اقرأ أول سورة " المؤمنون " بتدبر ، تجد أن من أهم صفات المؤمنين المفلحين :
إتقان العمل ، والمداومة عليه ، وهذان الأمران هما سر النجاح وأساس الفلاح ، فالخشوع في الصلاة يشير إلى ضرورة الإتقان ، والمحافظة على جميع الصلوات لا تكون إلا بالمداومة والاستمرار . د. محمد القحطاني .
سورة المؤمنون أولها ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) المؤمنون : 1 وآخرها : ( إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) المؤمنون : 117 فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة ! [ الزمخشري / الكشاف 4/373 ]
فتأمل – يا عبد الله – في الصفات التي جعلت أولئك المؤمنون يفلحون ، وتأمل أواخر هذه السورة لتدرك لم لا يفلح الكافرون ؟! .
من أعظم موانع الخشوع :كثرة اللغو والحديث الذي لا منفعة فيه ؛ ولذلك ذكر من صفات المؤمنين إعراضهم عن اللغو بعدما ذكر خشوعهم فقال : ( قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ ) المؤمنون 1-3 . د. محمد الخضيري .
تأمل كيف قرن الله بين أكل الطيبات وعمل الصالحات في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) المؤمنون : 51 ،
فأكل الحلال الطيب مما يعين العبد على فعل الصالحات ، كما أن أكل الحرام أو الوقوع في المشتبهات مما يثقل العبد عن فعل الصالحات . فهد العيبان .
أوصى سفيان الثوري رجلاً فقال : إياك أن تزداد بحلمه عنك جرأة على المعصية ، فإن الله لم يرض لأنبيائه المعصية والحرام والظلم ، فقال : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) المؤمنون : 51 ، ثم قال للمؤمنين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ) البقرة : 267 ، ثم أجملها فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) البقرة : 168 . حلية الأولياء 7/24 .
قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) المؤمنون : 60 ، أي : خائفة ، يقول الحسن البصري :يعملون ما يعملون من أعمال البر ، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم ، إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة وإن المنافق جمع إساءة وأمنا . تفسير الطبري 19 / 45 .
كان سهل بن عبد الله التستري يقول : إنما خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة ، وعند كل حركة ، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) المؤمنون : 60 . إحياء علوم الدين 4/172 .
( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) المؤمنون : 61 ، هذا دليل على أن المبادرة إلى الأعمال الصالحة ؛ من صلاة في أول الوقت – وغير ذلك من العبادات – هو الأفضل ،
ومدح الباري أدل دليل على صفة الفضل في الممدوح على غيره . ابن العربي / أحكام القرآن 5 / 467 .
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) المؤمنون : 96 ، فقه الآية :اسلك مسلك الكرام ، ولا تلحظ جانب المكافأة ، ادفع بغير عوض ، ولا تسلك مسلك المبايعة ، ويدخل فيه : سلم على من لم يسلم عليك ، والأمثلة تكثر . ابن العربي / أحكام القرآن 5 / 473 .
تم بحمــد الله الإنتهـــاء من رســـــائل تدبر ( ســورةالمـؤمنــون) ننتقل بإذن الله إلى رسائل تدبر سورة ( النـــور ) .
قال تعالى في أول سورة النور : ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) النور : 1 ، فهذه السورة فيها حجج التوحيد ، ودلائل الأحكام ، والكل آيات بينات ، فحجج العقول ترشد إلى مسائل التوحيد ، ودلائل الأحكام ترشد إلى وجه الحق ، وترفع غمة الجهل ، وهذا هو شرف السورة ، فيكون شرفاً للنبي – صلى الله عليه وسلم – في الولاية ، شرفا لنا في الهداية . أحكام القرآن لابن العربي 5/478 .
قوله تعالى بعد ذكره أحكام القذف : ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) النور : 10 ، قد يقال : إن المتوقع أن يقال : ( توابٌ رحيمٌ ) ؛ لأن الرحمة مناسبة للتوبة ، لكن ختمت باسم الله ( حَكِيمٌ ) إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته ، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة . السيوطي / الإتقان 2/275 .
( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) النور : 19 ،
في هذه الآية وعيد رباني لا يتخلف للذين يتبنون مشاريع الفساد والإفساد في الأرض بالعذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة ، سواء كان حسياً أو نفسياً ، علمنا به أم لم نعلم ؛ ولذلك ختمها بقوله : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النور : 19 ، وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين ، وإذهاب لغيظ قلوبهم . أ.د. ناصر العمر .
أتحب أن يعفو الله عنك ، ويغفر لك ؟ إنه عمل سهل ؛ لكنه عند الله عظيم ! وهذا يتحقق لك بأن تعفو وتصفح عن كل مسلم أخطأ في حقك ، أو أساء إليك ، أو ظلمك ، فإن استثقلت نفسك هذا ، فذكرها قول ربها : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) النور : 22 . د. محمد العواجي .
لماذا توصف المؤمنات المحصنات بـ ( الْغَافِلَاتِ ) ؟ النور : 23 ، إنه وصف لطيف محمود يجسد المجتمع البريء ، والبيت الطاهر الذي تشب فتياته زهرات ناصعات ، لا يعرفن الإثم ، إنهن غافلات عن ملوثات الطباع السافلة ،
وإذا كان الأمر كذلك فتأملوا كيف تتعاون الأقلام الساقطة ، والأفلام الهابطة لتمزق حجاب الغفلة هذا ، ثم تتسابق وتتنافس في شرح المعاصي ، وفضح الأسرار وهتك الأستار ، وفتح عيون الصغار قبل الكبار ؟! ألا ساء ما يزرون !! د. صالح ابن حميد .
لما ذكر الله الأمر بغض البصر للمؤمنين والمؤمنات في سورة النور : ختمها بقوله سبحانه : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور : 31 ،
وكأن تنصيصه على ذكر الجميع إشارة إلى أن هذا الذنب لا يكاد يسلم منه أحد .
تأمل هذا السر العظيم من أسرار التنزيل ، وإعجاز القرآن الكريم ، ذلك أن الله تعالى لما ذكر في فاتحة سورة النور شناعة جريمة الزنى ، وتحريمها تحريماً غائباً ،
ذكر من فاتحتها إلى تمام الآية : 33 أربع عشرة وسيلة وقائية ، تحجب هذه الفاحشة ، وتقاوم وقوعها في مجتمع الطهر والعفاف جماعة المسلمين ، وهذه الوسائل الواقية : فعلية ، وقولية ، وإرادية . [ بكر أبو زيد / حراسة الفضيلة ص : 158 ] فحاول أن تستخرجها زادك الله فهماً في كتابه .
( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) النور : 35 ، فهلا سألت نفسك – إذا أحسست بظلمة في صدرك ، أو قلبك – ما الذي يجول بينك وبين هذا النور العظيم الذي ملأ الكون كله ؟! ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) النور: 40 . أ.د. ناصر العمر .
في قوله تعالى : ( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) النور : 35 ، شبه الله تعالى الزجاجة بالكوكب ، ولم يشبهها بالشمس والقمر ؛ لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف ، والكواكب لا يلحقها الخسوف . تفسير البغوي 3/300 .
( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ) النور : 35 ، تأمل !كم حرم هذا النور أناس كثيرون هم أذكى منك ! وأكثر اطلاعاً منك ! وأقوى منك ! وأغنى منك !
فاثبت لعى هذا النور ، حتى تأتي – بفضل الله – يوم القيامة مع من ( نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ) التحريم : 8 . د. عمر المقبل .
من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً ، نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه ، نطق بالبدعة ، قال تعالى : ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) النور : 54 . أبو عثمان الهروي / مجموع الفتاوى لابن تيمية 11/ 210 .
تم بحمــد الله الإنتهـــاء من رســـــائل تدبر ( ســورةالنــــور) انتظرونـا مع رسائل تدبر سورة ( الفـــرقان ) .
( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ ) الفرقان : 20 : هذا يدل على فضل هداية الخلق بالعلم ، ويبين شرف العالم على الزاهد المنقطع ، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كالطبيب ، والطبيب يكون عند المرضى ، فلو انقطع عنهم هلك . ابن هبيرة / ذيل طبقات الحنابلة 1/239 .
استنبط بعض العلماء من قوله تعالى : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) الفرقان : 24 ، أن حساب أهل الجنة يسير ، وأنه ينتهي في نصف نهار ، ووجه ذلك أن قوله : ( مقيلا ) : أي مكان قيلولة ، وهي الاستراحة في نصف النهار . الشنقيطي / أضواء البيان 5 / 278 .
هناك طوائف كبيرة وأعداد عظيمة ممن ينتسب إلى الإسلام حرمت من القيام بحق القرآن العظيم وما جاء عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، وأخشى أن ينطبق على كثير منهم قوله تعالى :
( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) الفرقان :30 . ابن باز / مجموع فتاواه 2/133 .
( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ) الفرقان : 53 ، يقول العلامة الشنقيطي :ومن المواضع التي وقع فيها هذا : نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سان لويس ، وقد زرتها عام 1366هـ ، واغتسلت مرة في نهر السنغال ،
ومرة في المحيط ، ولم آت محل اختلاطهما ، لكن أخبرني بعض المرافقين الثقاة أنه جاء إليه ، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذباً وفراتاً ، وبالأخرى ملحاً أجاجاً ،
والجميع في مجرى واحد ، لا يختلط أحدهما بالآخر ، فسبحانه جل وعلا ما أعظمه ، وما أكمل قدرته !. أضواء البيان 6/65 .
قوله تعالى : ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىَ رَبّهِ ظَهِيراً ) الفرقان : 55 ، هذا من ألطف خطاب القرآن وأشرف معانيه ، فالمؤمن دائماً مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه ، وهذا معنى كونه من حزب الله وجنوده وأوليائه ، والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه ، وعبارات السلف على هذا تدور . ابن القيم / الفوائد ص 80 .
من ثمرات تدبر المشتركين : لما ختمت سورة الفرقان بذكر جملة من أوصاف عباد الرحمن ، كان من مقدمة وخاتمة وصفهم " الدعـــاء " : ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) الفرقان : 65 ،
( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) الفرقان : 74 ثم ختم السورة ببيان حال من ترك الدعاء ، وأن الرب لا يكترث به ولا يبالي بأي واد هلك : ( قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ) الفرقان : 77 .
( وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) الفرقان : 72 كثيرون يحملون معنى هذه الآية على الشهادة بالزور فقط ، وهذا فهم قاصر ؛
فالمعنى أعم من ذلك وأعظم ، فكل منكر زور ، فمن علم به ولم ينكره بلا عذر فقد افتقد صفة عظيمة من صفات " عباد الرحمن " ، وكفى بذلك خسراناً مبيناً . أ.د. ناصر العمر .
( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) الفرقان : 73 قال ابن العربي : قال علماؤنا : يعني الذين إذا قرؤوه بقلوبهم قراءة فهم وتثبيت ، ولم ينثروه نثر الدقل ؛ فإن المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صمم وعمى عن معاينة وعيده ووعده . أحكام القرآن لابن العربي 6/176 .
تأمل وجه إشارة القرآن إلى طلب علو الهمة في دعاء عباد الرحمن – أواخر سورة الفرقان – ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) الفرقان : 74 ،
ثم تأمل كيف مدح الناطق بهذا الدعاء ! فكيف بمن بذل الجهد في طلبه ؟ ثم إن مدح الداعي بذلك دليل على جواز وقوعه ، جعلنا الله تعالى أئمة للمتقين . د. محمد العواجي .
تم بحمد الله الإنتهـــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة الفرقــــــان) انتظرونــا مع رسائل تدبر سورة ( الشعـــراء ) .
في سورة الشعراء آية (52) قال تعالى في قصة أصحاب موسى : ( أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ) فسماهم بالاسم الشريف :عبادي ، فلما ضعف توكلهم ، ولم يستشعروا كفاية الله لهم ، سلبهم هذا الوصف الشريف ،
فقال عنهم ( آية 61 ) : ( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) . د. محمد بن عبد الله القحطاني .
( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) الشعراء : 61-62 ، إنها كلمات الواثق بنصر ربه ، قال : ( مَعِيَ ) ولم يذكر قومه معه ، بينما قال نبينا عليه الصلاة والسلام : ( إن الله معنا ) بضمير الجمع ، ولم يكن معه إلا أبو بكر – رضي الله عنه - ، أليس ذلك يوحى بأن أبا بكر يعدل أمة ؟ د. عويض العطوي .
في مثل هذا اليوم العظيم ( 1 ) – عاشوراء – قال موسى عليه السلام : ( قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) الشعراء : 62 ، فما أحوجنا إلى مثل هذه الإيمان الراسخ الذي ينبئ عن ثقة بالله وتفاؤل بالمستقبل ، وإن هذه الآية لقوة ردع وزجر لمن يجعل ثقته بالأحوال المحيطة ، والأسباب الظاهرة أقوى من حسن ظنه بالله ، فهل يدرك ذلك ضعاف الإيمان ؟ والمنهزمون الذين تزلزل إيمانهم أمام استكبار وطغيان القوى الظالمة ؟
إن رب موسى وصحبه ، هو ربنا لو كانوا يعقلون ( وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) الأنبياء : 88 . أ.د . ناصر العمر .
---------------------------------------- 1- أرسلت هذه الرسالة بمناسبة يوم عاشوراء .
تأمل قوله تعالى : ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) الشعراء : 82 ، فإذا كان الخليل طامعاً في غفران خطيئته ، غير جازم بها على ربه ، فمن بعده من المؤمنين أحرى أن يكونوا أشد خوفاً من خطاياهم . القصاب .
( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ) الشعراء : 84 قال الإمام مالك – رحمه الله - : لا بأس أن يحب الرجل أن يثني عليه صالحاً ويرى في عمل الصالحين ، إذا قصد به وجه الله ولم يراء به ، وهو الثناء الصالح ؛
وقد قال الله ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ) طه : 39 . أحكام القرآن لابن العربي 6/179 .
( إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) الشعراء : 89 ، ولا يكون القلب سليما إذا كان حقوداً حسوداً ، معجباً متكبراً ، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه والله الموفق برحمته . ابن العربي / أحكام القرآن 6/181 .
تدبر في سر الجمع والإفراد في الآية التالية : ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) الشعراء : 100-101 ،
وإنما جمع الشافع لكثرة الشافعين ، ووحد الصديق لقلته ، أي في العادة . الزمخشري / الكشاف 5/22 .
من كذب برسول واحد فهو مكذب بجميع الرسل ، ولذا قال تعالى : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ) الشعراء : 105 ،
مع أنهم لم يأتهم إلا رسول واحد ، ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل ، ولم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه . ابن تيمية / مجموع الفتاوى 9/238 .
من ثمرات تدبر المشتركين :نزل القرآن على أعظم عضو في الجسم ( القلب ) ؛ ليستنهض بقية الجوارح للتدبر والعمل ،
قال تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) الشعراء : 193-194 ، فمن لم يحضر قلبه عند التلاوة أو السماع فلن ينتفع بالقرآن حقاً : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) ق: 37 .
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) الشعراء : 227 ، ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول ، ولا أنكى لقلوب المتأملين ولا أصدع لأكباد المتدبرين ،
وذلك قوله : ( وَسَيَعْلَمُ ) وما فيه من الوعيد البليغ ، وقوله : ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) وإطلاقه ، وقوله : ( أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) وإبهامه ، وكان السلف الصالح يتواعظون بها . الزمخشري / الكشاف 3/350 .
تم بحمد الله الإنتهـــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة الشعـــــراء) انتظرونـــا مع رسائل تدبر سورة ( النمــل ).
إذا تأملت قوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) النمل : 15 ، بدا لك فضل العلم على كثير من نعم الحياة ، قال السبكي : فإن الله آتى داوود وسليمان من نعم الدنيا والآخرة ما لا ينحصر ، ولم يذكر من ذلك – في صدر الآية – إلا العلم ؛ ليبين أنه الأصل في النعم كلها . أ.هـ فيا من أنعم الله عليه بسلوك سبيل العلم ، لا زلت تفضل بعلمك أقواما ، فاشكر الله على ذلك ، وقل كما قالا : ( الحمد لله الذي فضلني ... ) . إبراهيم الأزرق .
من بلاغة القرآن : ما فيه من أسلوب الاحتراس إذا خشي أن يفهم من الآية خلاف المقصود ، ولذلك أمثلة ، منها :ما حكاه الله عن النملة : ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) النمل : 18 ، فقوله : ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) احتراس يبين أن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا . الزركشي / البرهان 3/65 .
قد يكون عند أدنى الناس علم ما لا يعلمه إمام زمانه ، وقد علم الهدهد أمر ما علمه نبي مرسل ، فاقرأ – إن شئت – قوله تعالى : ( أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) النمل : 22 . ابن القيم / مدارج السالكين 2/52 ، مفتاح دار السعادة 1/173 . والسؤال :هل يدعونا كلام هذا الإمام إلى الاستعانة بالله ، والاجتهاد في استخراج المعاني التدبرية من كتاب الله تعالى ؟ فقد يُفتح على رجل ما لا يفتح على من هو فوقه ، مع الانضباط في ذلك بالضوابط الشرعية ، والرجوع إلى أهل العلم والاستفادة منهم في تنمية هذه الملكة .
تأمل قوله تعالى – لما جيء بعرش بلقيس لسليمان عليه السلام - : ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ ) النمل : 40 ، فمع تلك السرعة العظيمة التي حمل بها العرش ، إلا أن الله قال : ( مُسْتَقِرًّا ) وكأنه قد أتي به منذ زمن ، والمشاهد أن الإنسان إذا أحضر الشيء الكبير بسرعة ، فلا بد أن تظهر آثار السرعة عليه وعلى الشيء المحضر ، وهذا ما لم يظهر على عرش بلقيس ، فتبارك الله القوي العظيم . ابن عثيمين / سمعها منه د . عمر المقبل .
لا تجد في القرآن ذكر ( المطر ) إلا في موضع الانتقام والعذاب بخلاف ( الغيث ) الذي يذكره القرآن في الخير والرحمة ؛
قال تعالى : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ) النمل : 58 ، في حين قال : ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) الشورى : 28 . د. فاضل السامرائي / التعبير القرآني 15 .
تم بحمد الله الإنتهــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة النمـــــل ) ننتقل بإذن الله إلى رسائل تدبر سورة ( القصـــص ) .
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ ) القصص :5-6 ،
هاتان الآيتان صدرت بهما سورة القصص ، التي تحدثت عن المستضعفين – ومنهم موسى في نشأته صغيراً – وكيف مكن له الله في آخر أمره ، وفي ذلك عزاء لإخواننا المستضعفين في فلسطين وغيرها فيما يلاقونه من بلاء وشدة ، يعقبها قوة وتمكين بإذن الله .
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) القصص : 7 ، ذكر القرطبي – في تفسيره – أن الله تعالى جمع في هذه الآية بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين ، فتأملها فتح الله على قلبك .
لما قتل موسى القبطي قال : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ) القصص : 16 ، قال ابن عطية : إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى ، فغفر الله خطأه ذلك ، قال قتادة : عرف – والله – المخرج فاستغفر . المحرر الوجيز 4/332 .
( وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) القصص : 20 ،
انظر كيف جمعت هذه الآية صفات الدعاة الناصحين : حرص على مصلحة الناس ، ودفع ما يضرهم ، ويتحملوون التعب والمشقة من أجلهم ، ويقترحون الحلول المناسبة لحل المشاكل . د. محمد بن عبد الله القحطاني .
في قول موسى – عليه السلام – بعد أن سقى للمرأتين : ( رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير ) القصص : 24 ، قال ابن عباس – رضي الله تعالى عنه - : كان قد بلغ به الجوع ما بلغ ، وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله . فعلق ابن عطية قائلاً : وفي هذا معتبر ، وحاكم بهوان الدنيا على الله ! . المحرر الوجيز 5/189 .
في قوله تعالى عن موسى عليه السلام : ( رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير ) القصص : 24 ، إشارة إلى سبب عظيم إجابة من أسباب إجابة الدعاء ، وهو إظهار الافتقار إلى الله عز وجل . د . محمد الحمد .
( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) القصص : 25 ، وصفها بالحياء في مشيها خصوصاً ، وهذا فيه توجيه للمرأة المسلمة ؛ فالمشي عند المرأة يدل على شخصيتها بل يدل على عفافها من عدمه ، فانتبهي أختي الكريمة للمشي فهو ليس أمرا هامشيا في حياة المرأة بل هو أمر مهم ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه . ثم قالت : ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ) القصص : 25 ، ولم تقل : إننا ندعوك ، لأن هذا هو اللائق بالمؤمنة العفيفة حينما تتحدث مع الرجال الغرباء . د. عويض العطوي .
أركان الولاية اثنان : القوة ، والأمانة : ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين ) القصص : 26 ، ( قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) النمل : 39 ،
فمن العدل ألاَّ يولى أحد منصباً إلا وهو أهل له في قوته وفي أمانته ، فإن ولى من ليس أهلاً مع وجود من هو خير منه فليس بعادل . ابن عثيمين / شرح رياض الصالحين 1/461 .
استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى : ( وَسَارَ بِأَهْلِهِ ) القصص : 29 ، بأن فيها دليلاً على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء ، لما له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة ، إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم ، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحلت به الفروج . القرطبي / أحكام القرآن 13 / 281 .
( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ) القصص : 34 ،
فيه إشارة إلى أهمية العناية بالجانب البياني والإعلامي في باب دعوة الآخرين ، مسلمين أو غيرهم ، وأنه لا يكفي مجرد صدق الداعي ، بل يحسن مع ذلك أن يهتم بكل وسيلة تكون سببا في إبلاغ دعوته ، والتأثير بها . د . عمر المقبل .
تأمل قوله تعالى في سورة القصص : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ ) القصص : 71 ،
وفي الآية التي تليها : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) القصص : 72 ، وإنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار عند ذكر النهار ؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار ، ويرى بالنهار أكثر مما يرى باليل . الوزير ابن هبيرة / ذيل طبقات الحنابلة 1/240 .
( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) القصص : 77 ،
هي خمس كلمات متباعدة في المواقع ، نائية المطارح ، قد جعلها النظم البديع أشد تآلفا من الشيء المؤتلف في الأصل ، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع . الباقلاني / إعجاز القرآن 194 .
( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ ) القصص : 80 ، إيثار ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء فمن كان هكذا فهو عالم ، ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم . الوزير ابن هبيرة / ذيل طبقات الحنابلة 1/240 .
لما خسف بقارون قال من تمنى حاله : ( لَوْلا أَن مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ ) القصص : 82 ، وهم بالأمس يتضرعون : ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) القصص : 79 ، قف متأملا متدبراً : كم دعوة حزنت على عدم استجابة الله لك إياها ؟ بل قد يسيء البعض بربه الظن ، فيخالطه شك أو ريبة أو قنوط ! وما علم المسكين أن خيرة الله خير من خيرته لنفسه ،
كما صرف الشر عن أصحاب قارون ، ولكن (وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ ) القصص : 80 (1) . أ.د. ناصر العمر .
---------------------
1- أرسلت هذه الرسالة أيام الاختبارات ، فجاء هذا التعليق من أحد الإخوة المشتركين :أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء ، فأنا طالب جامعي وقد دعوت كثيراً في اختباراتي بأن يكون معدلي كاملاً ، ثم لما نظرت نتيجتي وجدتني نقصت كثيراً ، فأصابني حزن وغم لعدم استجابة الدعوة ، ثم لما قرأت رسالتكم بالأمس حول : ( لَوْلا أَن مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ ) القصص : 82 حمدت الله واطمأننت واستبشرت فالدعاء لن يضيع ، ولعل في النقص خيراً .
تم بحمد الله الإنتهـــــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة القصـــــص ) انتظرونــا مع رسائل تدبر سورة ( العنكبــوت ) .
( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت : 3 ، قال قتادة : ليعلم الصادق من الكاذب ، والطائع من العاصي ، وقد كان يقال : إن المؤمن ليضرب بالبلاء كما يفتن الذهب بالنار ، وكان يقال : إن مثل الفتنة كمثل الدرهم الزيف يأخذه الأعمى ويراه البصير . الدر المنثور 6/450 .
( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) العنكبوت :12 ،
ونرى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك ! فيقول لصاحبه – إذا أراد أن يشجعه على فعل ارتكاب بعض العظائم - : افعل هذا وإثمه في عنقي ! وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم . الزمخشري / الكشاف 3/ 448 .
قوله تعالى: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) [العنكبوت:13] بيان لما يستتبعه قولهم ذلك في الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلا، والتعبير عن الخطايا بالأثقال للإيذان بغاية ثقلها وكونها فادحة. الألوسي / تفسيره 15/245 .
قال عباس بن أحمد في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) العنكبوت : 69 ، قال : الذين يعملون بما يعلمون ، نهديهم إلى ما لا يعلمون . اقتضاء العلم العمل ، ص : 30 .
قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) العنكبوت : 69 ،
علق سبحانه الهدايية بالجهاد ، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً ،وأفرض الجهاد جهاد النفس ، وجهاد الهوى ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله ؛ هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد . ابن القيم / الفوائد ، ص: 58 .
تم بحمد الله الإنتهــاء من رســـــائل تدبر ( ســورة العنكــبوت) انتظرونــا مع رسائل تدبــر سورة ( الــروم ) .
ما الذي جعل العلامة الشنقيطي يقول عن هذه الآية : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم : 7 ،
يجب على كل مسلم أن يتدبر هذه الآية تدبراً كثيراً ، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس ؟ قال رحمه الله : لأنه من أعظم فتن آخر الزمان – التي ابتلي بها ضعاف العقول من المسلمين – شدة إتقان الإفرنج لأعمال الدنيا ، مع عجز المسلمين عنها ، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال على الحق ، وأن العاجز عنها ليس على حق ، وهذا جهل فاحش ، وفي هذه الآية إيضاح لهذه الفتنة ، وتخفيف لشأنها ، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه ، وأحسن تعليمه ! أضواء البيان 6 / 166 .
عن الحسن البصري في قوله تعالى : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الروم : 7 ، قال : إنه ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره ، فيخبرك بوزنه ، وما يحسن يصلي !! الدر المنثور 6/484 .
جمع الله تعالى الحمد لنفسه في الزمان والمكان كله فقال : ( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) الروم : 18 ،
وقال : ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ ) القصص : 70 ،
فتبين بهذا أن الألف واللام في ( الْحَمْدُ ) مستغرقة لجميع أنواع المحامد ، وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه ، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به . الشنقيطي / أضواء البيان 1/5 .