إعلانات المنتدى


™©»?•.¸¸.•?الشعر العذب في الشوق إلى بيت الله الحرام والمدينة•.¸¸.•?«اـ©™

الأعضاء الذين قرؤوا الموضوع ( 0 عضواً )

شذى الروح

مزمار داوُدي
7 مايو 2008
3,503
46
0
الجنس
أنثى
..

..

بسم الله الرحمن الرحيم


{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}الحج27
وهنا ؛ أقدم لكم ما شعرت فيه أنه يستنهض الشوق إلى الله والحنين إلى جواره
لعل المحروم من زيارة تلك الديار يذرف دمعا يشفي كمده ويطفيء حر شوقه
ولعلنا وإن لم نحج بأجسامنا ؛ رحلت قلوبنا وأرواحنا طوافة بنور المحبة لله وحرارة اللهفة إلى لقياه ،،
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
الشوق والحنين إلى البقاع المقدسة في الشعر الأندلسي والمغربي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
إذا كان جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تنبض قلوبهم بحب البقاع المقدسة، فيتشوقون إليها وتهفو نفوسهم إلى زيارتها لأداء فريضة الحج أو العمرة أو هما معا، فإن للأندلسيين والمغاربة وضعهم التاريخي/ الجغرافي الذي يجعل شوقهم وحنينهم إلى تلك البقاع أكثر تميزا وأكثر حرارة من أشواق الآخرين؛ فالأندلسيون يشعرون بأنهم أبعد من غيرهم عن مركز العالم الإسلامي، وبأنهم مفصولون عنه ببحر متلاطم الأمواج، وبأنهم محاطون بأمم تناصبهم العداء وتنتظر ضعفهم أو غفلتهم للانقضاض عليهم. وإذا أضفنا إلى هذا الوضع التاريخي الجغرافي طبيعة المواصلات آنذاك وصعوبتها في البر والبحر ـ وعرفنا أن مفهوم ” الاستطاعة ” يعني فيما يعنيه القدرة على تحمل أعباء الرحلة ماديا ومعنويا، وهي متطلبات وتكاليف لم يكن باستطاعة معظم الناس تحملها، وأمام شعور بعضهم بالعجز عن أداء هذا الواجب الشرعي ـ فإنه لا يبقى لهم إلا الأمل والتمني؛ اللذان يحولان دون الاستسلام لليأس والقنوط، ويحافظان على جذوة الأشواق ويؤججان مشاعر الحنين لدى المؤمنين الذين لا يجوز لهم أن يقنطوا من رحمة الله، لأنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .وقد جمعت الظروف التاريخية بين الأندلسيين والمغاربة في الكثير من الأحيان، كما قربت بينهما الجغرافيا، ولذلك نراهم يشتركون في الكثير من ملامح هذا الغرض الأدبي؛ الذي ظهر عندهم في العديد من المناسبات كما ظهر من خلال الرحلات التي كان المغاربة والأندلسيون يحرصون على تدوينها، بعد عودتهم من البقاع المقدسة، ليمكنوا مواطنيهم من الاستمتاع بزيارة تلك البقاع بخيالهم ومشاعرهم، بعد أن عجزوا أو حالت الظروف بينهم وبين القيام بتلك الرحلة الحلم، وسيتضح لنا هذا بعد أن نستعرض بعض النماذج من أشعار الأندلسيين والمغاربة.
<<< الشعر الأندلسي في الشوق للبقاع المقدسة >>>
ومن أوائل ما لدينا أشواق لمكة للشاعر
عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي عبر عنها بالعديد من الوسائل منها :
ومن أوائل ما لدينا من شعر هذا الغرض تلك القصيدة التي خاطب بها الشاعر عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي ( ت 521 هـ) مكة المكرمة:
أمكـةُ تفديكِ النفوسُ الكرائمُ ** ولا برحت تنهل فيك الغـمائمُ
وكُفَّتْ أكُفُّ السوءِ عنْك وبُلِّغتْ ** مُناها قلوبٌ كي تراكِ حوائمُ
فإنـك بيت الله والحـرمُ الذي ** لِعِزَّتـه ذلَّ المـلوك الأعاظمُ
وقد رُفـعت منك القواعد بالتقى ** وشادتْكِ أَيْدٍ برّةٌ ومـعاصمُ
وساويت في الفضل المقامَ كلاكُما ** تُنالُ به الزلفى وتُمْحى المآثمُ
وبعد أن دعا لمكة المكرمة وأشاد بمكانتها وعدد بعضا من فضائلها؛ التي من بينها أن زيارتها تمحو الآثام، انتقل إلى الحديث عن مشاعره الخاصة فقال:
أَلَهْفي لأِقْدار عـدتْ عنكِ همتي ** فلم تنـهض مني إليْكِ العزائمُ
فياليت شِعْري هلْ أُرى فيك داعيًا ** إذا ما دعتْ لله فيكِ الغمائمُ
وهلْ تَمْحُوَنْ عنِّي خطايا اقترفتُها ** خُطًى فيكِ لي أو يَعْمَلاتٌ رواسمُ
وهل لي من سقيا حجيجكِ شَرْبةٌ ** ومن زمزم يُرْوي بها النفسَ حائمُ
وهـل لي في أجر الملبـين مَقسِمٌ ** إذا بُذِلتْ للناس فيـكِ المَقاسِمُ
وكم زارَ مغناكِ المعظّمَ مًجـْرِمٌ ** فحُطتْ به عَنـْه الخطايا العظـائمُ
ومن أيْنَ لا يُضْحِي مُرَجِّيكِ آمنا ** وقد أمنت فيك الْمَهَا والحمائمُ
لئِن فاتني منـكِ الذي أنا رائم ** فإن هـوى نفسي عليك لدائمُ
وإنْ يحْـمني حامي المقادير مُقدمًا ** عليك فإني بالفـؤاد لقـادم
عليكِ سلام الله ما طاف طائـف ** بكعبتكِ العُـليا وما قام قائمُ
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


ومن الشعراء الذين أضناهم الشوق إلى بيت الله الحرام وتعذر عليهم الوصول إليه، يحي بن بقي أبو بكر المعروف بالسلاوي؛ الذي يقول:
يا حُداة العيس مَهْلا فعسى ** يبلغُ الصبُّ لديـكم أمَلا
لا أخاف الدهر إلا حاديا ** ظَلْتُ أخشاه وأخشى الجَمَلا
أودعوني حُرَقاً إذ ودّعوا ** غادروا القلب بها مشتـعلا
آهِ من جسم غدا مُستوْطنا ** وفـؤادٍ قد غدا مـُرتحِلا
شُعْبة شَرْقا وأخرى مَغْرِباً ** منْ لـهذين بأن يشـتملا
يا رجالا بين أعـلام مِنًى ** إلثِموا الأستار واسعَوْا رَمَلا
وقفوا في عرفاتٍ وقفة ** تمـحو عن ذي زلة ما عمِلا
وإذا زرتمْ ولاحتْ يثربٌ ** فاكْحلوا بالنور منها المُـقلا
تُرْبـةٌ للوحي فيها أثرٌ ** غـودِرَ البدْرُ بـها قد أفـلا
كيف أنتمْ سمح الله لكمْ ** كيْفَ ودعتمْ هـناك الرُّسَلا
كيف لم تنضج قلوبٌ حُرقا ** كيف لمْ تجر عيونٌ هَمَلاَ؟
لَيْتَ أني تربَةُ الوادي إذا ** مرتِ العيسُ لثمتُ الأرْجُلاَ
لَوْ بوادي الدَّوْم مرت إبلي ** كنت أوطأتُ جفوني الإبلا
يا رسـول الله شكوى رجُلٍ ** عذّرَ الدهـرُ عليه السبلا
ليس بي أن أفـقد الأهل ولا ** أفـقد المالَ معا والخَوَلا
إنـما بي حين يدنو أجلي ** لستُ ألقاكَ وألقى الأجـلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومثله الأديب الرحالة محمد ابن جبير البلنسي الذي اشتد به الشوق إلى البقاع المقدسة يوم عرفات، فخاطب الحجاج مهنئا، ولكنه لم يستطع مفارقتهم بقلبه فتتبعهم بروحه وخياله وهم يؤدون مناسكهم، حيث يقول:
يا وُفـودَ الله فُـزْتُمْ بالمُنى ** فهـنيئا لكم أهـل مِنَى
قدْ عرفـنا عرَفاتٍ معكمْ ** فلهذا برح الشـوقُ بـنا
نحن بالمغرب نُجري ذِكْركمْ ** فغروبُ الدمع تَجْري هُتُنا
أنتم الأحباب نشكو بُعدكم ** هل شكوتم بُعدَنا من بَعْدِنا؟
علّنا نلـقى خيالا منكم ** بلذيذ الذكر وهْـنًا عَلـّنا
لو حنا الدهرُ علينا لقـضى ** باجتـماعٍ بِكم بالمنحنى
لاحَ برْقٌ مَوْهنا من أرْضكمْ ** فلعَمْري ما هَنَا العيشُ هُنا
صَـدَع الليْلَ وميـضٌ وسنا ** فأبَيـْنا أنْ نذوقَ الوَسَنا
ما عنا داعي الـهوى لمَّا دعا ** غَيْرَ صبٍّ شفّـه برْحُ العنا
كمْ جنَى الشوقُ علينا من أسًى ** عادَ في مرضاكم حُلو الجنَى
ولَكَمْ بالخيف من قلبٍ شَجٍ ** لمْ يزلْ، خوْفَ النوى، يشكو الضنى
ما ارتَضَى جانـحة الصدرِ لهُ ** سكَنًا مُنـْذُ به قَدْ سَـكَنا
فَتُـنادِيهِ على شَحْـطِ النوى ** مَـنْ لنَـا بِقَـلْبٍ مَلّنا
سرْ بنا يا حادِيَ العِيسِ عَسى ** أنْ نُلاقِي يوْمَ جمْعٍ سِرْبَنَا
شِمْ لنا البرْقَ إذا هبّ وقـلْ ** جَمَعَ اللهُ بِجَمـْع شَمْلَنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين هاجتهم الذكرى بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واشتد بهم الحنين إلى البقاع المقدسة؛ ابن زمرك شاعر الحمراء الذي قال في إحدى مولدياته:
لو كنت أعطى من لقائك سولا ** لم أتخذ برق الغـمام رسولا
أو كنت أبلغ من قبولك مأملي ** لم أودع الشكوى حبا وقبولا
وبعد مقدمة شبه غزلية، ينتقل إلى وصف ركب الحجاج وما تركه رحيلهم في نفسه من لواعج الشوق والحنين، فيقول:
من ينـجد الصبر الجميل فإنه ** بعد الأحـبة قد أجد رحـيلا
كيف التجمل بعدهم وأنا الذي ** أنسيت قيسا في الهوى وجميلا
من عاذري والقلب أول عاذل ** فيـمن أفنـِّد لائما وعذولا
أتبـعت في دين الصبابة أمة ** ما بدلوا في حبـهم تبـديلا
يا موردا حامت علـيه قلوبنا ** لو نيل لم تجر المدامـع نيلا
ما ضر من رقت غلائله ضحى ** لو بات ينقع للمحب غليلا
كم ذا أعلل بالحديث وبالمنى ** قلبا كما شاء الغرام علـيلا
أعديت واصلة الهديل بسحرة ** شجوا وجانحة الأصيل نحولا
وسريت في طي النسيم لعـلني ** احتل حيا بالعقـيق حلولا
هذا ووجدي مثل وجدي عندما اسـ ** ـتشعرت من ركب الحجاز رحيلا
قد سددوا الأنضاء ثم تتابعوا ** يتـلو رعيل في الفـلاة رعيلا
مثل القسي ضوامر قد أرسلت ** يذرعن عرض البلاد ميلا ميلا
مترنحين على الرحال كأنما ** عاطين من فرط الكلال شمـولا
إن يلتبس عَلَمُ الطريق عليهمُ ** جعلوا التشوّق للرسول دليلا
يا راحلين وما تحمل ركبُـهمُ ** إلا قلوب العاشقـين حُمولا
ناشدتكم عهد المودة بيـننا ** والعـهد فينا لم يزل مسئولا
مهما وصلتم خير من وطئ الثرى ** أن توسعوا ذاك الثرى تقـبيلا
يا ليت شعري هل أعرِّس ليلة ** فأشمّ حولي إذخرا وجليلا
أو تروني يـوما مياه مجنّة ** ويشيم طرفي شامة وطفـيلا
وأحط في مثوى الرسول ركائبي ** وأبيت للحرم الشريف نزيلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
يتبع ،،،
<<< الشعر المغربي في الشوق للبقاع المقدسة >>>








 

شذى الروح

مزمار داوُدي
7 مايو 2008
3,503
46
0
الجنس
أنثى
رد: ™©»?•.¸¸.•?الشعر العذب في الشوق إلى بيت الله الحرام والمدينة•.¸¸.•?«اـ©™

<<< الشعر المغربي في الشوق للبقاع المقدسة >>>
~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقد كانت الأماكن المقدسة عند المغاربة ـ كما كانت عند الأندلسيين ـ تفقد في معظم الأحيان أبعادها الجغرافية والهندسية لتكتسب تحت وهج الحنين أبعادا روحية؛ وبذلك يصبح كل هواء قادم من الشرق، بل كل نسمة كافية لإنعاش نفوسهم الملتهبة بحر الأشواق، وتصبح تربة الحجاز بلسما يشفي من جميع الأسقام. وتتحول بعض الحيوانات عن طبيعتها، بعد أن يفيض عليها الشعراء من أحاسيسهم ومشاعرهم، وخاصة تلك المطايا التي تحمل الحجاج إلى البقاع المقدسة والتي تستغني عن حداتها بعد أن تصبح هي أيضا مسكونة بالأشواق التي تجتذبها وتهديها، والحنين الذي يدفعها ويحدوها.
ومن شعراء المغرب الذين تحدثوا كثيرا عن البقاع المقدسة؛ الثغري التلمساني الذي حركت أشواقه إحدى ليالي المولد النبوي التي كان يُحْتَفلُ بها في أيام أبي حمو فقال في قصيدة مطلعها:
شرف النفوس طلابها لعلاها ** ولباسها التقوى أجل حلاها
ومنها في التعبير عن غبطته لمن فازوا بزيارة البقاع المقدسة وسعدوا بأداء مناسك الحج بين ربوعها:
لله قوم أيقـظوا عزماتـهم ** فكأنـها شهب تضيء دجاها
وصلوا السرى بالعيس تنفخ في البرى ** وفلوا بأيدي اليعملات فلاها
وإلى الحمى قبل الحمام سرت بهم ** ظعن يسر الظاعنين سراها
نجب هـواها في الحجاز ووردها ** ماء العذيب فخلها وهواها
تغنيك شدة شوقـها عن سوقها ** فاخلع براها فالغرام براها
أو ما تراها كالقسي ضوامرا ** والركب مثل النبل فوق ذراها
دأبوا على السير الحثيث وحثهم ** شوق يذود عن الجفون كراها
حتى بدا القمر الذي لولاه ما ** بدت النجوم ولا بدا قمراها
قمر بيـثرب أشرقت أنواره ** حتى أضاءت أرضها وسـماها
ومما قاله في توديع مواكب الحجاج وهو من أكثر المواقف وأشدها إثارة للأشواق وتأجيجا لمشاعر الحنين
تلك القصيدة التي استهلها بقوله :
تذكرت صحبا يـمموا الضال والسدرا ** فهاجت لي الذكرى هوى سكن الصدرا
وإخوان صدق أعملوا السير والسرى ** إذا ما بدا عذر لهم قطعوا العذرا
سروا في الدجى يفلون ناصية الفلى ** وعند صباح القوم قد حمدوا المسرى
غدت نكرات البـين معرفـة بهم ** وآهـلة تلك المـجاهل لا قـفرا
وتوديعهم أذكى الجوى في جوانحي ** لقد أودع التوديع في كبدي جمرا
يضيء الدجى من عزمهم فكأنهم ** كواكب تسري للحمى كي ترى البدرا
وبعد أن يستفيق الثغري من ذكرى توديع المحظوظين السعداء من رفاقه، يعود للتعبير عن لهفته إلى اللحاق بهم، فيقول:
أيا جيرة الوادي بحقكم متى ** يقول لي الحادي هنيئا لك البشرى
أحل بأرض حلها خير مرسل ** غدا تربها مسكا وحصاؤها درا
~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقد يشتد الشوق ببعض المغاربة ويعجزون عن زيارة البقاع المقدسة بأجسادهم فيستعيضون عن الزيارة بتلك الرسائل التي يكتبونها لتنوب عنهم في تأدية التحية، ومن خلالها يعبرون عن عجزهم ويرجون قبول عذرهم.
” وممن سلك هذا الوادي، وأرسل ـ إذ غلبه الشوق ـ دموعه الغوادي، ذو البيان الذي قل له الموازي، الشيخ أبو زيد الفازازي، فإنه كتب إلى الحجرة الطيبة، على ساكنها أفضل السلام والصلوات الواكفة الصيبة، بما نصه:
يا سيد الرسل المكـين مكانه ** ومقدما وهـو الأخير زمانه
والمصطفى المختار من هذا الورى ** فمحله عالي المحل وشأنه
ومن النبوءة والطهارة والهدى ** شرف حواه فؤاده ولسانه
عنوان طرس الأنبياء وختمهم ** والطرس يكمل حسنه عنوانه
فالدهر خلق أحـمد إصباحه ** والخلق جفن أحـمد إنسانه
ناداك عـبد أخرته ذنـوبه ** والشوق تلفـح قلبه نيـرانه
وفدت عليك ركاب أرباب التقى ** والمذنب الخطاء كف عنانه
لما تـخلف للتخلف مذنبا ** في الـمذنبين وغره إمكانـه
كتب الكتاب لعـله إذ لم يزر **باللحـظ قبرك أن تزور بنانه
ووراء أضلاعي فؤاد قيده ** ألف الذنوب وسجنه أشجانه
لكن حبك شافع و مشـفع ** يغـشى محبك أمـنه وأمانه
وعليك يا خير الأنام تحـية ** كالروض صافح روحه ريحانه
مـمن يزورك خطه وكلامه ** إن لم يزرك لذنبه جثمـانه
~~~~~~~~~~~~~~~~~
وممن بلغ في هذا غاية الآماد الكاتب ابن الغماد، فإنه قال يتشوق إلى ذلك الجناب المنيع، ويترجي التيسير وحسن الصنيع:
شوقي إلى خير الخلق متصل ** يا ليت شعري هل أدنو وهل أصل
وهل أزور ثراه وهو خير ثرى ** استنشق المسك منه ثم أكتحل
وهل أرى روضة حل الكمال بها ** من كل أرض إليها تجهد الإبل
ومنها:
في كل عـام أرجي زورة معكم ** فتنهضون وشأني دونكم ثـقل
لو خف ظهري لكان الجسم مرتحلا ** لكن قلبي أمام الركب مرتحل
يحدو به وجده والشوق سائـقه ** وكيف يدنو كلال منـه أو ملل
وا حسرتا فاز غيري بالوصال إلى ** أرض الحبيب ودوني سدت السبل
متى ينادي بي الحادي يبشرني ** بشراك ـ يا مغربي ـ انزل فقد نزلوا
إنزل بطيبة طاب العيش قد ظفرت ** به يداك فـلا خوف ولا وجل
عبد له أنا إن نادى وبـشرني ** وأنت حر إذا بلـغت يا جـمل
قلبي بحب رسـول الله مشتغل ** يا ويح قلب له عن حبـه شغل
~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن الشعراء الذين أكثروا القول في هذا الحديث الشجي ابن الخلوف القسنطيني؛ الذي تكررت أشواقه إلى تلك البقاع وترددت سبع مرات في ” ديوان جنى الجنتين في مدح خير الفرقتين “، وهو لا يختلف عن غيره من الشعراء في الكيفية التي يعبر بها عن أشواقه، بحيث نراه وهو يستعين بكل مظاهر الطبيعة ليحملها بعضا من أشواقه، أو يشركها أحاسيسه ومشاعره ليخفف عن نفسه أو ليوسع من دائرة معاناته، وهذا ما نراه في القصيدة التي استهلها بقوله:
عليك توكلي ولك افتقاري ** ومنك تطلبي وبك انتصاري
وبعد التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وبعد مدح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاطبه قائلا:
بودي لو شققت لك الفيافي ** وخضت إليك أفئدة البحار
وسرت على ذرى الريح اعتجالا ** وصرت على الطائر في مطار
لأشهد روضة حوت المـعالي ** فحق لـها بأن تسبي الدراري
وألـثم تربة ضمت عظاما ** تـعاظم قدرها عن ذي افتخار
وأرشف من كؤوس الفوز راحا ** يبـرِّدُ روحها حر الأواري
وأقضي في حـماها كل حج ** بتـطواف، وسعي، واعتمار
وأرمي في ذُراهـا من دموعي ** جـمارا لا تُقايس بالجمار
~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولا يختلف ملوك المغرب عن ملوك الأندلس في التعبير عن أشواقهم إلى البقاع المقدسة، فيما يرفعونه من قصائد أو رسائل، وفيما يقدمونه بين يديها من اعتذارات؛ فهم في حنينهم وحديثهم عن الأشواق لا يختلفون عن الشعراء العاديين إذ نراهم، وهم يودعون ركب الحجاج، تجتاحهم الأشواق وتهفو بهم أجنحة الحنين إلى تلك البقاع التي لم يسعفهم الحظ بزيارتها، كما نراهم وأرواحهم ترحل مع الحجاج لتترك أجسادهم محطمة في المغارب، ولكنهم حين يصلون إلى مفصل الاعتذار يختلفون عن عامة الناس، إذ نراهم ـ في معظم الأحيان ـ لا يكتفون بالاعتذار عن الذنوب كالعامة، وإنما يضيفون أعذارا تختلف عن أعذار العامة؛ فهم ملوك أنيطت بهم مهمة الجهاد والدفاع عن المسلمين، ولذلك فإنهم ما تخلفوا عن ركب الحجاج إلا لحفظ الشريعة المحمدية في أوطانهم، وإخماد الفتن التي تشتت وحدة المسلمين وتضعف صفوفهم في مواجهة المتربصين بهم من الصليبيين.
ومن هؤلاء الملوك أبو حمو موسى الثاني الملك الزياني الذي استهل إحدى مولدياته بقوله:
نام الأحباب ولم تنـم ** عيني بـمصارعة الندم
وفيها يقول:
أدعوك إلـهي معتذرا ** في ضـوء الصبح وفي الظلم
قلبي انفطرا والدمع جرى ** والركب سرى نحو العلم
قلـبي بنواه أسـير هواه ** فيا شـوقاه إلى الخـيم
سرت الإبـل لما ارتحلوا ** قلبي حـملوا في ركبهم
حملوا خلدي أفنوا جلدي ** تركوا جسدي رهن السقم
حط العـشاق ركائبـهم ** بين العلمـين وبالحرم
وغدا الـمشتاق بزفرته ** في مغـربه يبـكي بدم
قد قيـدني ما قلدني ** من أمر حكـيم ذي حكم
وصروف الدهـر تعارضني ** عما أبغيه من القسم
ساروا وذنـوبي تقعدني ** فـقرعت السن من الندم
وبكيت الدمع على زللي ** ومزجت الدمع بفيض دم
بدت الأنوار على السمار ** من الأقـمار بذي سلم
زاروا الهادي بهوى بادي ** وحدا الحادي عزما بهم
شدوا عزموا فازوا غنموا ** لما قدمـوا لحمى الحرم
طافوا بالبيت وقد وقفوا ** ودعـوا إذ ذاك لربـهم
غـفرت بالبيت ذنوبهم ** عند الإقرار بذنـبهم
جسمي بتلمسان دنف ** والقلب رهـين بالحرم
ولأني أميـر الخلق فلم ** أسطع سيرا من أجلهم
فأقمت أصلح ما أفسدت ** بالغرب الفتن الدهم
وبعثت رسالة مكتئب ** لشفيع العرب مع العجم
وإذا استثنينا عنصر الاعتذار بالمسئولية فإن أبا حموا لا يختلف عن غيره من بقية الشعراء في شوقه وحنينه، ولا يختلف عنهم في أسلوبه الذي يغلب عليه اللون اليائس؛ و الذي تكرر في العديد من قصائده، ومنه على سبيل المثال قوله:
وأصبو إلى أرض الحبيب ومن بها ** متى ما سرى عرف النسيم الحجازي
فيا ليت شعري والديار قصية ** متى تسمح الأيام لي بلقا الحي
وتأخذ الأماكن المقدسة في شعر الحنين عند أبي حمو ـ كما هي عند غيره من الشعراء ـ أبعادا روحية تخرجها عن طبيعتها الجغرافية أو الفيزيائية. وهذا ما نراه في القصيدة التي استهلها بقوله:
ألفت الضنى وألفت النحيبا ** وشب الأسى في فؤادي لهيبا
حيث يقول:
وأضحى من الشوق جسمي عليلا ** وأمسى من الهجر قلبي كئيبا
أحن إلى الفجر عند الطلوع ** وللشمس حين تروم الغروبا
إذا هبت الريح من طـيبة ** تعطرت الأرض مسكا وطيبا
فأصبو إليـها ومن أجلها ** أحب الصبا وأحب الجنـوبا
تـهب النواسم من أرضها ** فيزداد نار اشتياقي لهـيبا
حنينا وشوقا إلى الـمصطفى ** إلى من به الله يـمحو الذنوبا
فيا حادي العيس نحو الحمى ** إذا جئت ذاك الجناب الرحيبا
وزاد الهوى حين زال النوى ** وجئت اللوى واعتمدت الكثيبا
لقبر التهـامي لبدر التمام ** لخيـر الأنام شفـيعا حبيـبا
فبـلغ إليه سـلامي عليه ** فإن لديـه لسقـمي طبيـبا
~~~~~~~~~~~~~~~~~
ومن ملوك المغرب الذين كتبوا إلى الحضرة النبوية أبو زكريا الحفصي صاحب تونس؛ الذي بعث إلى الروضة الشريفة برسالة زاوج فيها بين الشعر والنثر مزاوجة مراوحة استهلها بالنثر ثم انتقل إلى الشعر ليعود إلى النثر مرة أخرى، ثم انتقل ثانية إلى الشعر قبل أن يختم بالنثر، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى ذلك العذر المشترك الذي يقدمه الملوك بين يدي رسائلهم ـ في أغلب الأحيان ـ وهو أن تأخرهم عن زيارة البقاع، رغم شوقهم لرؤية ساكنها، إنما يرجع إلى انشغالهم بالجهاد للدفاع عن شريعته وحماية أمته، وهذا ما نراه في هذين المقتطفين من تلك الرسالة الطويلة، حيث يقول في أولهما: (17)
سلام كعرف الروض باكره القطر ** إذا ما خطا قطر تداوله قطر
تحية من قد قسم الشوق قلبه ** ففي طيبة شطر وفي تونس شطر
أطارت قسي الشوق أفلاذ صدره ** فلله ما أودى به ذلك الأطر
كأن النوى لم تصم غير جوانحي ** فوا كبدي لو در لي ذلك الشطر
أما في المقتطف الثاني، وهو نثري، فيقول:
على أني يا رسول الله لم آل جهدا في طاعتك التي بها نهتدي، ولا أغفلت فريضة جهاد أروح عليه وأغتدي، فمتى أحسست نبأة بادرت إليها، فقد قلت صلى الله عليك جهاد يوم خير من الدنيا وما عليها، فإن تأخرت عن زيارتك إقداما فقد أعملت في عضد سنتك أقداما، وإن لم أنتبه فإني يقظ لما جئت أنت به، وإن لم أرد من تلك الشريعة، فإني بان دفاعي عن شريعتك بكل ذريعة، في بلاد تجادع أفاعيها، ويصم واعيها، ولا يجاب إلى شقاق واختلاق داعيها، فقد صارت المواسط تغور فتنتها وتنجد، وتركع فيها المواضي إلى محاريب السنابك وتسجد، وقد أوى كثير من بلاد الإسلام إلى ذمة الصليب، ولم يأخذ أهلها من الرأي والأناة بنصيب، فوقفت دونها لا رغبة عن مهوى أفئدة العباد، ورعيت هدونها لا تثاقلا عن بيت سواء العاكف فيه والباد، ورابطت أطرافها لا عجزا عن البيت العتيق. . . .”
وإذا كانت النماذج التي استعرضناها لا تمثل كل شعر أو أدب الحنين إلى البقاع المقدسة في المغرب والأندلس فإنها كافية لإعطائنا فكرة موجزة عن هذا الموضوع، والخلاصة التي يمكن الخروج بها مما تقدم هي أن شعر الشوق والحنين إلى البقاع المقدسة يشكل ظاهرة بارزة في الشعر المغربي والأندلسي، وهو ـ في تقديرنا ـ استجابة طبيعية لظروف المغاربة والأندلسيين، حاول من خلالها الشعراء أن يعبروا عن ارتباطهم بتلك الأماكن؛ التي يشكل حبها والحنين إليها جزءا هاما من مشاعر كل مسلم.



بقلم: الأستاذ الدكتورالربعي بن سلامة
 

شذى الروح

مزمار داوُدي
7 مايو 2008
3,503
46
0
الجنس
أنثى
رد: ™©»?•.¸¸.•?الشعر العذب في الشوق إلى بيت الله الحرام والمدينة•.¸¸.•?«اـ©™

" عن مكة "
أهيم بروحي على الرابية
وعند المطاف وفي المروتين


وأهفو إلى ذكرى غالية
لدى البيت والخيف والأخشبين


فيهدر دمعي بآمــاقيه
ويجري لظاه على الوجنتين


ويصرخ شوقي بأعماقيه
فأرسـل من مقلتي دمعتين
============
" عن المدينة "
فيا طيب المدينة كُل شِبرٍ
يُضيءُ بها ويرفـُلُ في سناها


ويا طيب المدينة كلُ نفسٍ
تود لو انها نالت رضاها


ويا طيب المدينة كل قلبٍ
يطيرُ لَها و يخفق في لِقـَاها


وياطيب المدينة كل شخصٍ
يحن لها و يحرص ان يراها


ويا طيب المدينة زملوني
بتربها لأنعم في حشاها


دعوني ألثم التراب احتراماً
لِما في التُربِ من طُهرٍ تناها


أَحن الى المدينة إن فيها
مُحمدُ صلى الله عليه وسلم بالهدى و الدين باها


اللهم اجعل حبَك أحب الأشياء إلينا ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا ،
واقطع عنا حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك يا أرحم الراحمين

وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فأقرر أعيننا من محبتك
وعبادتك، يا ذا الجلال والإكرام
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



منقول

 

ابو العزام

مراقب الأركان العامة والتقنية
مراقب عام
27 أغسطس 2009
63,014
4,770
113
الجنس
ذكر
رد: ™©»?•.¸¸.•?الشعر العذب في الشوق إلى بيت الله الحرام والمدينة•.¸¸.•?«اـ©™

بارك الله فيكم ..
 

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع