسرى حالة الاعتدال من الركوع قال إنه بدعة ضلالة ! .

أقول : الحكم على كل ما لم يثبت بأنه بدعة ضلالة هو نتيجة التسرع في إطلاق هذه الكلمة الخطيرة ، ولو قيل بالكراهة في مثل هذه المخالفة في الهيئة لكان أقرب إلى الصواب من الحكم عليها بأنها بدعة ضلالة .

مسائل يصفها بعض الناس بأنها بدعة ضلالة
من باب التسرع في الحكم


لا بد من الإشارة إلى أن بعض الناس سهلت على لسانه كلمة البدعة ، فهو يتسرع في الحكم بها .

ـ لو رأى بعض الناس على أحد تعويذة مكتوبة لقال مباشرة أزلها عنك فإنها بدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، لكن هل كان النهي عن تعليق ما يكتب من القرآن أو من أسماء الله الحسنى أو عن تعليق ما يكتب من رُقى الجاهلية وطلاسمها ؟؟

أقول : لا بد من التريث وفهم نصوص الشارع في ضوء ما فهمه السلف ، وأما الإعراض عن كلام السلف والأئمة فهذا بعيد عن المنهج السليم .
يبدو أن من يقول عن هذا إنه بدعة لم يقف على أن هذا كان منتشراً بين السلف ، وأنه جرى السؤال عن حكم تعليقها على المرأة الحائض والجنب لا عن حكم تعليقها أصلاً .
- سأل ابن جريج عطاء بن أبي رباح سيد التابعين بمكة فقال : القرآن كان على امرأة فحاضت أو أصابتها جنابة أتنـزعها ؟ . قال : إذا كان في قصبة فلا بأس . قال ابن جريج : وسمعته قبل ذلك يُسأل : أيجعل على صبي القرآن ؟ . قال : إذا كان في قصبة من حديد أو قصبة ما كانت فنعم ، وأما رقعة فلا [ ] .

- سئل سعيدُ بن المسيب سيدُ التابعين بالمدينة عن الاستعاذة تكون على الحائض والجنب ؟ فقال : لا بأس به إذا كان في قصبة [ ] .

- قال الحسن البصري أحد سادات التابعين بالبصرة ومنصور بن المعتمر أحد سادات أتباع التابعين بالكوفة : كانوا يكرهون أن يعلقوا مع القرآن شيئاً [ ] .

- قال عبد الله ابن الإمام أحمد : رأيت أبي يكتب التعاويذ للذي يصرع ، وللحمى ، لأهله وقراباته ، ويكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة ... ، إلا أنه كان يفعل ذلك عند وقوع البلاء ، ولم أره يفعل هذا قبل وقوع البلاء , ورأيته يعوّذ في الماء ويشربه المريض ويصب على رأسه منه [ ] .

- قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سألت أبي عن الرجل يكتب التعاويذ من القرآن وغيره يبيعها ؟ . قال : أكرهه ، وأكره بيع المصاحف ، وشراؤها أسهل عندي من بيعها . قلت لأبي : فإن باع لأهل الذمة التعاويذ ؟ . قال : ذلك أشد . وكرهه [ ] .

ـ قال عبد الله ابن الإمام أحمد : رأيت أبي إذا بال اسـتبرأ اسـتبراء شـديداً... [ ] .
وهذا يراه بعض الناس بدعة ، ويرون أن لا ضرورة لأن ينتظر الرجل بعد البول شيئاً من الوقت ، فهل كان الإمام أحمد من المبتدعين ؟ !!! .

ـ قال الإمام أحمد لتلميذه المرُّوذي : يتوسـل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه [ ] .

يرى بعض الناس أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بدعة ، وأنه من الشرك أو من ذرائع الشرك ، وأن الإمام أحمد رجع عن هذا القول .

أقول : هل كان الإمام أحمد وهو من كبار أئمة أهل السنة قبل رجوعه عن هذا القول جاهلاً بمعرفة البدعة والشرك وذرائعه ؟ !!! حاشاه من ذلك . فلا بد من فهم التوسل بما يجعله بعيداً عن الشرك وكل ما يوصل إليه ، وإلا فهو اتهام خطير للإمام أحمد رحمه الله .

ـ قال المرُّوذي تلميذ الإمام أحمد : سألت أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال : إن كان على طريق التدين فلا بأس ، قد قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب ، وإن كان على طريق الدنيا فلا [ ] . ثم روى عن الإمام سفيان الثوري ـ وهو من شيوخ مشايخ الإمام أحمد ـ أنه قال : لا بأس بها للإمام العادل ، وأكرهها على دنيا [ ] .

ـ يحسن هنا أن أورد بعض ما سطره أحد الباحثين الذين كتبوا في موضوع البدعة مع ذكر ما يدل على نقيض قوله من السنة والآثار .

قال الباحث سـامحه الله : (( فالتبرك بالأماكن والآثار والأشـخاص أحياء وأمواتاً لا يجوز ، لأنه إما شرك إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة ، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله ، وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وريقه وما انفصل من جسمه صلى الله عليه وسلم فذلك خاص به صلى الله عليه وسلم في حال حياته ، بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته ، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها )) !!! .

أقول ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق :
هذا الباحث يعلم أن الصحابة كانوا يتبركون بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره وريقه ونخامته ودمه والمكان الذي يصلي فيه ، ويقول إن ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم في حال حياته ، ولكنه سامحه الله لم يبين لنا هل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من يتبركون به ببيان أن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك ؟ !!! .
لا شك في أن من يتبرك بشيء معتقداً أن ذلك الشيء يمنح البركة من دون الله تعالى فهو مشرك ، وحاشا أن يعتقد الموحدون ذلك ، ولا شك في أن من يتبرك بشيء معتقداً أن الله تعالى جعله مباركاً ـ وعنده عليه دليل شرعي ـ كما أنه جعله سبباً لحصول البركة ؛ ففعْله هذا لا شيء فيه من الشرك ولا من ذرائع الشرك ، بل هو قربة إلى الله تبارك وتعالى ، لأن حقيقته هي توجه القلب إلى الله تعالى بسؤال البركة وإظهار الافتقار إليه ، مع تعظيم شأن من عظم الله قدره وجعله مباركاً ، واقرأ قوله تعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ } [ ] .
لكن ما صحة قوله إن ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم في حال حياته ؟؟ هذا خطأ محض مخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون .

ـ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا دخل الكعبة مشى قِبَلَ وجهه ... ثم صلى يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه [ ] . ونافع يصف ما يفعله ابن عمر ، وهذا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
ـ قال موسى بن عقبة : رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة [ ] .
ـ قال يزيد بن أبي عبيد : كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم ، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ! . قال : فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها [ ] .
ـ قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري : قدمت المدينة ، فلقيني عبد الله بن سلام ، فقال لي : انطلق إلى المنـزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم . فانطلقت معه ... [ ].
ـ قال محمد بن سيرين لعَبيدة السَلْماني : عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قبل أنس . أو : من قبل أهل أنس . فقال : لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها [ ] .
ـ ذكر عبد الله بن كسيان مولى أسماء بنت أبي بكر عن أسماء أنها أخرجت إليه جبة طيالسة كسروانية ، وقالت : هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت عند عائشة حتى قُبضت ، فلما قُبضت قبضتها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلْبَسها ، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها [ ] .
ـ لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاءٍ من الطور ، فقال : من أين أقبلتَ؟. قال : من الطور ، صليتُ فيه . قال : أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلتَ ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى [ ] .
أقول : يرى بعض الباحثين أن هذا لا حجة فيه لإنكار أبي بصرة على أبي هريرة ، ولكن كيف كان جواب أبي هريرة ؟؟ لا ندري . ولا يغيبن عن البال أن أبا هريرة نفسه روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد رواه عنه ثلاثة من التابعين [ ] وأين يظهر علم أبي بصرة وجمعه للحديث أمام علم أبي هريرة وحفظه ؟ !!! [ ] .
ـ عن ثابت البُنَاني أنه قال لأنس بن مالك : يا أنس ، مَسِسْتَ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك ؟ . قال : نعم . قال : أرني أقبلها [ ] .

ـ عن عبد الرحمن بن رزين أنه نزل الربذة هو وأصحابه يريدون الحج ، فقيل لهم : ههنا سلمة بن الأكوع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأتيناه ، فسلمنا عليه ، ثم سالناه , فقال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه . فقمنا إليه ، فقبلنا كفيه جميعاً [ ] .
ـ عن يونس بن ميسرة أنه قال : دخلنا على يزيد بن الأسود عائدين ، فدخل عليه واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، فلما نظر إليه مد يده فأخذ يده فمسح بها وجهه وصدره ، لأنه بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ] .
ـ قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سألت أبي عن الرجل يمس منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز ؟؟ . فقال : لا بأس بذلك [ ] .

أقول : فليت الباحث المشار إليه يعيد النظر فيما كتب ، إذ هل يُعقل أن عبد الله بن عمر وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن سلام وأسماء بنت أبي بكر وأبا هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم وسالم بن عبد الله بن عمر وأبا بردة بن أبي موسى الأشعري ومحمد بن سيرين وعَبيدة السلماني وثابتاً البُناني رحمهم الله لا يعرفون ذرائع الشرك ؟ !!! وأن الإمام أحمد هو كذلك ؟ !!! فهل يقول هذا عاقل ؟ ! .

ـ لا ينبغي أن أغادر هذه المسألة قبل الإشـارة إلى بعض الروايات الأخرى فأقول:
قال المعرور بن سويد : كنت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين مكة والمدينة ، فصلى بنا الفجر ، ... ثم رأى أقواماً ينزلون فيصلون في مسجد ، فسأل عنهم ، فقالوا : مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً ، من مر بشيء من المسـاجد فحضرت الصلاة فليصل ، وإلا فليمض[ ].

ليس من الممكن الأخذ بظاهر هذه الرواية عن عمر رضي الله عنه واستبعاد الروايات الكثيرة عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كما لا يمكن أن يغض المنصف نظره عن هذه الرواية ، إذن لا بد من الجمع بينهما ، وربما وجد عمر رضي الله عنه في أولئك الأقوام تمسكاً وتعلقاً بالمواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يفوق الحرص على أساسيات الدين وفرائضه ، فيكون موقفه هو المناسب لأهل الغلو ، ومواقف سائر الصحابة والتابعين هي الأنسب لأهل الاعتدال .
خاتمة المطاف

لا شك في أن من الواجب على المسلم أن يحرص أشد الحرص على التمسك بالسنن النبوية وعلى البعد عن المحدثات البدعية ، وحيث إن المقام مقام البحث في البدعة فأود أن أذكر بعض البدع ـ على سبيل المثال ـ للتحذير منها :

- من أخطر البدع تفسير النصوص الشرعية بظواهر معاني المفردات المقطوعة عن السياق الذي وردت فيه ، لأن هذا يصادم معاني النصوص نفسها ، وليتضح الأمر فإنه يجب التفكر في معاني عدد من النصوص التي يستحيل فهمها على طريقة الظاهريين .
فعلى سبيل المثال : كيف نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه (( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد )) [ ] ؟! وقوله (( المؤمن يأكل في مِعىً واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء )) [ ] ؟! وقوله لأمهات المؤمنين (( أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً )) [ ] ؟! .
ولا بد من التنبيه هنا على أن العلماء يسمون تفسير النص بالمعنى المفهوم من السياق حسب الأساليب البلاغية بالمجاز ، فيأتي من لا فقه عنده ويقول لهم : أنتم تقسمون الكلام إلى حقيقة ومجاز ، وكل ما سوى الحقيقة باطل ، فالمجاز باطل !!! .
وهذا من التلاعب بالمصطلحات ، إذ من المعلوم المتفق عليه بين العلماء أن الكلام في اللغة العربية : منه ما يفسر حسب ظواهر معاني المفردات فيؤدي المعنى المراد ، ومنه ما يفسر حسب السياق البلاغي بما يتجاوز معاني المفردات المقطوعة عن السياق ليؤدي المعنى المراد .
فلو فسرت قوله صلى الله عليه وسلم (( أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً )) حسب معاني المفردات المقطوعة عن السياق ؛ لقلت إن أسرع زوجاته صلى الله عليه وسلم وفاة بعده هي من إذا مددن أيديهن كانت أطولهن يداً بقياس مسافة الطول ، وهذا المعنى هو من الحقيقة اللغوية ، ولكنه لم يكن هو المراد ، إذ لما كانت الزوجة الأقصر يداً بقياس مسافة الطول هي الأسرع وفاة بعده ؛ تبين أن المقصود هي الأكثر تصدقاً على المساكين ، وهذا المعنى هو من الحقيقة اللغوية كذلك ، إذ قد يأتي على ألسنة العرب طول اليد ويكون المراد طولها بالصدقة والإحسان ، وإنما جاء هذا التنوع في الأساليب اللغوية ليتبين الذي فطن للمعنى المراد من الذي غاب عنه ذلك المعنى فوقف عند المفردات .
وهنا يأتي التقسيم والتسمية ، ففْهم المعنى حسب المفردات فحسب هو من الحقيقة اللغوية ، وأطلقوا عليه في الاصطلاح لفظة (( الحقيقة )) ، وفهم المعنى حسب السياق بالأسلوب البلاغي المعروف والمستعمل في اللغة هو من الحقيقة اللغوية كذلك ، وأطلقوا عليه في الاصطلاح لفظة (( المجاز )) ، فالمجاز ليس قسيماً للحقيقة ، بل كلاهما قسمان للحقيقة اللغوية ، فتيقظ .

ـ من البدع التي يقع فيها بعض أهل العلم أحياناً الغفلة عن دراسة أسانيد الأحاديث التي يستشهدون بها ، وخاصة في العقيدة ، ومن ذلك حديث (( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رءوسهم ، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة ، ... )) [ ] .
وهذا الحديث في سنده الفضل بن عيسى الرقاشي أحد الوعاظ القصاصين ، وقد قال فيه أئمة الحديث : ضعيف ، منكر الحديث ، ليس بثقة ، كان هالكاً ، لا تكتب حديثه ولا كرامة . فكيف يجوز السكوت عن مثل هذه الرواية الهالكة التي يشير السياق فيها إلى الفوقية المكانية لله تبارك وتعالى وفيها مثل ذلك الراوي ؟ !!! .

ـ من آثار عدم دراسة الأسانيد أن ابن أبي يعلى رحمه الله روى بسنده الرسالة التي نقلها أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري عن الإمام أحمد ابن حنبل ، دون النظر والبحث في سندها ولا متنها [ ] , وهي ليست بثابتة عن الإمام أحمد رحمه الله ، وقد أشار الإمام الذهبي رحمه الله إلى عدم ثبوتها [ ] ، ثم حُقق كتاب ابن أبي يعلى ، ورأى المحقق أن في السند رجلاً لم يجد له ترجمة ، فلم يعلق على مسألة ثبوت الرسالة من عدمها ولا بكلمة واحدة [ ] !! .
ومما جاء في هذه الرسالة المنسوبة للإمام أحمد رحمه الله وصْف الله تبارك وتعالى بأنه (( يتحرك )) !!! ، ثم يأتي بعد ذلك من يقول : إن إثبات الحركة لله جل وعلا هو قول السلف ومن لم يقل بذلك فهو من نفاة الصفات الجهمية المعطلين !!! . تعالى الله عما يقولون .

ـ من البدع التي انتشرت اليوم في كثير من بلاد المسلمين بدعة تسوية الصف في الصلاة بالمساواة بين رؤوس أصابع أقدام المصلين ، وهذا خطأ واضح ، فقد يكون بعض الناس طويل القدم وبعضهم قصير القدم ، وهذا من أسباب الخلل في تسوية الصفوف .
هذا وقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري )) . قال أنس : وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه [ ] . وإذا راعينا إلزاق المنكب بالمنكب فلا بد أن يحصل التفاوت بين رءوس أصابع الأقدام .
وأصرح منه حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، فقد قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال : (( أقيموا صفوفكم ، والله لتقيمُنَّ صفوفكم أو ليخالفَنَّ الله بين قلوبكم )) . قال النعمان بن بشير : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه [ ] . وإذا راعينا إلزاق الكعب بالكعب فلا بد أن يحصل التفاوت بين رءوس أصابع الأقدام . ولذا فإن من الخطأ البيّن أن يصطف المصلون خلف الخط الذي يراد منه أن يكون معياراً لتسوية الصف ، بحيث يتم التعديل حسب رءوس أصابع الأقدام ، وبحيث يكون وقوفهم على ما يفترض أنه موضع سجود من خلفهم ، بل الصواب أن يصطفوا أمام الخط المعيار ، بحيث يتم التعديل حسب مؤخر الأقدام ، وبهذا تكون الكعوب على خط واحد تحديداً أو تقريباً ، بخلاف رءوس أصابع الأقدام ، فإنها غالباً ما يقع فيها التفاوت .
لكن : لو تباعد الناس عن بعضهم قليلاً في الصف فما الذي يمكن أن يفعله من يريد الاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم ؟ هل يستطيع أن يلزق منكبه بمنكب من على يمينه ومن على يساره ؟؟ هذا مستحيل فماذا يفعل ؟ .
الظاهر أنه إن كان من جهة يمين الإمام فإنه يقترب إلى اليسار ويلزق منكبه الأيسر بمنكب من على يساره ، وإن كان من جهة يسار الإمام فإنه يقترب إلى اليمين ويلزق منكبه الأيمن بمنكب من على يمينه ، فهذا الذي يستطيع فعله .
أما وضع القدمين فإن بعض الناس يباعد بين قدميه ليلزق كل واحدة منهما بقدم من على يمينه ومن على يساره فيظهر بصورة بعيدة عن روح تطبيق النص ، وإذا أراد متابعة السلف فلا بد أن يضع قدميه على سمت منكبيه ، فتأخذ القدمان وما بينهما من المسافة مثل ما يأخذ المنكبان وما بينهما .

وقد فشت هذه البدعة عند كثير من الناس ، وصاروا يتوهمون أن من سنة القيام المباعدة بين القدمين ، حتى إن بعضهم يقف للصلاة منفرداً فيباعد بينهما تلك المباعدة !! وهذا لأن الخطأ في فهم السنة يؤدي إلى فعل البدعة .

ـ ومن البدع التي انتشرت كذلك اليوم في كثير من بلاد المسلمين بدعة الوقوف في مقابلة وجه المصلي ، وذلك أن بعض المصلين في الجماعة يقوم بعد سلام الإمام فيجد خلفه أحد المسبوقين ، فينصب وجهه لوجهه ، ولو نظر المسبوق تلقاء وجهه لثبّت ذلك الرجل بصره في عينيه ، حتى إن داخلاً لو دخل المسجد لرأى المسبوق يصلي ويركع ويسجد أمام ذلك الرجل !!! يا لهول المصيبة !!! ويا لفداحة البدعة !!! .
ووجه كون هذا بدعة هو أن ذلك الرجل يفعل ما يفعل وهو في ظن نفسه متابع للسنة متقرب إلى الله تعالى بذلك !!! لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه))[ ]. ولو سأل الإنسان نفسه لم كان هذا الإثم الشديد على من مر بين يدي المصلي؟؟ أليس لئلا يعكر عليه صفوه ويقطع عليه خشوعه ؟! أليس التشويش على المسلم وإزعاجه محرماً وعلى المصلي أشد تحريماً ؟! وأليس الوقوف قبالة المصلي أشد قطعاً للخشوع وأكثر تشويشاً ؟!!! وهكذا نجد الخطأ في فهم السنة هو الحامل على التمادي في الابتداع .
وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مدركة لهذه المعاني فقد روى عنها الأسود بن يزيد أنها قالت : لقد رأيتُني مضطجعة على السرير فيجئ النبي صلى الله عليه وسلم فيتوسط السرير فيصلي ، فأكره أن أَسْنَحَه ، فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي [ ] . وروى عنها مسروق بن الأجدع أنها قالت : لقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير ، فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسل انسلالاً [ ] . ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يصلي ورجل مستقبله , فأقبل على هذا بالدِرة وقال : تصلي وهذا مستقبلك ؟!. وأقبل على هذا بالدِرة وقال : أتستقبله وهو يصلي ؟! [ ] .

فلله در هذين الصحابيين عائشة رضي الله عنها وعمر رضي الله عنه ما أفقههما .


____________________

[ ] صحيح البخاري : كتاب الأدب ، باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال ، 13/627ـ628 من طبعة آل مكتوم المشتملة على فتح الباري لابن حجر .
[ ] صحيح البخاري : كتاب الأدب ، باب ما ينهى عن السباب واللعن ، 13/542 .
[ ] قواعد الأحكام في مصالح الأنام : 2 / 204 ـ 205 .
[ ] الآية 77 من سورة الحج .
[ ] هذا كلام الحافظ العلائي في نظم الفرائد : ص 77 .
[ ] صحيح مسلم مع شرح النووي : الزكاة ، باب الحث على الصدقة ، 7 / 104 .
[ ] رواه جماعة عن أبي هريرة ، صحيح البخاري : الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، برقم 7288 . صحيح مسلم : الحج ، باب فرض الحج في العمر مرة , برقم 1337 . مسند الإمام أحمد : 2 / 247 ، 428 .
[ ] قال الإمـام النووي في الأربعين النووية : حديث حسن رواه الدار قطني وغيره . رقـم الحديث 30 . وقال الشيخ الألباني : وهو حديث حسن . انظر تعليقه على الإيمان لابن تيمية : ص 43. طبعة المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة . وحديث أبي ثعلبة منقطع الإسناد ، ومن حسنه فإنما حسنه بشاهده ، وهو ما رواه البزار والحاكم من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، ... )) . قال البزار : إسناده صالح . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب : 2/ 316 ـ 318 رقم الحديث 30 .
[ ] صحيح مسلم : المساجد ، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ، 1 /420 برقم 601 .
[ ]سنن الترمذي : الطب , باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ ، برقم 2063 . سنن ابن ماجه : التجارات ، باب أجر الراقي ، برقم 2156 , بسند صحيح . صحيح البخاري : الإجارة ، باب ما يعطى في الرقية ، برقم 2276 ، وفي فضائل القرآن برقم 5007 ، وفي الطب برقم 5736،5749. وليس عند البخاري أنه قرأ الفاتحة سبع مرات .
[ ] صحيح البخاري : الأذان ، باب بعد باب فضل اللهم ربنا لك الحمد ، برقم 799 .
[ ] المصدر السابق : التوحيد ، باب ماجاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تعالى ، برقم 7375 .
[ ] المصدر السابق : الحج ، باب التلبية ، برقم 1549 .
[ ] المصدر السابق : اللباس ، باب التلبيد ، برقم 5915 .
[ ] سنن أبي داود : المناسك ، باب كيف التلبية . المنتقى لابن الجارود : باب المناسك ، برقم 465.
[ ] صحيح مسلم : الحج ، باب التلبية وصفتها ، 2 /841 ـ843.وورد جزء مما كان يزيده ابن عمر في مصنف ابن أبي شيبة : الجزء المفقود ، ص 193.
[ ] مصنف ابن أبي شيبة : الجزء المفقود , ص 193 .
[ ] المصدر السابق : ص 192 . والسند صحيح . وذكرها ابن حجر في فتح الباري 1549 بلفظ ((إله الحق )).
[ ] صحيح البخاري : فضائل القرآن ، باب جمع القرآن ، برقم 4986 .
[ ] المصدر السابق : الصوم ، صلاة التراويح ، باب فضل من قام رمضان ، برقم 2012 .
[ ] المصدر السابق : برقم 2010 .
[ ] هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة 2 / 398 بأسانيد صحيحة .
[ ] صحيح البخاري : الجمعة ، باب الأذان يوم الجمعة ، برقم 912 .
[ ] الأثر عن ابن عمر هو في مصنف ابن أبي شيبة : 2 / 140 بسند صحيح ، وهو في مسند الشاميين للطبراني 2/ 377، برقم 1532. والأثر عن الحسن هو عند ابن أبي شيبة كذلك بسند صحيح ، لكنه قال ((محدث )).
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3 / 272 ـ 273 ، 276 ـ 277 . مسند البزار : 2 / 129 ـ 130 بتحقيق محفوظ الرحمن زين الله . وهو في كشف الأستار للهيثمي : 1 / 313 .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3/ 272 .
[ ] صحيح البخاري : العيدين ، باب الصلاة قبل العيد وبعدها برقم 989 .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3 / 273 . بسند صحيح عنهما .
[ ] انظر : مصنف عبد الرزاق : 3 / 271 ـ 272 . مصنف ابن أبي شيبة : 2 / 179 ـ 180 .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3 / 274 . بسند صحيح عنه .
[ ] سنن البيهقي : 3 / 144 ، 143 ـ 144 . مصنف عبد الرزاق : 2 /516 برقم 4269 .
[ ] صحيح البخاري : التهجد ، باب صلاة الضحى في الحضر ، برقم 1178 .
[ ] صحيح مسلم : مسافرين , باب استحباب صلاة الضحى , 1/ 497 برقم 719 .
[ ] انظرهما في مصنف عبد الرزاق : 3 / 79 ـ 80 . برقم 4869 , 4872 .
[ ] مصنف ابن أبي شيبة : 2/ 405 – 406 بسند صحيح . وروى عبد الرزاق في مصنفه 3/ 71 هذه القصة على نحو مختلف لكن من طريق راو متروك .
[ ] صحيح البخاري : التهجد ، باب صلاة الضحى في السفر ، برقم 1175 ، 1176 ، لكن جواب أم هانئ كان حسب المراد منها على الاطلاق لا على الاصطلاح الجديد . وحديث ابن عمر هو كذلك في مصنف ابن أبي شيبة : 2/405 . و في المحققة : 3/413 .
[ ] صحيح البخاري : فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، باب مسجد قباء , برقم 1191 .
[ ]صحيح البخاري : التهجد ، باب من لم يصل الضحى ورآه واسعاً ، برقم 1177 . صحيح مسلم : 1/497 برقم 718 . مصنف عبد الرزاق 3 / 78 . و هذا يعني أنه لم يكن يصليها في المسجد ، و أن عائشة كانت تخرج من باب حجرتها و هي ملاصقة للمسجد فتصليها فيه .
[ ] صحيح مسلم : 1/496 – 497 برقم 717 . و ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل المدينة عند رجوعه من السفر أول النهار فيبدأ بالمسجد ويصلي فيه قبل أن يدخل بيته .
[ ] صحيح البخاري : العمرة ، باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ، برقم 1775 . المعجم الكبير للطبراني : 12 / 413 - 414 برقم 13524 .
[ ] قال ابن حجر : روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عمر . فذكره . فتح الباري : 4 / 84 ، طبعة آل مكتوم ، كتاب التهجد ، باب صلاة الضحى في السفر.
[ ] مصنف بن أبي شيبة: 2/406 ، 405. وفي المحققة : 3/414 ، 413. والسند صحيح.
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3 / 78 - 79 . بسند صحيح .
[ ] مصنف بن أبي شيبة : 2 / 408 . وفي المحققة 3 / 417 . والسند لين ، ولكنه يصبح حسناً بما سبق .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 3/78 برقم 4865 . والسند معضل ، إذ فيه انقطاع بين جعفر الصادق و جد جده علي رضي الله عنه .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 4 / 285 . مسند الإمام أحمد : 2 / 73 . موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان : ص 233 . سنن الدارمي : 7 / 407 . سنن الترمذي : الصوم ، باب كراهية صوم يوم عرفة بعرفة . والطريق الخالية من ذكر الرجل المبهم يحكم عليها بالانقطاع ، لأنها ليس فيها تصريحُ مَن دونَ المبهم بالسماع ممن فوقه .
[ ] صحيح مسلم : الإمارة ، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء ، 3 / 1473 برقم 1844 .
[ ] صحيح البخاري : التهجد ، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل 4 / 16 ـ 17 برقم 1128 . صحيح مسلم : 1 / 497 . مصنف عبد الرزاق : 3 / 78 .
[ ] روى القول الأول عنه ابنُ عساكر في تبيين كذب المفتري ص 97 طبعة القدسي سنة 1347 ، من طريق البيهقي قال : أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : أخبرنا الربيع بن سليمان قال : قال الشافعي . وأبو سعيد هو محمد بن موسى بن الفضل وقد وثقه الذهبي في سير أعلام النبلاء ، وهذا سند صحيح . وروى القول الثاني عن الشافعي أبو نعيم في حلية الأولياء 9 / 113 من طريق حرملة بن يحيى عنه ، وفي إسناده عبد الله بن محمد [ بن عبد وس المقرئ ] العطشي ، وقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وهذا سند حسن بما قبله .
[ ] البيان للعمراني : 2 / 678 .
[ ] المغني لابن قدامة : 3 / 295 .
[ ] مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله : ص 145 . طبعة المكتب الإسلامي ببيروت ، الطبعة الثالثة . وقد يُستأنس للرواية التي قال فيها (( أرجو أن لا يكون به بأس )) بما ذُكر أن الخلال روى عن علي بن موسى الحداد أنه كان مع أحمد ابن حنبل في جنازة ، فجلس رجل ضرير يقرأ عند القبر بعد الدفن ، فقال له أحمد : يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة . فلما روى له محمد بن قدامة الجوهري أن ابن عمر أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها قال الإمام أحمد : ارجع وقل للرجل الضرير يقرأ . ولم أر من ذكر علي بن موسى الحداد , والله أعلم .
[ ] المصدر السابق : ص 25 برقم 85 .
[ ] المصدر السابق : ص 91 .
[ ] المصدر السابق : ص 95 .
[ ] المصدر السابق : ص 261 .
[ ] المصدر السابق : ص 245 . وقع على الطريق : أي أصابه ووجده . وقوله المذكور هنا هو كذلك في شعب الإيمان للبيهقي ، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر : 5 / 298 .
[ ] الآية 194 من سورة الأعراف .
[ ] مجموع فتاوى ابن تيمية : 3 / 362 .
[ ] المصدر السابق : 1 / 162 .
[ ] إحياء علوم الدين : 1 / 276 .
[ ] المصدر السابق : 2 / 3 .
[ ] عارضة الأحوذي لابن العربي : 10 / 146 .
[ ] جامع العلوم والحكم لابن رجب .
[ ] فتح الباري : 6 / 10 طبعة آل مكتوم ، عند حديث 2010 .
[ ] سنن البيهقي : 4 / 51 .
[ ] مصنف ابن أبي شيبة : 5 / 120 من المحققة ، الحج ، باب من كان يمسك عما يمسك عنه المحرم . بسند صحيح . والمراد من كونه متجرداً أنه متجرد من الملابس المخيطة ولابس ثياب الإحرام . والهَدْي : ما يهديه الحاج إلى الحرم من الأنعام . وتقليد الهدي : أن يعلق في عنق البدنة مثلاً شيء كالقلادة ليُعلم أنها هدي . وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر نحواً من ذلك بسند صحيح .
[ ] صحيح البخاري : الحج ، باب إشعار البُدْن ، برقم 1699 ، 1700 . مصنف ابن أبي شيبة : 5 / 118 .
[ ] المعجم الكبير للطبراني : 10 / 63 بسند صحيح . مصنف عبد الرزاق : 2 / 200 بنحوه ، من طريق آخر عن الربيع بن خُثيم وفي السند انقطاع .
[ ] الحوادث والبدع للطرطوشي : ص 257 .
[ ] الإجماع لابن المنذر : ص 20 .
[ ] مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله : ص 437 .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 1 / 345 برقم 1347 ، باب العلائق ، أواخر كتاب الحيض . والسند صحيح .
[ ] المصدر السابق : 1 / 345 ـ 346 برقم 1348 ، والسند صحيح .
[ ] المصدر السابق : 1 / 346 برقم 1349 ، والسند إلى الحسن حسن لاعتضاده وإلى منصور صحيح .
[ ] مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله : ص 447 ، وانظر : ص 448 .
[ ] المصدر السابق : ص 291 .
[ ] المصدر السابق : ص 31 .
[ ] الإنصاف للمرداوي : 2 / 456 . ذكره في مبحث صلاة الاستسقاء .
[ ] الورع للمروذي : ص 157 ـ 158 ، دار الصميعي , الرياض , ط 1 .
[ ] المصدر السابق : ص 158 .
[ ] من الآية 31 من سورة مريم .
[ ] رواه البخاري : الصلاة ، بعد باب الصلاة بين السواري ، برقم 506 ، والحج ، باب الصلاة في الكعبة ، برقم 1599 .
[ ] المصدر السابق : الصلاة ، باب المساجد التي على طرق المدينة ، برقم 483 .
[ ] المصدر السابق : الصلاة ، باب الصلاة إلى الأسطوانة ، برقم 502 .
[ ] المصدر السابق : الاعتصام ، باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم ، برقم 7342 .
[ ] المصدر السابق : الوضوء ، باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان ، برقم 170 .
[ ] صحيح مسلم : 3 / 1641 ، اللباس ، باب تحريم إناء الذهب والفضة ، برقم 2069 .
[ ] مسند الامام احمد : 6/ 7 . هذا وقد حدث ابو هريرة نفسه باعتراض ابي بصرة عليه , لكن جاء في تلك الرواية (( بصرة بن ابي بصرة )) , وهو خطأ , وذلك في حديث طويل رواه ابن حبان في صحيحه . الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان : الصلاة , باب صلاة الجمعة , 7/ 7 برقم 2772 .
[ ] صحيح البخاري : التهجد ، فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، برقم 1189 . صحيح مسلم : الحج ، باب لا تشد الرحال ، 2 / 1014 ـ 1015 ، برقم 1397 . مسند الإمام أحمد : 2 / 234 ، 238 ، 278 ، 501 .
[ ] لا بد من الإشارة إلى أن إنكار أبي بصرة هو من أخف الإنكار ، إذ كأنه يرى أن الذهاب إلى الطور والصلاة فيه هو خلاف الأولى ، لأنه ليس فيه زيادة أجر ، وذكر حديث (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) ، وإذا أردنا أن نقدر المستثنى منه في الحديث فالظاهر أنه هكذا : لا تشد الرحال إلى مسجد لمزيد أجر إلا إلى ثلاثة مساجد . ألا ترى أنه لم يقل أكثر من (( لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلتَ )) . وقريب منه موقف ابن عمر عندما سأله السائل : آتي الطور ؟ . فقال : دع الطور ولا تأتها . وقال له : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . [ مصنف ابن أبي شيبة 3 / 365 برقم 7613 من المحققة ] . ومما يدلك على أن عدداً من الصحابة كانوا ينظرون إلى الأَولى والأكثر أجراً : أنهم ما كانوا يحرصون على الصلاة في بيت المقدس رغم كونه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، ومن المعلوم أن الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي أفضل من الصلاة فيه ، ومن ذلك قول حذيفة بن اليمان : لو سرت حتى لا يكون بيني وبين بيت المقدس إلا فرسخ أو فرسخان ما أتيته . أو : ما أحببت أن آتيه . وقول أبي ذر : لأن أصلي على رملة حمراء أحب إلي من أن أصلي في بيت المقدس . [ مصنف ابن أبي شيبة 3 / 364 وكلاهما بسند صحيح ] .
[ ] مسند الإمام أحمد : 3 / 111 . الأدب المفرد للبخاري : ص 253 برقم 974 . وفي سنده ضعف .
[ ] مسند الإمام أحمد : 4 / 54 ـ 55 . الأدب المفرد للبخاري : برقم 973 . وفي سنده ضعف.
[ ] الحلية لأبي نعيم : 9 / 306 . المعجم الكبير للطبراني : 22 / 89 برقم 215 . لكن في السند راوٍ متروك متهم بالكذب . وانما ذكرت هذا للمعرفة .
[ ] العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد : 2 / 492 .
[ ] مصنف عبد الرزاق : 2 / 118 ـ 119 برقم 2734 . مصنف ابن أبي شيبة : 3 / 367 ـ 368 برقم 7624 من المحققة . والسند صحيح .
[ ] صحيح البخاري : الإيمان ، باب المعاصي من أمر الجاهلية .
[ ] صحيح مسلم : المساجد ، رقم الحديث 147 .
[ ] صحيح مسلم : فضائل الصحابة ، فضائل زينب ، 4 / 1907 . صحيح البخاري : الزكاة ، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح . المستدرك للحاكم : 4 / 25 . طبقات ابن سعد : 8 / 108 .
[ ] حادي الأفراح لابن القيم : ص 286 . والحديث رواه ابن ماجه في سننه : المقدمة , باب فيما أنكرت الجهمية , 1/ 65 – 66 برقم 184 .
[ ] طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى : 1 / 29 .
[ ] تاريخ الإسلام للذهبي : الطبقة الخامسة والعشرون ، ص 136 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي : 11 / 286 .
[ ] طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى : 1 / 61 من الطبعة المحققة .
[ ] صحيح البخاري : الأذان ، باب إلزاق المنكب بالمنكب ، 3 / 137 برقم 725 .
[ ] سنن أبي داود : الصلاة ، باب تسوية الصفوف ، برقم 662 .
[ ] صحيـح البخاري : الصلاة ، باب إثم المار بين يدي المصلي ، 2 / 374 ـ 375 برقم 510 .
[ ] المصدر السابق : الصلاة ، باب الصلاة إلى السرير ، 2 / 369 برقم 508 . قال ابن حجر : وقولها أن أسنحه أي أن أَظْهَر له من قدّامه .
[ ] المصدر السابق : الصلاة ، باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته ، 2 / 378 ، برقم 511 .
[ ] المصنف لعبد الرزاق : 2/ 37 – 38 برقم 2396 بسند جيد .



 

وليد زكي @

مشرف سابق
27 يونيو 2009
3,762
509
113
الجنس
ذكر
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

[frame="2 80"]
جزاكم الله خيرا اخي
معلومات قيمة
[/frame]
 

الملكة الحزينة

مشرفة سابقة
6 مارس 2009
12,753
154
63
الجنس
أنثى
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سلمك الله اخي فهد
موضوع شاامل وقيم ومهم باارك الله فيك
وفيما نقلت الينا
وبلغك الله الأجر والثواب ,,وجعله في ميزان حسنااتك
وجنبنا الله وإياكم ذالك ,,وبلغنا حسن القول والعمل
جزاك الله خيراً وعظم لك أجراً
 

سمو قلب

مشرف سابق
16 سبتمبر 2008
6,635
13
0
الجنس
ذكر
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

بارك الله فيك اخي فهد
على توضيح
ونفع الله بك
 

محب التحبير

مزمار ألماسي
5 نوفمبر 2008
1,243
20
38
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
صلاح محمد البدير
علم البلد
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )





الحث على اتِّباع السنَّة

والتحذير من البدع وبيان خطرها
تأليف
عبد المحسن بن حمد العباد البدر
بسم الله الرحمن الرحيم

[font=&quot]الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدِّين كلِّه، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهديه وسلك سبيله إلى يوم الدِّين. [/font]
[font=&quot]أمَّا بعد، فإنَّ نعمَ الله عزَّ وجلَّ على عباده كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأجلُّ نعمة أنعم الله بها على الإنس والجنِّ في آخر الزمان أن بعث فيهم رسولَه الكريم محمداً عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم، فبلَّغهم ما أُرسل به إليهم من ربِّهم على التمام والكمال، وقد قال الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله: (( مِن الله عزَّ وجلَّ الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم ))، ذكره البخاري عنه في أول باب قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) من كتاب التوحيد من صحيحه (13/503 ـ مع الفتح). [/font]
[font=&quot]فالذي من الله الرسالة، وقد حصل ذلك، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ))، وقال: ((لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)). [/font]
[font=&quot]والذي على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو البلاغ قد حصل على أكمل الوجوه وأتمِّها، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ))، وقال: ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)). [/font]
[font=&quot]وأمَّا الذي على العباد وهو التسليم والانقياد، فقد انقسم الناس فيه إلى موفَّق متَّبع لسبيل الحقِّ، وغير موفَّق متَّبع للسبل الأخرى، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)). [/font]
[font=&quot]من صفات الشريعة البقاء والعموم والكمال [/font]
[font=&quot]وهذه الشريعة التي بعث الله بها رسوله الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم متصفةٌ بثلاث صفات، هي البقاء والعموم والكمال، فهي باقية إلى قيام الساعة، قال الله عزَّ وجلَّ: ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ))، وروى البخاري (71) ومسلم (1037) عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين، وإنَّما أنا قاسمٌ والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمَّةُ قائمةً على أمر الله، لا يضرُّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله )). [/font]
[font=&quot]وهي عامَّة للثقلَين الجن والإنس، وهم أمَّتُه صلى الله عليه وسلم أمَّة الدعوة، فإنَّ كلَّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته إلى قيام الساعة مدعوٌّ إلى الدخول في الدِّين الحنيف الذي بعث الله به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ))، ففي هذه الآية الكريمة الإشارة إلى أمَّة الدعوة وأمَّة الإجابة، فأمَّة الدعوة في قوله: ((وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ))، أي: يدعو كلَّ أحد، فحُذف المفعول لإفادة العموم، وأمَّة الإجابة في قوله: ((وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ((، فإنَّ الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم هم الذين استجابوا لدعوته صلى الله عليه وسلم ودخلوا في دينه الحنيف، فكانوا من المسلمين، وحصول الهداية لأمَّة الإجابة إنَّما هو بفضل الله وتوفيقه، وهذه الهداية إلى الصراط المستقيم توفيق من الله لِمَن هداهم، ولا يملك هذه الهداية إلاَّ الله سبحانه، كما قال الله عزَّ وجلَّ: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ))، وأمَّا هداية الدلالة والإرشاد، فقد أثبتها الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في قوله: ((وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ))، أي: تدلُّ وتُرشد، ومن أدلَّة شمول دعوته صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً قول الله عزَّ وجلَّ: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً))، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلاَّ كان من أصحاب النار )) رواه مسلم في صحيحه (153)، ومصداق ذلك في كتاب الله، كما جاء عن سعيد ابن جُبير ـ رحمه الله ـ في قول الله عزَّ وجلَّ: ((وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ))، ذكره عنه ابن كثير في تفسيره هذه الآية من سورة هود. [/font]
[font=&quot]ومن أدلَّة شمول دعوته للجنِّ قوله الله عزَّ وجلَّ: ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ))، وقال الله عزَّ وجلَّ في سورة الرحمن: ((فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، وهي خطاب من الله للإنس والجنِّ، وقد ذُكِرت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة. [/font]
[font=&quot]وفي سنن الترمذي (3291) عن جابر رضي الله عنه قال: (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أوَّلِها إلى آخرها فسكتوا، فقال: لقد قرأتها على الجنِّ ليلة الجنِّ فكانوا أحسنَ مردوداً منكم؛ كنتُ كلَّما أتيتُ على قوله: ((فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، قالوا: لا بشيء من نعمك ربَّنا نكذِّب، فلك الحمد ))، وله شاهد عن ابن عمر عند ابن جرير، انظر تخريجه في السلسلة الصحيحة للألباني (2150)، ومن سور القرآن سورة الجن، وقد حكى الله فيها عنهم جُملاً من أقوالهم. [/font]
[font=&quot]وأمَّا الصفة الثالثة من صفات هذه الشريعة، وهي صفة الكمال، فقد قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاَّ هالك )) حديث صحيح، رواه ابن أبي عاصم في السنة (48) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، ورواه أيضاً (47) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم (262) عن سلمان رضي الله عنه قال: قيل له: (( قد علَّمكم نبيُّكم صلى الله عليه وسلم كلَّ شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم ))، وهو يدلُّ على كمال الشريعة واستيعابها لكلِّ ما تحتاجه هذه الأمَّة، حتى آداب قضاء الحاجة، وفي صحيح مسلم أيضاً (1844) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم ))، وروى البخاري في صحيحه (5598) عن أبي الجويرية قال: (( سألتُ ابنَ عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق، فما أسكر فهو حرام، قال: الشراب الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلاَّ الحرام الخبيث ))، والباذق نوعٌ من الأشربة، والمعنى أنَّ الباذق لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولكن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مستوعب له ولغيره، وذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : (( ما أسكر فهو حرام ))، فإنَّ عموم هذا الحديث يدلُّ على أنَّ كلَّ مسكر مِمَّا كان في زمنه صلى الله عليه وسلم أو وُجد بعد زمنه، سواء كان سائلاً أو جامداً، فهو حرام، وأنَّ ما لم يكن كذلك فهو حلال، ويُقال في شرب الدخان الذي وُجد في أزمنة متأخرة ما قيل في الباذق، وهو أنَّ الشريعة بعموماتها دالَّةٌ على تحريمه، وذلك في قوله سبحانه وتعالى عن نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم : ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ))، وهو ليس من الطيبات، بل هو من الخبائث، فيكون محرَّماً، ويُضاف إلى ذلك أيضاً أنَّه يجلب الأمراض التي تؤدِّي إلى الوفاة، وفيه إضاعة المال، وإيذاء الناس برائحته الكريهة، وكلُّها دالَّةٌ على تحريمه، وقال أبو ذر رضي الله عنه : (( ترَكَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلاَّ عندنا منه علم )) أخرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه (65)، وقال: (( معنى (عندنا منه) يعني بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحته صلى الله عليه وسلم ))، صححه الشيخ الألباني في صحيح موارد الظمآن في زوائد ابن حبان للهيثمي (1/119)، ومن العلم الذي عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطير ما رواه مسلم في صحيحه (1934) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ ذي ناب من السِّباع، وعن كلِّ ذي مخلب من الطير ))، وهو يدلُّ على تحريم أكل كلِّ طائر له مخلب يفترس به، وذلك من جوامع كلمه ، وهذا في الأحكام، وأمَّا الأخبار، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم : (( لو أنَّكم توكَّلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً )) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي (( حسن صحيح ))، وهو أحد الأحاديث التي زادها ابن رجب على الأربعين النووية. [/font]
[font=&quot]قال الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (4/375 ـ 376) في بيان كمال الشريعة، قال: [/font]
[font=&quot](( وهذا الأصل من أهمِّ الأصول وأنفعها، وهو مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عمومُ رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنَّه لَم يُحْوِج أمَّتَه إلى أحد بعده، وإنَّما حاجتهم إلى مَن يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيصٌ؛ عمومٌ بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يَحتاج إليه مَن بُعث إليه في أصول الدِّين وفروعه، فرسالتُه كافيةٌ شافيةٌ عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتمُّ الإيمانُ به إلاَّ بإثبات عمومِ رسالته في هذا وهذا، فلا يَخرج أحدٌ من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحقِّ الذي تحتاج إليه الأمَّة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السَّماء إلاَّ ذكَر للأمَّة منه علماً وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآدابَ الجِماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسَّفر والإقامة، والصَّمت والكلام، والعُزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووَصَفَ لهم العرشَ والكرسيَّ، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنَّه رأيُ عَين، وعرَّفهم معبودَهم وإلَههم أتمَّ تعريف، حتى كأنَّهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرَّفهم الأنبياء وأمَمَهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنَّهم كانوا بينهم، وعرَّفهم مِن طُرق الخير والشرِّ دقيقَها وجليلَها ما لَم يعرِّفه نبيٌّ لأمَّته قبله، وعرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النَّعيم والعذاب للروح والبدن، ما لَم يعرِّف به نبيٌّ غيرَه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أدلَّةَ التوحيد والنبوة والمعاد، والردَّ على جميع فرق أهل الكفر والضلال، ما ليس لِمَن عرفه حاجة مِن بعده، اللهمَّ إلاَّ إلى مَن يبلِّغه إياه ويبيِّنه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مَكايد الحروب ولقاء العدوِّ وطرُق النَّصر والظَّفَر ما لو عَلِموه وعقِلُوه ورعَوْه حقَّ رعايَتِه لَم يقم لَهم عدوٌّ أبداً، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مكايد إبليس وطرُقِه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به مِن كيده ومَكرِه، وما يدفعون به شرَّه ما لا مَزيد عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أحوال نفوسِهم وأوصافِها ودسائسِها وكمائِنها ما لا حاجة لهم مَعه إلى سِواه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أمور مَعايشِهم ما لو عَلِموه وعمِلُوه لاستقامت لهم دنياهم أعظمَ استقامة. [/font]
[font=&quot]وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برُمَّته، ولَم يُحْوِجْهُم الله إلى أحد سواه، فكيف يُظَنُّ أنَّ شريعتَه الكاملةَ التي ما طرق العالَم شريعةٌ أكملَ منها ناقصةٌ، تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكمِّلها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارجٍ عنها، ومَن ظنَّ ذلك فهو كمَن ظنَّ أنَّ بالناس حاجةً إلى رسول آخَر بعده، وسبَبُ هذا كله خفاءُ ما جاء به على مَن ظنَّ ذلك، وقلَّةُ نصيبه مِن الفَهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عمَّا سواه، وفتحوا به القلوبَ والبلادَ، وقالوا: هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وهو عهدُنا إليكم )). [/font]
[font=&quot]إطلاقات لفظ السنَّة [/font]
[font=&quot]وهذه الشريعةُ الكاملةُ هي سنَّته صلى الله عليه وسلم بالمعنى العام؛ فإنَّ السنَّةَ تُطلقُ أربعة إطلاقات: [/font]
[font=&quot]الأول: أنَّ كلَّ ما جاء في الكتاب والسنَّة هو سنَّته صلى الله عليه وسلم ، وهي طريقتُه التي كان عليها صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي )) رواه البخاري (5063) ومسلم (1401). [/font]
[font=&quot]الثاني: أنَّ السنَّة بمعنى الحديث، وذلك إذا عُطفت على الكتاب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيُّها الناس! إنِّي قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلَن تضلُّوا أبداً: كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ))، وقوله: (( إنِّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنَّتي )) رواهما الحاكم في مستدركه (1/93)، ومنه قول بعض العلماء عند ذكر بعض المسائل: وهذه المسألة دلَّ عليها الكتاب والسنَّة والإجماع. [/font]
[font=&quot]الثالث: أنَّ السنَّة تُطلق في مقابل البدعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية: (( فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة )) أخرجه أبو داود (4607) ـ وهذا لفظه ـ والترمذي (2676) وابن ماجه (43 ـ 44)، وقال الترمذي: (( حديث حسن صحيح ))، ومنه تسمية بعض المتقدِّمين من المحدثين كتبهم في العقيدة باسم (السنة)، مثل السنة لمحمد بن نصر المروزي، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة للالكائي، وغيرها، وفي كتاب السنن لأبي داود كتاب السنة يشتمل على أحاديث كثيرة في العقيدة. [/font]
[font=&quot]الرابع: أنَّ السنَّة تُطلق بمعنى المندوب والمستحب، وهو ما جاء الأمر به على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب، وهذا الإطلاق للفقهاء، ومن أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم : (( لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة )) رواه البخاري (887) ومسلم (252)، فإنَّ الأمرَ بالسواك استحباباً حاصل، وإنَّما تُرك خشية المشقَّة على سبيل الإيجاب. [/font]
[font=&quot]آياتٌ وأحاديث وآثار في اتِّباع السنن [/font]
[font=&quot]والتحذير من البدع والمعاصي [/font]
[font=&quot]وقد ورد في كتاب الله آياتٌ كثيرة تدلُّ على الترغيب في اتِّباع ما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، والحث على ذلك والتحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق والهدى والوقوع في الشرك والبدع والمعاصي، فمِن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ((وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، وقوله: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً))، وقوله: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) ، قال ابن كثير في تفسيره: (( أي: عن أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزَن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردودٌ على قائله وفاعله كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: فليحذر وليخش مَن خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً ((أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)) أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، ((أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) أي: في الدنيا بقتل أو حدٍّ أو حبس أو نحو ذلك )). [/font]
[font=&quot]وقال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) ، وقال: ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))، قال ابن كثير في تفسيره: (( هذه الآية الكريمة حاكمة على كلِّ مَن ادَّعى محبَّةَ الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر حتى يتَّبع الشرعَ المحمدي والدِّينَ النَّبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ولهذا قال: ((إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ))، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنَّما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنَّهم يُحبُّون اللهَ فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)) )). [/font]
[font=&quot]وقال تعالى: ((فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ))، وقال: ((اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى))، وقال: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً))، وقال: ((اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ))، وقال: ((وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ))، وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً))، وقال: ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ))، وقال: ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ))، وقال: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))، وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))، وقال: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ))، وقال: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ))، وقال: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ))، وقال: ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ))، وقال: ((فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، وقال عن الجنِّ لَمَّا ولَّوا إلى قومهم منذرِين: ((قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)). [/font]
[font=&quot]وورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديثُ عديدة تدلُّ على الترغيب في اتِّباع السنن والتحذير من البدع، وتبين خطرَها، منها: [/font]
[font=&quot]1 ـ قولـه صلى الله عليه وسلم: (( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ )) رواه البخاري (2697) ومسلم (1718)، وفي لفظ لمسلم: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))، وهذه الرواية عند مسلم أعمُّ من الرواية الأخرى؛ لأنَّها تشمل مَن أحدث البدعة ومَن تابَعَ مَن أحدثها، وهو دليل على أحد شرطي قبول العمل، وهو اتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ كلَّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا يكون مقبولاً عند الله إلاَّ إذا توفَّر فيه شرطان: [/font]
[font=&quot]أحدهما: تجريد الإخلاص لله وحده، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله. [/font]
[font=&quot]والثاني: تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو مقتضى شهادة أنَّ محمداً رسول الله، قال الفضيل بن عياض كما في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (18/250) في قوله تعالى: ((لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)) : (( أخلصُه وأصوَبُه، قال: فإنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنَّة ))، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ((فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) قال: ((فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً)) أي: ما كان موافقاً لشرع الله، ((وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) وهو الذي يُراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبَّل، لا بدَّ أن يكون خالصاً لله صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم )). [/font]
[font=&quot]2 ـ وقال العرباض بن سارية رضي الله عنه : (( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قال قائل: يا رسول الله! كأنَّ هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنَّه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة )) رواه أبو داود (4607) ـ وهذا لفظه ـ والترمذي (2676)، وابن ماجه (43 ـ 44)، وقال الترمذي: (( حديث حسن صحيح )). [/font]
[font=&quot]فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن حصول الاختلاف قريباً من زمنه صلى الله عليه وسلم ، وأنَّه يكون كثيراً، وأنَّ مَن عاش من أصحابه يرى ذلك، ثم أرشد إلى ما فيه العصمة والسلامة، وهو اتِّباع سنَّته وسنَّة الخلفاء الراشدين وترك البدع ومحدثات الأمور، فرغَّب في السنَّة وحثَّ عليها بقوله: (( فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين ))، ورهَّب من البدع والمحدثات بقوله: (( وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة )). [/font]
[font=&quot]3 ـ وروى مسلم في صحيحه (867) عن جابر ابن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يوم الجمعة قال: (( أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة )). [/font]
[font=&quot]4 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي )) رواه البخاري (5063) ومسلم (1401). [/font]
[font=&quot]5 ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( يا أيُّها الناس! إنِّي تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبداً، كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ))، وقال: (( إنِّي قد تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنَّتي )) رواهما الحاكم (1/93)، وفي صحيح مسلم (1218) حديث جابر الطويل في حجة الوداع قوله صلى الله عليه وسلم : (( وقد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللَّهمَّ اشهد! اللَّهمَّ اشهد! ثلاث مرات )). [/font]
[font=&quot]6 ـ وروى البخاري في صحيحه (7280) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّة إلاَّ من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنَّة، ومَن عصاني فقد أبى )). [/font]
[font=&quot]7 ـ وروى البخاري (7288) ومسلم (1337) ـ وهذا لفظه ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فافعلوا منه ما استطعتم؛ فإنَّما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم )). [/font]
[font=&quot]8 ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعاً لِما جئتُ به )) صححه النووي في الأربعين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الحافظ في الفتح (13/289): [/font]
[font=&quot](( وأخرج البيهقي في المدخل وابن عبد البر في بيان العلم عن جماعة من التابعين، كالحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي بأسانيد جياد ذم القول بالرأي المجرَّد، ويجمع ذلك كلَّه حديثُ أبي هريرة (لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبَعاً لِما جئتُ به)، أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في آخر الأربعين )). [/font]
[font=&quot]9 ـ وروى البخاري (1597) ومسلم (1270) أنَّ عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود وقبًَّله، وقال: (( إنِّي أعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك ما قبَّلتُك )). [/font]
[font=&quot]10 ـ وروى مسلم (2674) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )). [/font]
[font=&quot]وكما وردت نصوصُ الكتاب والسنَّة في الترغيب في اتِّباع السنن والتحذير من البدع، فقد جاءت آثارٌ كثيرة عن سلف هذه الأمَّة المتَّبعين للكتاب والسنَّة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، فيها الحثُّ على اتِّباع السنَّة والتحذير من البدع وبيان خطرها، ومن ذلك: [/font]
[font=&quot]1 ـ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( اتِّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتُم )) رواه الدارمي (211). [/font]
[font=&quot]2 ـ قال عثمان بن حاضر: (( دخلتُ على ابن عباس، فقلت: أوصني، فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتَّبع ولا تبتدع )) رواه الدارمي (141). [/font]
[font=&quot]3 ـ قال عبد الله بن مسعود: (( مَن سرَّه أن يلقى اللهَ غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ الله شرع لنبيِّكم سنن الهدى، وإنَّهنَّ من سُنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سنَّة نبيِّكم لضللتُم ... )) رواه مسلم (654). [/font]
[font=&quot]4 ـ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (( كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناسُ حسنة )) رواه محمد بن نصر المروزي في السنة. [/font]
[font=&quot]5 ـ قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (( فإيَّاكم وما يُبتدَع؛ فإنَّ ما ابتُدع ضلالة )) رواه أبو داود (4611). [/font]
[font=&quot]6 ـ كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: (( أمَّا بعد، أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتِّباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكُفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنَّة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة ... )) رواه أبو داود (4612). [/font]
[font=&quot]7 ـ قال سهل بن عبد الله التستري: (( ما أحدث أحدٌ في العلم شيئاً إلاَّ سُئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنَّة سلِم، وإلاَّ فلا )) فتح الباري (13/290). [/font]
[font=&quot]8 ـ قال أبو عثمان النيسابوري: (( مَن أمَّر السنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة )) حلية الأولياء (10/244). [/font]
[font=&quot]9 ـ قال الإمام مالك رحمه الله: (( مَن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ))، فما لَم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً )) الاعتصام للشاطبي (1/28). [/font]
[font=&quot]10 ـ قال الإمام أحمد رحمه الله: (( أصول السنة عندنا التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة )) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (317). [/font]
[font=&quot]اتِّباع السنَّة لازمٌ في الفروع كالأصول [/font]
[font=&quot]واتِّباع سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخذ بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة كما أنَّه لازمٌ في الأمور العقدية بقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين )) الحديث، فهو لازمٌ في الأمور الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد عند ظهور الدليل، وقد أوصى العلماء من سلف هذه الأمة ـ ومنهم الأئمَّة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ـ بالأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وترك أقوالهم التي قالوها إذا جاء حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافها، وقد اشتهر عن الإمام مالك قوله: (( كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردُّ إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ))، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (( أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يَدَعها لقول أحد )) الروح لابن القيم (ص:395 ـ 396)، وقال ابن القيم قبل ذكر هذا الأثر بقليل: [/font]
[font=&quot](( فمَن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزَنَها بها وخالف منها ما خالف النصَّ لم يُهدِر أقوالَهم ولَم يهضِم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنَّهم كلَّهم أمروا بذلك، فمتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما أوصوا به لا مَن خالفهم )). [/font]
[font=&quot]وقد جاء عن بعض العلماء المشتغلين بفقه أصحاب المذاهب الأربعة التعويل على الأدلة الصحيحة إذا جاءت بخلاف أقوالهم، فقال أصبغ بن الفرج: (( المسح (يعني على الخفين) عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أكابر أصحابه في الحضر أثبت عندنا وأقوى من أن نتَّبعَ مالكاً على خلافه )) فتح الباري (1/306)، وقال الحافظ في الفتح (1/276): [/font]
[font=&quot](( المالكية لا يقولون بالتتريب في الغسل من ولوغ الكلب، قال القرافي منهم: قد صحَّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها! )). [/font]
[font=&quot]وقال ابن العربي المالكي: (( قال المالكية: ليس ذلك ـ أي الصلاة على الغائب ـ إلاَّ لمحمد [/font]
[font=&quot]صلى الله عليه وسلم ، قلنا: وما عمل به محمدٌ صلى الله عليه وسلم تعملُ به أمَّتُه؛ يعني لأنَّ الأصلَ عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له الأرض وأُحضرت الجنازة بين يديه! قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لقادر، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلاَّ ما رويتم، ولا تَخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدِّثوا إلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضِّعافَ؛ فإنَّها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف )) الفتح (3/189)، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (4/54)، وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تعيين الصلاة الوسطى: (( وقد ثبتت السنة بأنَّها العصر، فتعيَّن المصيرُ إليها ))، ثم نقل عن الشافعي أنَّه قال: (( كلُّ ما قلتُ فكان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بخلاف قولي مِمَّا يصح، فحديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أولَى، ولا تقلِّدوني، وقال أيضاً: إذا صحَّ الحديث وقلتُ قولاً فأنا راجعٌ عن قولي وقائل بذلك ))، ثم قال ابن كثير: (( فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفَسُ إخوانه من الأئمَّة رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين، آمين، ومن هنا قطع القاضي الماوَردي بأنَّ مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ أنَّ صلاة الوسطى هي صلاة العصر ـ وإن كان قد نصَّ في الجديد وغيره أنَّها الصبح ـ لصحة الأحاديث أنَّها صلاةُ العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدِّثي المذهب، ولله الحمد والمنَّة ))، تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: ((حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى))، وقال ابن حجر في الفتح (2/222): (( قال ابن خزيمة في رفع اليدين عند القيام من الركعتين: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنَّة ودَعوا قولي ))، وقال في الفتح أيضاً (3/95): ((قال ابن خزيمة: ويحرم على العالِم أن يخالف السنَّة بعد علمه بها ))، وقال في الفتح (2/470): (( روى البيهقي في المعرفة عن الربيع قال: قال الشافعي: قد روي حديث فيه أنَّ النساءَ يُتركن إلى العيدين، فإن كان ثابتاً قلتُ به، قال البيهقي: قد ثبت، وأخرجه الشيخان ـ يعني حديث أم عطية ـ فيلزم الشافعية القول به ))، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (4/49) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، وقال: (( قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في هذا ـ أي الوضوء من لحم الإبل ـ حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاُ وإن كان الجمهور على خلافه ))، وقال ابن حجر في شرح حديث ابن عمر: (( أمرتُ أن أقاتل الناس )) في قصة مناظرة أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة، قال: (( وفي القصة دليلٌ على أنَّ السنَّة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطَّلع عليها آحادهم، ولهذا لا يُلتفتُ إلى الآراء ـ ولو قويت ـ مع وجود سنة تخالفها، ولا يُقال: كيف خفي ذا على فلان؟! )) الفتح (1/76)، وقال أيضاً (3/544): (( وبذلك ـ أي بإشعار الهدي ـ قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيرُه إلى استحبابه للاتِّباع، حتى صاحباه محمد وأبو يوسف، فقالا: هو حسن)). [/font]
[font=&quot]البدع ضلال، وليس فيها بدعة حسنة [/font]
[font=&quot]والبدع كلُّها ضلالٌ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديثي جابر والعرباض المتقدمين: (( وكلُّ بدعة ضلالة ))، وهذا العموم في قوله صلى الله عليه وسلم : (( وكلُّ بدعة ضلالة)) يدلُّ على بطلان قول مَن قال: إنَّ في الإسلام بدعة حسنة، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما في الأثر الذي تقدَّم ذكره قريباً: (( كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ))، ولا يُقال: إنَّ في الإسلام بدعة حسنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (( من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة كان عليه وزرُها ووِزرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم (1017)؛ لأنَّ المرادَ به السَّبق إلى فعل الخير والاقتداء بذلك السابق كما هو واضح من سبب الحديث المذكور في صحيح مسلم قبل إيراد هذا الحديث، وحاصله أنَّ جماعة من مُضَر قدِموا المدينة، يظهر عليهم الفقر والفاقة، فحثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّة كادت يده تعجز عن حملها، فتتابع الناس بعده على الصدقة، فعند ذلك قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة )) الحديث، ويدخل في معناه أيضاً من أحيا سنَّةً ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلد لم تكن ظاهرة فيه، وأمَّا أن يكون معناه الإحداث في الدِّين فلا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ ))، وقد تقدَّم، فإنَّ الشريعة كاملةٌ لا تحتاج إلى محدثات، وفي إحداث البدع اتِّهام لها بالنقصان وعدم الكمال، وقد مرَّ قريباً قول ابن عمر رضي الله عنهما : (( كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ))، وقول مالك: (( من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ))، فما لَم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً )). [/font]
[font=&quot]وأمَّا جمعُ عمر رضي الله عنه الناسَ في صلاة التراويح على إمام يصلِّي بهم، فهو من قبيل إظهار السنَّة وإحيائها؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بالناس بعضَ الليالي في قيام رمضان، وترك الاستمرار فيه خشية أن يُفرض على الأمَّة، روى ذلك البخاري (1129)، ولَمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وزال مقتضي الفرض بانقطاع الوحي بقي الاستحباب، فجَمَعَ عمرُ رضي الله عنه الناسَ على صلاة التراويح، وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح كما في البخاري (2010): (( نِعْمَ البدعة هذه ))، المراد به البدعة في اللغة لا في الشرع. [/font]
[font=&quot]الفرق بين البدعة في اللغة والبدعة في الشرع [/font]
[font=&quot]المعاني اللغوية غالباً أعمُّ من المعاني في الشرع، والمعنى الشرعي غالباً جزء من جزئيات المعنى اللغوي، ومن أمثلة ذلك التقوى والصيام والحج والعمرة والبدعة، فإنَّ التقوى في اللغة أن يجعل الإنسانُ بينه وبين كلِّ شيء يخافه وقاية تقيه منه، كاتخاذه البيوت والخيام للوقاية من حرارة الشمس والبرد، واتخاذ الأحذية للوقاية من كلِّ شيء يؤذي في الأرض، وأمَّا تقوى الله، فأن يجعل المسلمُ بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والصيامُ في اللغة كلُّ إمساك، وفي الشرع إمساكٌ مخصوص، وهو الإمساكُ عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والحجُّ لغة كلُّ قصد، وفي الشرع قصد مكة لأداء شعائر مخصوصة، والعمرة في اللغة كلُّ زيارة، وفي الشرع زيارة الكعبة للطواف بها والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير، والبدعة في اللغة كلُّ ما أُحدث على غير مثال سابق، وفي الشرع ما أُحدث مِمَّا لَم يكن له أصل في الدِّين، وهي مقابلة للسنَّة. [/font]
[font=&quot]ليس من البدع المصالح المرسلة [/font]
[font=&quot]المصلحة المرسلة هي المصلحة التي لَم يأت الشرعُ باعتبارها أو إلغائها، وهي وسيلة إلى تحقيق أمر مشروع، مثل جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وتدوين الدواوين، وكتابة أصحاب العَطاء في ديوان؛ فإنَّه لَم يأت في الشرع نصٌّ على إثباتهما أو المنع منهما، فأمَّا جمع القرآن فهو سبيل إلى حفظه وعدم ضياع شيء منه، وفيه تحقيق قول الله عزَّ وجلَّ: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، وقد توقَّف أبو بكر رضي الله عنه عندما أشار عليه عمر رضي الله عنه في جمعه، وقال: (( كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلَم يزل عمر يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذي رأى عمر )) رواه البخاري (4679)، وجَمْعُ أبي بكر رضي الله عنه القرآنَ كان في صُحف، وأمَّا جَمْعُ عثمان رضي الله عنه فكان في مصحف. [/font]
[font=&quot]وأمَّا تدوين الدواوين فكان في عهد عمر رضي الله عنه لَمَّا كثرت الفتوحات وكثرت الغنائم والفيء، فاحتيج إلى تدوين أسماء الجنود وغيرهم من أهل العَطاء، ولم يكن ذلك موجوداً قبل زمنه صلى الله عليه وسلم ، وذلك سبيل إلى إيصال الحقوق إلى أهلها وعدم سقوط شيء منها، ولا يُقال: إنَّ من البدع ما هو حسن إلحاقاً بالمصالح المرسلة؛ لأنَّ المصالح المرسلة فيها الوصول إلى تحقيق أمر مشروع، بخلاف البدع التي فيها اتِّهام الشريعة بالنقصان، كما مرَّ بيانُ ذلك في كلام الإمام مالك رحمه الله. [/font]
[font=&quot]لا بدَّ مع حسن القصد من موافقة السنَّة [/font]
[font=&quot]وقد يقول من يهوِّن مِن شأن البدع: إنَّ الذي يأتي بالبدعة متقرِّباً بها إلى الله قصدُه حسن، فيكون فعلُه محموداً بهذا الاعتبار، والجواب: أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد أن يكون العملُ موافقاً للسنَّة، وهو أحد الشرطين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما لقبول العمل الصالح، وهما الإخلاصُ لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد مرَّ الحديثُ الدَّال على ردِّ البدع المحدثة على صاحبها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ ))، وفي لفظ لمسلم: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))، ومِمَّا يدلُّ على أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد من موافقة السنَّة قصة الصحابي الذي ذبح أُضحيته قبل صلاة العيد، وقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( شاتُك شاةُ لحم )) رواه البخاري (955) ومسلم (1961)، قال الحافظ في شرح الحديث في الفتح (10/17): (( قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العملَ وإن وافق نية حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع )). [/font]
[font=&quot]ويدلُّ لذلك أيضاً ما في سنن الدارمي (210) بإسناد صحيح أنَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جاء إلى أناس متحلِّقين في المسجد، وبأيديهم حصى، وفيهم رجلٌ يقول: كبِّروا مائة، فيُكبِّرون مائة يعدُّون بالحصى، ويقول: هلِّلوا مائة، سبِّحوا مائة كذلك، فوقف عليهم فقال: (( ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيِّئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ، وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابُه لَم تَبْلَ، وآنيتُه لَم تُكسر، والذي نفسي بيده إنَّكم لَعلَى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه ... ))، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (2005). [/font]
[font=&quot]خطر البدع وبيان أنَّها أشدُّ من المعاصي [/font]
[font=&quot]والبدعُ خطرُها كبير، وخطْبُها جسيم، والمصيبة بها عظيمة، وهي أشدُّ خطراً من الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ صاحبَ المعصية يعلم أنَّه وقع في أمر حرام، فيتركه ويتوب منه، وأمَّا صاحب البدعة، فإنَّه يرى أنَّه على حقٍّ فيستمرّ على بدعته حتى يموت عليها، وهو في الحقيقة متَّبع للهوى وناكبٌ عن الصراط المستقيم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ((أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ))، وقال: ((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ))، وقال: ((وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ))، وقال: ((وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ))، وعن أنس رضي الله عن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله حجب التوبةَ عن كلِّ صاحب بدعة حتى يدَع بدعتَه ))، أورده المنذري في كتاب الترغيب والترهيب (86)، في الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء، وقال: ((رواه الطبراني، وإسناده حسن ))، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني(1620). [/font]
[font=&quot]البدع اعتقادية وفعلية وقولية [/font]
[font=&quot]والبدعُ أنواع: اعتقادية، وقولية، وفعلية، والفعلية زمانية ومكانية، فأمَّا البدع الاعتقادية، فمثل بدع الخوارج والروافض والمعتزلة وغيرهم مِمَّن تعويلهم على علم الكلام، وفيهم مَن تعويلهم مع ذلك على الروايات المكذوبة، قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/95): [/font]
[font=&quot](( أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أنَّ أهل الكلام أهلُ بدع وزيغ، ولا يُعدُّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنَّما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز )). [/font]
[font=&quot]والبدعُ القولية، منها التلفظ بالنية، كأن يقول: نويتُ أن أصلي كذا، نويتُ أن أصوم كذا، وغير ذلك، ولا يُستثنى من ذلك إلاَّ المناسك، فللمعتمر أن يقول: لبَّيك عمرة، وللمفرد أن يقول: لبَّيك حجًّا، وللقارن أن يقول: لبَّيك عمرة وحجًّا؛ لأنَّه ورد في السنَّة ما يدلُّ على ذلك. [/font]
[font=&quot]ومنها سؤال الله بجاه فلان وبحقِّ فلان، ونحو ذلك مِمَّا لم يَرِد به سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [/font]
[font=&quot]ومن البدع القولية ما يكون كفراً، كدعاء أصحاب القبور وطلب الغوث منهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وغير ذلك مِمَّا لا يُطلَبُ إلاَّ من الله، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً))، وقال: ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ))، وأمَّا الحكم على مَن حصل منه ذلك بالكفر فيكون بعد إقامة الحجة، وهو قول كثير من أهل العلم، ذكرتُ منهم سبعة في الفصل الخامس من مقدمة تطهير الاعتقاد وشرح الصدور، أوَّلهم الإمام محمد ابن إدريس الشافعي رحمه الله، وآخرهم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. [/font]
[font=&quot]والبدعُ الفعلية مكانية وزمانية، فمِن البدع المكانية التمسح بالقبور وتقبيلها، قال النووي في المجموع شرح المهذب في شأن مسح وتقبيل جدار قبره صلى الله عليه وسلم (8/206): ((ولا يُغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك؛ فإنَّ الاقتداءَ والعملَ إنَّما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء، ولا يُلتفتُ إلى مُحدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) رواه أبو داود بإسناد صحيح، وقال الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ ما معناه: (اتَّبع طرق الهدى ولا يضرك قلَّة السالكين، وإيَّاك وطرق الضلالة ولا تغترَّ بكثرة الهالكين)، ومَن خَطَرَ على باله أنَّ المسحَ باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأنَّ البركةَ إنَّما هي فيما وافق الشرع، وكيف يُبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟! )). [/font]
[font=&quot]ومن البدع الزمانية الاحتفال بالموالد، كالاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، فإنَّها من البدع المحدثة في القرن الرابع الهجري، ولَم يأت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته شيءٌ من ذلك، بل ولَم يأت عن التابعين وأتباعهم، وقد مضت الثلاثمائة سنة الأولى قبل أن توجد هذه البدعة، والكتب التي أُلِّفت في تلك الفترة لا ذكر للموالد فيها، وإنَّما كانت ولادة هذه البدعة في القرن الرابع الهجري، أحدثها العبيديُّون الذين حكموا مصر، فقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه المواعظ بذكر الخطط والآثار (1/490) أنَّه كان للفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرة جدًّا، ومنها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومولد علي وفاطمة والحسن والحُسين رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ)، وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: (( ظهرت في دولتهم البدعُ والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلَّ عندهم الصالحون من العلماء والعُبَّاد ... )). [/font]
[font=&quot]وذكر ابن كثير قبل ذلك بقليل أنَّ صلاح الدين قطع الأذان بـ(حيَّ على خير العمل) من مصر كلِّها، ومن أحسن ما أُلِّف في هذه المسألة كتاب: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرُّسْل، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري رحمه الله، ولا شكَّ أنَّ محبَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلب كلِّ مسلم أعظمَ من محبَّته لأبيه وأمِّه وابنه وبنته وسائر الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين )) رواه البخاري ومسلم، ومحبَّته صلى الله عليه وسلم إنَّما تكون باتِّباعه والسير على نهجه صلى الله عليه وسلم، وليس بالبدع المُحدَثة، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)). [/font]
[font=&quot]بدعة امتحان الناس بالأشخاص [/font]
[font=&quot]ومن البدع المنكرة ما حدث في هذا الزمان من امتحان بعض من أهل السنَّة بعضاً بأشخاص، سواء كان الباعث على الامتحان الجفاء في شخص يُمتحن به، أو كان الباعث عليه الإطراء لشخص آخر، وإذا كانت نتيجة الامتحان الموافقة لِمَا أراده الممتحِن ظفر بالترحيب والمدح والثناء، وإلاَّ كان حظّه التجريح والتبديع والهجر والتحذير، وهذه نقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية في أوَّلها التبديع في الامتحان بأشخاص للجفاء فيهم، وفي آخرها التبديع في الامتحان بأشخاص آخرين لإطرائهم، قال ـ رحمه الله ـ في مجموع الفتاوى (3/413 ـ 414) في كلام له عن يزيد بن معاوية: (( والصواب هو ما عليه الأئمَّة، من أنَّه لا يُخَصُّ بمحبة ولا يلعن، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة، وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (أوَّل جيش يغزو القسطنطينيَّة مغفورٌ له)، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري ... [/font]
[font=&quot]فالواجب الاقتصاد في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به؛ فإنَّ هذا من البدع المخالفة لأهل السنَّة والجماعة )). [/font]
[font=&quot]وقال [/font][font=&quot](3/415):[/font][font=&quot] (( وكذلك التفريق بين الأمَّة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم )). [/font]
[font=&quot]وقال (20/164): (( وليس لأحد أن ينصب للأمَّة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويُوالي ويُعادي عليها غير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويُعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمَّة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرِّقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويُعادون )). [/font]
[font=&quot]وقال (28/15 ـ 16): (( فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك نظر فيه: فإن كان قد فعل ذنباً شرعيًّا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنباً شرعيًّا لم يجز أن يُعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره. [/font]
[font=&quot]وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البرِّ والتقوى، كما قال الله تعالى: ((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) )). [/font]
[font=&quot]ولو ساغ امتحان الناس بشخص في هذا الزمان لمعرفة مَن يكون من أهل السنَّة أو غيرهم بهذا الامتحان، لكان الأحقَّ والأولى بذلك شيخ الإسلام ومفتي الدنيا وإمام أهل السنَّة في زمانه شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المتوفى في 27 من شهر المحرم عام 1420هـ، رحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة، الذي عرفه الخاصُّ والعام بسعة علمه وكثرة نفعه وصدقه ورِفقه وشفقته وحرصه على هداية الناس وتسديدهم، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً؛ فقد كان ذا منهج فذٍّ في الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، يتَّسم بالرِّفق واللِّين في نصحه وردوده الكثيرة على غيره، منهج سديد يقوِّم أهلَ السنَّة ولا يُقاومهم، وينهض بهم ولا يُناهضهم، ويَسْمو بهم ولا يسِمُهم، منهج يجمع ولا يُفرِّق، ويلمُّ ولا يمزِّق، ويُسدِّد ولا يبدد، ويُيسِّر ولا يُعسِّر، وما أحوج المشتغلين بالعلم وطلبته إلى سلوك هذا المسلك القويم والمنهج العظيم؛ لِمَا فيه من جلب الخير للمسلمين ودفع الضَّرر عنهم. [/font]
[font=&quot]والواجب على الأتباع والمتبوعين الذين وقعوا في ذلك الامتحان أن يتخلَّصوا من هذا المسلك الذي فرَّق أهلَ السنَّة وعادى بعضُهم بعضاً بسببه، وذلك بأن يترك الأتباعُ الامتحان وكلَّ ما يترتَّب عليه من بُغض وهجر وتقاطع، وأن يكونوا إخوةً متآلفين متعاونين على البرِّ والتقوى، وأن يتبرَّأ المتبوعون من هذه الطريقة التي توبعوا عليها، ويُعلنوا براءتَهم منها ومِن عمل مَن يقع فيها، وبذلك يسلم الأتباع من هذا البلاء والمتبوعون من تبعة التسبُّب بهذا الامتحان وما يترتَّبُ عليه من أضرار تعود عليهم وعلى غيرهم. [/font]
[font=&quot]التحذير من فتنة التجريح والتبديع [/font]
[font=&quot]من بعض أهل السنة في هذا العصر [/font]
[font=&quot]وقريبٌ من بدعة امتحان الناس بالأشخاص ما حصل في هذا الزمان من افتتان فئة قليلة من أهل السنَّة بتجريح بعض إخوانهم من أهل السنة وتبديعهم، وما ترتَّب على ذلك من هجر وتقاطع بينهم وقطع لطريق الإفادة منهم، وذلك التجريح والتبديع منه ما يكون مبنيًّا على ظنِّ ما ليس ببدعة بدعة، ومن أمثلة ذلك أنَّ الشيخين الجليلين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين ـ رحمهما الله ـ قد أفتيا جماعة بدخولها في أمر رأيَا المصلحة في ذلك الدخول، ومِمَّن لم يُعجبهم ذلك المفتَى به تلك الفئة القليلة، فعابت تلك الجماعة بذلك، ولَم يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل انتقل العيب إلى مَن يتعاون معها بإلقاء المحاضرات، ووصفه بأنَّه مُميِّع لمنهج السلف، مع أنَّ هذين الشيخين الجليلين كانا يُلقيان المحاضرات على تلك الجماعة عن طريق الهاتف. [/font]
[font=&quot]ومن ذلك أيضاً حصول التحذير من حضور دروس شخص؛ لأنَّه لا يتكلَّم في فلان الفلاني أو الجماعة الفلانية، وقد تولَّى كبر ذلك شخص من تلاميذي بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، تخرَّج منها عام (1395 ـ 1396هـ)، وكان ترتيبه الرابع بعد المائة من دفعته البالغ عددهم (119) خرِّيجاً، وهو غير معروف بالاشتغال بالعلم، ولا أعرف له دروساً علميَّة مسجَّلة، ولا مؤلَّفاً في العلم صغيراً ولا كبيراً، وجلُّ بضاعته التجريح والتبديع والتحذير من كثيرين من أهل السنَّة، لا يبلغ هذا الجارحُ كعبَ بعض مَن جرَحهم لكثرة نفعهم في دروسهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم، ولا ينتهي العجب إذا سمع عاقل شريطاً له يحوي تسجيلاً لمكالمة هاتفية طويلة بين المدينة والجزائر، أكل فيها المسئول لحومَ كثير من أهل السنَّة، وأضاع فيها السائل مالَه بغير حقٍّ، وقد زاد عدد المسئول عنهم في هذا الشريط على ثلاثين شخصاً، فيهم الوزير والكبير والصغير، وفيهم فئة قليلة غير مأسوف عليهم، وقد نجا مِن هذا الشريط مَن لم يُسأل عنه فيه، وبعض الذين نجوا منه لم ينجوا من أشرطة أخرى له، حوتها شبكة المعلومات الإنترنت، والواجب عليه الإمساك عن أكل لحوم العلماء وطلبة العلم، والواجب على الشباب وطلاَّب العلم ألاَّ يلتفتوا إلى تلك التجريحات والتبديعات التي تضرُّ ولا تنفع، وأن يشتغلوا بالعلم النافع الذي يعود عليهم بالخير والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، وقد قال الحافظ ابن عساكر ـ رحمه الله ـ في كتابه تبيين كذب المفتري (ص:29): (( واعلم ـ يا أخي! وفَّقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا مِمَّن يَخشاه ويتَّقيه حق تقاته ـ أنَّ لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ))، وقد أوردتُ في رسالتي (( رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة )) جملة كبيرة من الآيات والأحاديث والآثار في حفظ اللسان من الوقيعة في أهل السنَّة، ولا سيما أهل العلم منهم، ومع ذلك لَم تُعجب هذا الجارح، ووصفها بأنَّها غير مؤهَّلة للنشر، وحذَّر منها ومن نشرها، ولا شكَّ أنَّ مَن يقف على هذا الجرح ويطَّلع على الرسالة يجد أنَّ هذا الحكم في واد والرسالة في واد آخر، وأنَّ الأمر كما قال الشاعر: [/font]
[font=&quot]قد تُنكر العينُ ضوء الشمس من رمَد ** ويُنكر الفمُ طعمَ الماء من سَقَمِ [/font]
[font=&quot]وأمَّا قول التلميذ الجارح لرسالة (( رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة )): (( فمثلاً في كلام أنَّ منهج الشيخ عبد العزيز بن باز ومنهج الشيخ ابن عثيمين على خلاف منهج أهل السنَّة الآخرين، هذا خطأ لا شك، يعني لا يُكثرون الردود ويردون على المخالف، هذا لو صحَّ هو خلاف منهج أهل السنَّة والجماعة، وهو طعن في الشيخين في الحقيقة، وفي غيرهم مِمَّن يمكن أن يُقال عنه هذا الكلام!!! )). [/font]
[font=&quot]فالجواب عنه من وجوه: [/font]
[font=&quot]الوجه الأول: أنَّه ليس في الرسالة أنَّ الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ لا يكثر الردود، بل ردوده كثيرة، وقد جاء في الرسالة (ص:51): (( أن يكون الردُّ برفق ولين ورغبة شديدة في سلامة المخطئ من الخطأ، حيث يكون الخطأ واضحاً جليًّا، وينبغي الرجوع إلى ردود الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ للاستفادة منها في الطريقة التي ينبغي أن يكون الردُّ عليها )). [/font]
[font=&quot]الوجه الثاني: أنَّني لَم أتعرَّض لذكر منهج الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ في الردود؛ لأنِّي لا أعرف له مؤلَّفاً صغيراً أو كبيراً في الردود، وسألتُ أحدَ تلاميذه الملازمين له عن ذلك، فأخبرني أنَّه لا يعلم له شيئاً من الردود، وذلك لا يقدح فيه؛ لأنَّه مشغول بتقرير العلم ونشره والتأليف. [/font]
[font=&quot]الوجه الثالث: أنَّ منهج الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ يختلف عن منهج التلميذ الجارح ومَن يشبهه؛ لأنَّ منهج الشيخ يتَّسم بالرِّفق واللِّين والحرص على استفادة المنصوح والأخذ بيده إلى طريق السلامة، وأمَّا الجارحُ ومَن يشبهه فيتَّسمُ بالشدَّة والتنفير والتحذير، وكثيرون مِن الذين جرحهم في أشرطته كان يُثني عليهم الشيخ عبد العزيز ويدعو لهم ويحثُّهم على الدعوة وتعليم الناس، ويَحثُّ على الاستفادة منهم والأخذ عنهم. [/font]
[font=&quot]والحاصلُ أنَّنِي لَم أنسب إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ عدم الردِّ على غيره، وأمَّا ابن عثيمين فلَم أتعرَّض له بذكر في قضيَّة الردود، وأنَّ ما ذكره الجارحُ غير مطابق لِمَا في الرسالة، وهو من أوضح الأدلة على تخبُّطه وعدم تثبُّته، وإذا كان هذا منه في كلام مكتوب، فكيف يكون الحال فيما لا كتابة فيه؟! [/font]
[font=&quot]وأمَّا قول جارح الرسالة: (( وأنا في الحقيقة قد قرأتُ الرسالةَ، وعرفت موقفَ أهل السنَّة منها، ولعلَّكم رأيتم الردودَ من بعض العلماء والمشايخ، وما أظنُّ الردودَ تقف عند ذلك، إنَّما هناك مَن سَيَرُدُّ أيضاً؛ لأنَّه كما يقول الشاعر: [/font]
[font=&quot]جاء شقيق عارض رمحه **إنَّ بني عمِّك فيهم رماح )). [/font]
[font=&quot]كذا: عارضٌ، والصواب عارضاً. [/font]
[font=&quot]فالجواب: أنَّ أهل السنَّة الذين عناهم هم الذين يختلف منهجهم عن منهج الشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ الذي أشرتُ إليه قريباً، وهو بهذا الكلام يستنهض هِمَمَ مَن لم يعرفهم للنيل من الرسالة بعد أن استنهض هِمَم مَن يعرفهم، وأنا في الحقيقة لَم أعرض رمحاً، وإنَّما عرضتُ نصحاً لم يقبله الجارحُ ومَن يشبهه؛ لأنَّ النصحَ للمنصوح يشبه الدواءَ للمريض، ومن المرضى مَن يستعمل الدواء وإن كان مُرًّا؛ لِمَا يُؤَمِّله من فائدة، ومن المنصوحين من يصدُّه الهوى عن النصح لا يقبله، بل ويُحذِّر منه، وأسأل الله للجميع التوفيق والهدايةَ والسلامةَ من كيد الشيطان ومكره. [/font]
[font=&quot]وقد شارك التلميذَ الجارح ثلاثةٌ: اثنان في مكة والمدينة، وهما من تلاميذي في الجامعة الإسلامية بالمدينة، أولهما تخرَّج عام (1384 ـ 1385هـ)، والثاني عام (1391 ـ 1392هـ)، وأمَّا الثالث ففي أقصى جنوب البلاد، وقد وصف الثاني والثالث مَن يُوزِّع الرسالةَ بأنَّه مبتدع، وهو تبديع بالجملة والعموم، ولا أدري هل علموا أو لم يعلموا أنَّه وزَّعها علماء وطلبة علم لا يُوصَفون ببدعة، وآملُ منهم تزويدي بالملاحظات التي بنوا عليها هذا التبديع العام إن وُجدت للنظر فيها. [/font]
[font=&quot]وللشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام خطبة ألقاها من منبر المسجد الحرام حذَّر فيها من وقيعة أهل السنَّة بعضهم في بعض، نلفتُ الأنظارَ إليها؛ فإنَّها مهمَّة ومفيدة. [/font]
[font=&quot]وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفِّق الجميعَ لِمَا يُرضيه وللفقه في الدِّين والثبات على الحقِّ، والاشتغال بما يعني عمَّا لا يعني، إنَّه وليَّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه[/font].
 

كحيلان الوايلي

مزمار ألماسي
18 ديسمبر 2009
1,581
1
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
محمد اللحيدان
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

جزاك الله خيراااااا أخي فهد العويد
 

الموجودة

مشرفة قديرة سابقة
5 يناير 2010
8,498
406
83
الجنس
أنثى
علم البلد
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

101.gif


 
24 مايو 2009
3,098
2
0
الجنس
ذكر
القارئ المفضل
عبد الرحمن السديس
رد: البدعة ومفهوما ومايتعلق بها ( موضوع متكامل )

بارك الله فيك يالعويد
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع