رد: {فوائد مستنبطه من قصة يوسف عليه السلام}
الفصل الثاني
وأما رؤيا الملك
فإنه رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف
وسبع سنبلات خضر يأكلهن ويستولي عليهم سبع سنبلات يابسات ضعيفات فهالته ,
وجمع لها كل من يظن فيه المعرفة فلم يكن عند أحد منهم علم بتعبيرها , وقالوا :
{ أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } [ سورة يوسف : الآية 44 ]
وبعد هذا تفطن الذي خرج من السجن لحالة يوسف وما هو عليه من العلم العظيم والعلم بالتعبير ,
وتفطن لوصيته التي أنساه الشيطان ذكر ربه لحكمة قد فصح أمرها ,
وأنه لا يخرج من السجن إلا بعد اشتهاره وتميزه العظيم على الناس كلهم بتعبير رؤيا الملك ,
فطلب هذا الرجل من الملك أن يرسله إلى يوسف , وأنه كفيل بمعرفة تفسيره فلما جاء يوسف قال له :
{ يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات }
فإن الملك والناس معه أرسلوني إليك لتفسرها لهم وهم في انتظار ذلك متشوقين إليه غاية التشوق , ولهذا قال :
{ لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } [ سورة يوسف : الآية 46 ]
ما أهم الملك وأزعجه ولاعه , ففي الحال فسرها يوسف صلى الله عليه وسلم ,
وزادهم مع التفسير حسن العمل بها وحسن التدبير ,
فأخبرهم أن البقر السمان والسنابل السبع الخضرات هي سنون رخاء وخصب متواليات تتقدم على السنين المجدبات ; وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جدب تليها
, وأن بعد هذه السنين المجدبات عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون .
وأنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة ويعدوا العدة للسنين الشديدات
فيزرعون زروعا هائلة أزيد بكثير من المعتاد , ولهذا قال :
{ تزرعون سبع سنين دأبا } [ سورة يوسف : الآية 47 ]
ومن المعلوم أن جميع السنين يزرع الناس , لكنه أراد منهم أن يزرعوا زروعا كثيرة ويبذلوا قواهم في كل ما يقدرون عليه , وأنهم يحتاطون في الغلات إذا حصلت بالتحصين والاقتصاد . فقال :
{ فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون } [ سورة يوسف : الآية 47 ]
أي احفظوا الحاصلات من الزرع حفظا تسلم به من الفساد والسوس بأن تبقى
في سنابلها ويقتصدون في هذه المدة مدة الرخاء فلا يسرفون في الإنفاق ,
بل يأكلون القليل ويحفظون الكثير . وإن بعد هذه السنين المخصبات سيأتي
عليكم سبع سنين مجدبات شديدات , تشمل الديار المصرية وما حولها ,
وإنها تأكل ما قدم لها مما حفظ في سنين الخصب إلا قليلا مما تحصنون .
ووجه المناسبة أنه كما تقدم أن الرؤيا تعبر بحال رائيها , والمناسبات
المتعلقة بها فكالرائي لها الملك الذي تتعلق به أركان الرعية وأمورها , ولهذا
كانت رؤياه ليست حاصة له , بل تشمل الناس والرعية .
ووجه المناسبة في تفسير البقرات والسنابل بالسنين ظاهرا في البقر من وجهين :
أحدهما أنها هي التي في الغالب يحرث عليها الأرض , والحروث والزروع وتوابعها تبع للسنين في خصبها وجدبها .
والوجه الثاني : البقر من المواشي التي سمنها وعجفها تبع للسنين أيضا , فإذا أخصبت سمنت وإذا جدبت عجفت وهزلت ; وكذلك السنابل تزهو
الزروع وتكمل وتنمو مع كثرة الماء والسنين المخصبات , وتضعف وتيبس مع السنين المجدبات ,
فكانت رؤياه في البقر والسنابل من أوصاف السنين وآثارها
ومن ذكر الوسائل والغايات . فالحرث للأراضي وسيلة , ونمو الزرع وحصول السمن
في المواشي هو الغاية من ذلك والمقصود . وأما قوله :
{ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } [ سورة يوسف : الآية 49 ]
أي يحصل للناس فيه غيث مغيث , تعيد الأراضي خصبها , ويزول عنها جدبها ,
وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع ; فدل هذا القيد على
أنه يلي هذه السبع ما يزيل شدتها , ويرفع جدبها ; ومعلوم أن توالي سبع سنين
مجدبات لا يبقي في الأرض من آثار الخضر والنوابت والزروع
ونحوها لا قليلا ولا كثيرا , ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم ;
وهذا ظاهر جدا , أخذه من رؤيا الملك ومن العجب أن جميع التفاسير التي
وقفت عليها لم يذكروا هذا المعنى , مع وضوحه , بل قالوا : لعل يوسف صلى الله عليه وسلم
جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون .
والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه , بل هو ولله الحمد ظاهر من مفهوم العدد , وأيضا ظاهر من السياق .
فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحا لرؤيا الملك .
ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة
على يوسف وعلى الملك وعلى الناس .
فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل
أن يعدوا لها عدتها فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية ,
وعلى ما جاورها , فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق .
ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها
حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر , واحتاج يوسف أن يقدر للجميع , ويوزع
عليهم توزيعا عادلا فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم ؟
وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه
من السجن وتقريب الملك له من اختصاصه به وتمكينه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ,
وهذا من إحسانه , والله لا يضيع أجر المحسنين .
ومع هذا الفضل فضل الله أعظم من ذلك , يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره , ويختص ويجمع له خير الدنيا والآخرة .