رد: {فوائد مستنبطه من قصة يوسف عليه السلام}
الفصل التاسع
(47)
إذا قيل : كيف خفي موضع يوسف على يعقوب وما بينه وبينه إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي الملح وعلمه أنه على الوجود وحرصه الشديد على لقياه ؟
فالجواب : ليس ذلك بغريب على قدرة الله , فإن الأسباب , وإن قويت جدا , لا خروج لها عن قضاء الله وقدره ; فإن الله تعالى أراد ألا يحصل الاجتماع إلا في الوقت الذي أجله والحالة
التي أرادها , لما له في ذلك من الحكم العظيمة , ومتى أراد الله شيئا في وقت مخصوص قدر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته ,
كما يقدر من الأسباب ما يحصل به ما أراد ; فالأسباب بيد العزيز الحكيم .
وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه , وهم أمة عظيمة , والتيه مسافة قصيرة , وهم بين أظهري قرى ومدن كثيرة . والمدة أربعون سنة , لم يهتدوا طريقا إلى مقصدهم , ولم يتيسر لهم من يرشدهم إلى قصدهم . وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين وهم في غار قريب من مدينة عظيمة لم يصل إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله .
فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته , مع أن يوسف صلى الله عليه وسلم بقي مدة الله علم بها وهو في بيت العزيز , ثم مدة وهو في السجن , ثم ترقى إلى تدبير الملك .
ومتى يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم ؟
ثم إنه وقت توليه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك , ولا يكاد أحد يعرف اسمه , كما هو الغالب على الملوك وأشباههم , ولهذا تردد إخوته عليه فعرفهم وهم لا يعرفونه , لما هو فيه من بهجة الولاية ;
وأيضا قد فارقوه وهو صغير ولم يروه إلا بعد ما كبر .
ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغير إذا وصل إلى سن الكهولة , والله أعلم .
هذا من جهة يعقوب وأولاده , أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله , ولهذا تردد عليه إخوته وقد عرفهم ولم يعرفهم بنفسه , ولم يستدع بأبويه وأهله إلا في نهاية الأمر .